فهرس الكتاب

الصفحة 8917 من 11127

5990 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (عَمْرُو) بفتح العين وسكون الميم (ابْنُ عَبَّاسٍ) بالموحدة والمهملة، أبو عثمان الباهليُّ البصري، ويُقال له الأهوازيُّ، أصله من إحداهما، وسكَن الأخرى، وهو من الطَّبقة الوسطى من شيوخ البخاريِّ، وانفرد به عن السِّتَّة، قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو غندر البصريُّ، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) سعد يقال هرمز البجليُّ الكوفي

ج 25 ص 376

(عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، واسمه عوف البجليُّ، قدِم المدينة بعد ما قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ) رضي الله عنه (قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِهَارًا) أي سماعًا جهارًا، ويحتمل أن يتعلَّق بالمفعول؛ أي كان المسموع في حال الجهر، ويحتمل أن يتعلَّق بالفاعل؛ أي أقول ذلك جهارًا، وقوله (غَيْرَ سِرٍّ) تأكيدٌ لدفع توهم أنَّه جهر به مرَّة، وأخفاه أُخرى، والمراد أنَّه لم يقل ذلك خفيةً، بل جهر به وأشاعه (يَقُولُ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّ آلَ أَبِي) كذا في رواية الأكثر بحذف ما يضاف إليه أداة الكنيةِ، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي كنايةٌ عن اسمٍ عَلَمٍ، وكذا هو في روايتي مسلم والإسماعيلي.

وذكر القرطبيُّ أنَّه وقع في أصل مسلم موضع فلانٌ بياضٌ، ثمَّ كتب بعض النَّاس فيه فلانٌ على سبيل الإصلاح، ولهذا وقع لبعض رواته أنَّ آل أبي؛ يعني فلان، ولبعضهم أنَّ آل أبي فلان بالجزم.

(قَالَ عَمْرٌو) هو ابن عبَّاسٍ شيخ البخاري (فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ) يعني غُندر شيخ عمرو فيه (بَيَاضٌ) قال عبد الحقِّ في «الجمع بين الصحيحين» الصَّواب في ضبط هذه الكلمة بالرَّفع؛ أي وقع في كتاب محمد بن جعفر موضعٌ أبيض؛ يعني بغير كتابةٍ.

وفَهِم بعضهم أنَّه الاسم المكنَّى عنه في الرِّواية، فقرأه بالجرِّ على أنَّه في كتاب محمد بن جعفر أنَّ آل أبي بياضٍ، وهو فهم سيء ممَّن فهمه؛ لأنَّه لا يُعرف في العرب قبيلةٌ يُقال له آل أبي بياض، فضلًا عن قريشٍ، وسياق الحديث يُشعر بأنَّهم من قبيلة النَّبي صلى الله عليه وسلم وهي من قريش، بل فيه إشعار بأنَّهم أخصَّ من ذلك؛ لقوله (( إنَّ لهم رحمًا ) ). وأبعد من حمله على بني بياضةَ، وهم بطنٌ من الأنصار لِما فيه من التَّغيير أو التَّرخيم على رأي [1] ، ولا يناسب السِّياق أيضًا.

وقال ابن التِّين حُذِفت التَّسمية؛ لئلَّا يتأذَّى المسلمون بذلك من أبنائهم.

وقال النَّووي هذه الكناية من بعض

ج 25 ص 377

الرُّواة خشي أن يصرِّح بالاسم فيترتَّب عليه مفسدةٌ، إمَّا في حقِّ نفسه، وإمَّا في حقِّ غيره، أو معًا. وقال القاضي عياض إنَّ المكنَّى عنه هنا هو الحكم بن أبي العاص.

وقال ابن دقيق العيد كذا وقع مبهمًا في السِّياق، وحمله بعضهم على بني أميَّة، ولا يستقيم مع قوله «آل أبي» ، فلو كانَ آل بني، لأمكن، ولا يصحُّ تقدير آل أبي العاص؛ لأنَّهم أخصُّ من بني أميَّة، والعام لا يفسَّر بالخاصِّ.

قال الحافظ العسقلانيُّ لعلَّ مراد القائل أنَّه أطلق العام، وأراد الخاص، وقد وقع في رواية وهب بن حفصٍ (( إنَّ آل بني ) )، لكن وهب لا يُعتمد عليه، وجزم الدِّمياطي في «حواشيه» بأنَّه آل أبي العاص بن أميَّة، ثمَّ قال ابن دقيق العيد إنَّه رأى في كلام ابن العربيِّ في هذا شيءٌ يراجع منه.

قال الحافظ العسقلانيُّ قال أبو بكر ابن العربي في «سراج المريدين» كان في أصل حديث عمرو بن العاص أنَّ آل أبي طالبٍ، فغيَّر إلى أبي فلان، كذا جزم به.

وتعقَّبه بعض النَّاس، وبالغ في التَّشنيع عليه، ونبَّه إلى التَّحامل على آل عليٍّ رضي الله عنه، ولم يصب هذا المنكر، فإنَّ هذه الرِّواية التي أشار إليها ابن العربي موجودةٌ في «مستخرج أبي نُعيم» من طريق الفضل بن الموفَّق عن عنبسة بن عبد الواحد بسندِ البخاريِّ عن بيان بن بِشر، عن قيس بن أبي حازمٍ، عن عَمرو بن العاص رفعه (( إنَّ لبني أبي طالبٍ رحمًا أبلُّها بِبِلالها ) ). وقد أخرجه الإسماعيليُّ من هذا الوجه أيضًا لكن أبهم لفظ «طالبٍ» ، وكان الحامل لمن أبهم هذا الموضع ظنُّهم أنَّ ذلك يقتضي نقصًا في آل أبي طالبٍ، وليس كما يتوهَّموه كما سيأتي.

(لَيْسُوا بِأَوْلِيَائِي) كذا في رواية الأكثرين، وفي نسخةٍ من رواية أبي ذرٍّ ، ونقل ابن التِّين عن الدَّاودي أنَّ المراد بهذا النَّفي من لم يسلم منهم، فيكون هذا من إطلاق الكلِّ، وإرادة البعض. وقال الخطابيُّ الولاية المنفيَّة ولاية القُرب والاختصاص،

ج 25 ص 378

لا ولاية الدِّين.

ورجَّح ابن التِّين الأوَّل، وهو الرَّاجح، فإنَّ من جملة آل أبي طالب عليًا وجعفرًا رضي الله عنهما، وهما من أخصِّ النَّاس بالنَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لِما لهما من السَّابقة والقدم في الإسلام، ونصر الدِّين.

وقد استشكل بعض النَّاس صحَّة هذا الحديث؛ لِما نسب إلى بعض رواته من النَّصْبِ، وهو الانحراف عن عليٍّ رضي الله عنه وآل بيته.

قال الحافظ العسقلانيُّ أمَّا قيس بن أبي حازمٍ، فقال يعقوب بن شيبة تكلَّم أصحابنا في قيس، فمنهم من رفع قدره وعظَّمه، وجعل الحديث عنه من أصحِّ الأسانيد، حتَّى قال ابن معينٍ هو أوثق من الزُّهري، ومنهم من حمل عليه، وقال له أحاديث مناكير.

وأجاب من أطراه بأنَّها غرائب، وإفراده لا يقدح فيه، ومنهم مَن حمل عليه في مذهبهِ، وقال كان يحمل على عليٍّ رضي الله عنه؛ ولذلك تجنَّب الرِّواية عنه كثيرٌ من قدماء الكوفيِّين. وأجاب من أطراه بأنَّه كان يقدِّم عثمان رضي الله عنه على عليٍّ رضي الله عنه فقط. قال الحافظ العسقلانيُّ والمعتمد عليه أنَّه ثقةٌ مقبول الرِّواية، وهو من كبار التَّابعين، سمع من أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه، فمن دونه. وقد روى عنه حديث الباب إسماعيل بن أبي خالدٍ، وبيان بن بِشر، وهما كوفيَّان لم يُنسبا إلى النَّصب، لكن الرَّاوي عن بيانٍ وهو عنبسة بن عبد الواحد أمويٌّ، وقد نُسِب إلى شيءٍ من النَّصب.

وأمَّا عمرو بن العاص رضي الله عنه وإن كان بينه وبين عليٍّ ما كان فحاشاه أن يُتَّهم، وللحديث محملٌ صحيحٌ لا يستلزم نقصًا في مؤمني آل أبي طالبٍ، وهو أنَّ المراد بالنَّفي المجموع لا الجميع، ويحتمل أن يكون المراد بآل أبي طالب أبو طالب نفسه، وهو إطلاقٌ شائعٌ، كقوله في أبي موسى (( إنَّه أوتي مزمارًا من مزاميرِ آل أبي داود ) ) [خ¦5048] ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( آل أبي أوفى ) ) [خ¦1497] . وخَصَّه بالذِّكر مبالغةً في الانتفاء ممن لم يُسلم؛

ج 25 ص 379

لكونه عمه وشقيق أبيه، وكان القيِّم بأمره ونصره وحمايته، ومع ذلك فلمَّا لم يتابعه على دينهِ انتفى من موالاته.

(إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ) بتشديد الياء مضافًا إلى ياء المتكلم المفتوحة (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) كذا في رواية الأكثرين بإفرادِ «صالح» ، ووقع في رواية البرقانيِّ (( وصالحو المؤمنين ) )بالجمع. وقال الزَّمخشريُّ وهو واحدٌ، وأريد به الجنس. وقد أجاز بعضُ المفسِّرين أنَّه كان في الأصل «وصالحو المؤمنين» ، لكن حُذفت الواو من الخطِّ على وفق النُّطق، وهو مثل قوله تعالى {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} [العلق 18] ، وقوله تعالى {يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ} [القمر 6] ، وقوله تعالى {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} [الشورى 24] .

وقال النَّووي معنى الحديث إنَّ وليي من كان صالحًا وإنْ بَعُد نسبه مني، وليس وليِّي من كان غير صالحٍ، وإن قَرُب منِّي نسبه.

وقال القرطبي فائدةُ الحديث انقطاع الولاية بين المسلمِ والكافر، ولو كان قريبًا حميمًا. وقال ابن بطَّال أوجب في هذا الحديث الولاية بالدِّين، ونفاها عن أهل رحمهِ، إن لم يكونوا من أهل دينه، فدلَّ ذلك على أنَّ النَّسب يحتاج إلى الولاية الَّتي يقع بها الموازنة بين المتناسبين والأقارب، وإذا لم يكونوا على دينٍ واحدٍ لم يكن بينهم توارثٌ ولا ولاية.

قال ويُستفاد منها أنَّ الرَّحم المأمور بصلتها، والمتوعَّد على قطعها هي الَّتي شرع لها ذلك، فأمَّا من أمر بقطعه من أجل الدِّين فيستثنى من ذلك، ولا يلحقُ الوعيد من قطعهِ؛ لأنَّه قطعٌ مَنْ أَمَرَ الله بقطعه، لكن لو وصلوا بما يُباح من أمر الدُّنيا كان فضلًا، كما دعا صلى الله عليه وسلم لقريش بعد أن كانوا كذَّبوه فدعا عليهم بالقحطِ، ثمَّ استشفعوا به فَرَقَّ لهم لمَّا سألوه رحمهم، فرحمهم ودعا لهم.

قال الحافظ العسقلانيُّ ويُتعقَّب كلامه في موضعين

أحدهما يشاركه فيه كلامُ غيره، وهو قَصْره النَّفي فيمن ليس على الدِّين، وظاهر الحديث

ج 25 ص 380

أنَّ من كان غير صالحٍ في أعمال الدِّين دخل في النَّفي أيضًا؛ لتقييدهِ الولاية بقوله (( وصالح المؤمنين ) ).

والثَّاني أنَّ صلة الرَّحم الكافر ينبغي تقييدها بما إذا آنسَ منه رجوعًا عن الكفر، أو رجا أن يخرج من صُلبه مسلمٌ، كما في الصُّورة الَّتي استُدل بها، وهي دعاء النَّبي صلى الله عليه وسلم لقريش بالخِصْب، وعلَّل بنحو ذلك، فيحتاجُ من يترخَّص في صلة رحمه الكافر أن يقصدَ إلى شيءٍ من ذلك. وأمَّا من كان على الدِّين، لكنَّه مقصِّر في الأعمال مثلًا، فلا يُشارك الكافر في ذلك.

وقال الطِّيبي المعنى إنِّي لا أوالي أحدًا بالقرابة، وإنَّما أحب الله لِما له من الحقِّ الواجب على العباد، وأحبُّ صالح المؤمنين لوجه الله تعالى، وأُوالي من أُوالي بالإيمان والصَّلاح، سواء كانوا من ذوي رحمي أم لا، ولكن أراعي لذوي الرَّحم حقَّهم؛ لصلة الرَّحم. انتهى.

وهو كلامٌ منقَّح من فحول الكلام، من فحول العلماء، وقد اختلف أهل التَّأويل في المراد بقوله تعالى {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} [التحريم 4] على أقوال

الأوَّل الأنبياء، أخرجه الطَّبريُّ وابن أبي حاتم عن قتادة، وأخرجه الطَّبري، وذكره ابن أبي حاتم عن سفيان الثَّوري، وأخرجه النَّقَّاش عن العلاء بن زيَّاد.

الثَّاني الصَّحابة، أخرجه ابن أبي حاتم عن السُّدِّي، ونحوه في «تفسير الكلبي» ، قال هم أبو بكرٍ وعمر وعليٌّ، وأشباههم رضي الله عنهم ممَّن هو ليس بمنافق.

الثَّالث خيار المؤمنين، أخرجه ابن أبي حاتمٍ عن الضَّحَّاك.

الرَّابع أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، أخرجه ابن أبي حاتمٍ عن الحسن البصريِّ.

الخامس أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، أخرجه الطَّبري، وابن مردويه عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه مرفوعًا، وسنده ضعيفٌ، وأخرجه الطَّبري وابن أبي حاتم عن الضَّحاك أيضًا، وكذا هو في «تفسير عبد الغني بن سعيد الثقفي» أحد الضُّعفاء بسنده، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما موقوفًا. وأخرجه ابن مردويه من وجهٍ آخر ضعيفٍ عنه كذلك، قال ابن أبي حاتم وروي عن عكرمة، وسعيد بن جُبير،

ج 25 ص 381

وعبد الله بن بُريدة، ومقاتل بن حيَّان كذلك.

السَّادس أبو بكر رضي الله عنه خاصَّة، ذكره القرطبيُّ عن المسيب بن شريك.

السَّابع عمر رضي الله عنه خاصَّة، أخرجه ابن أبي حاتم بسندٍ صحيحٍ عن سعيد بن جبير، وأخرجه الطَّبري بسندٍ ضعيف عن مجاهد، وأخرجه ابن مردويه بسندٍ واهٍ جدًا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

الثَّامن علي رضي الله عنه، أخرجه ابن أبي حاتم بسندٍ منقطعٍ عن علي نفسه مرفوعًا، وأخرجه بسندٍ آخر عن مجاهد، قال هو علي. وأخرجه ابن مردويه بسندين ضعيفين من حديث أسماء بنت عُميس مرفوعًا، قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( صالح المؤمنين عليُّ بن أبي طالبٍ ) ). ومن طريق أبي مالك عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مثله موقوفًا، وفي سنده واهٍ ضعيف. وذكره النَّقَّاش عن ابن عبَّاس، ومحمد بن علي الباقر، وابنه جعفر بن محمد الصَّادق.

قال الحافظ العسقلانيُّ فإن ثبت هذا ففيه دفع توهُّم أنَّ في الحديث المرفوع نقصًا من قدر علي رضي الله عنه، ويكون المنفي أبا طالبٍ ومن مات من آله كافرًا، والمثبت من كان منهم مؤمنًا.

وخُصَّ عليٌّ بالذِّكر؛ لكونه رأسهم، وأشير بلفظ الحديث إلى لفظِ الآية المذكورة، ونصَّ فيها على عليٍّ رضي الله عنه تنويهًا بقدره، ودفعًا لظنِّ من يتوهَّم عليه في الحديث المذكور غضاضةً، ولو تفطن من كنى عن أبي طالبٍ لذلك لاستغنى عمَّا صنع، والله تعالى أعلم.

(زَادَ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ) بفتح العين المهملة والموحدة بينهما نون ساكنة وبسين مهملة، هو عَنبسة بن عبد الواحد بن أميَّة بن عبد الله بن سعيدٍ بن العاص بن أُحَيحة _ بمهملتين _ مصغَّرًا، وهو موثَّقٌ عندهم، وكان يعدُّ من الأبدال، وما له في البخاريِّ سوى هذا الموضع المعلَّق. وقد وصله البخاريُّ في «كتاب البرِّ والصِّلة [2] فقال حدَّثنا محمد بن عبد الواحد بن عنبسة حدَّثنا جدِّي، فذكره.

ج 25 ص 382

وأخرجه الإسماعيليُّ من رواية فهد بن سليمان، عن محمد بن عبد الواحد المذكور، وساقه بلفظ سمعت عَمرو بن العاص يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي جهرًا غير سرٍّ (( إنَّ بني أبي فلان ليسوا بأوليائي إنَّما وليِّي الله، والَّذين آمنوا، ولكن لهم رحمٌ ... ) )الحديث.

(عَنْ بَيَانٍ) بفتح الموحدة والمثناة التحتية وبالنون، ابن بِشر _ بالشين المعجمة _ الأحمسيِّ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن حازمٍ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ لَهُمْ) أي لآل أبي (رَحِمٌ) أي قرابةٌ (أَبُلُّهَا) بفتح الهمزة وضم الموحدة وتشديد اللام المضمومة؛ أي أُندِيها (بِبَلاَلِهَا) أي ممَّا يجب أن يُندَّى به، ومنه (( بلُّوا أرحامكم، ولو بالسَّلام ) )أي ندُّوها؛ أي صِلوها.

في «شرح المشكاة» فيه مبالغةٌ بما عُرف واشتهر، شبَّه الرَّحم بالأرض التي إذا وقع عليها الماء، وسقاها حقَّ سقيها أزهرتْ وأثمرت، ويُرى في ثمارها أثر النَّضارة، فأثمرت المحبة والصَّفاء، وإذا تُركت بغير سقي يبستْ وأجدبتْ وبطُلت منفعتها، فلا تثمرُ إلَّا العداوة والبغضاء والجفاء، ومنه قولهم سنة جمادٌ؛ أي لا مطرَ فيها، وناقة جماد؛ أي لا لبنَ لها.

وجوَّز الخطَّابي أن يكون معنى قوله (( أبلُّها ببلاها في الآخرة ) )أي أشفعُ لها يوم القيامة، وتعقَّبه الدَّاودي بأنَّ سياق الحديث يُؤذن بأنَّ المراد ما يُصلحهم به في الدُّنيا.

ويؤيِّده ما أخرجه مسلم من طريق موسى بن طلحة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء 214] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا فاجتمعوا، فعمَّ وخصَّ إلى أن قال (( يا فاطمةُ أنقذي نفسك من النَّار، فإنِّي لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أنَّ لكم رحمًا سأبلُّها بِبِلالها ) )وأصله عند البخاريِّ بدون هذه الزِّيادة [خ¦3527] .

وقال الطِّيبي في قوله (( ببلاها ) )مبالغةٌ بديعةٌ، وهو مثل قوله تعالى {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة 1] الشَّديد الَّذي لا شيء فوقه، فالمعنى فألهمني أبلُّها

ج 25 ص 383

بما اشتهر وشاع، بحيث لا أترك منه شيئًا.

(يَعْنِي أَصِلُهَا بِصِلَتِهَا) وهذا التَّفسير سقط من رواية النَّسفي، ووقع عند أبي ذرٍّ وحده ، وبعده في الأصل .

وفي نسخة القسطلانيِّ أي البخاري أي بغير لامٍ ثانيةٍ بإثبات اللَّام . قال الحافظ العسقلانيُّ وأظنُّ أنَّ من قوله كذا وقع. .. إلى آخره من كلام أبي ذرٍّ. وقد وجَّه الدَّاودي فيما نقله ابن التِّين هذه الرِّواية على تقدير ثبوتها بأنَّ المراد ما أوصله إليها من الأذى على تركهم الإسلام. وتعقَّبه ابن التِّين بأنَّه لا يُقال في الأذى أبله؛ ووجَّهها بعضهم بأنَّ البلاء _ بالمد _ يجيء بمعنى المعروف والإنعامِ.

ولما كانت الرَّحم ممَّا يستحقُّ المعروف أُضيف إليها ذلك، فكأنَّه قال أَصِلُها بالمعروف اللَّائق بها، والتَّحقيق أنَّ الرِّواية إنَّما هي ببلالها مشتقٌّ من أبلها. وقال النَّووي ضبطنا قوله (( ببلالها ) )بفتح الموحدة وبكسرها، وهما وجهان مشهوران. وقال القاضي عياض رويناه بالكسر، ورأيته للخطَّابي بالفتح. وقال ابن التِّين هو بالفتح للأكثر، ولبعضهم بالكسر. قال الحافظ العسقلانيُّ والكسر أوجهُ؛ فإنَّه من البِلال جمع بَلل مثل جَمَل وجِمَال، ومن قاله بالفتح بناه على الكسرِ، مثل قَطامِ وحَذَامِ، والبِلال بمعنى البَلل وهو النَّداوة.

وأُطلق ذلك على الصِّلة، كما أُطلق اليبس على القطيعة؛ لأنَّ النَّداوة من شأنها تجميع ما يحصل فيها وتأليفه، بخلاف اليبس فمن شأنه التَّفريق. وقال الخطَّابي وغيره بللت الرَّحم بَلًْا وبَللًا وبِلالًا؛ أي ندَّيتها بالصِّلة، وقد أطلقوا على الإعطاء النَّدى، وقالوا في البخيل ما تندى كفُّه بخيرٍ، فشُبِّهت قطيعة الرَّحم بالحرارة، ووصلُها بالماء الَّذي يطفئ ببرده الحرارة.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( أبلُّها ببلالها ) )، وقد أخرجه مسلم في «الإيمان» .

ج 25 ص 384

[1] في هامش الأصل وإنما قال «على رأي» لأنه لا يجوزه الأكثرون. منه.

[2] كذا في الفتح والعمدة انظر تغليق التعليق [5/ 86] وصله البخاري في الأدب المفرد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت