5993 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (حِبَّانُ) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحدة، ابن موسى أبو محمد السُّلمي المروزي، شيخ مسلم أيضًا، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك المروزيُّ (عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ) بكسر العين (عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن عَمرو بن سعيد بن العاص القرشيِّ الأموي (عَنْ أُمِّ خَالِدٍ) واسمها أمة (بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ) بن العاص بن أميَّة بن عبد شمسٍ، وهي مشهورةٌ بكنيتها، وأمُّها أُميمة، ويُقال هميمة بنت خلفٍ بن أسعد بن عامر بن بياضة، من خزاعة.
وخالد بن سعيدٍ المذكور أسلم قديمًا، يقال إنَّه أسلم بعد أبي بكرٍ رضي الله عنه فكان ثالثًا، أو رابعًا، وقيل خامسًا، هاجر إلى أرض الحبشة مع امرأتهِ الخزاعيَّة، وولد له بها ابنه سعيد بن خالدٍ، وابنته أمُّ خالد.
(قَالَتْ) أي إنَّها قالت (أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي) هو خالد بن سعيدٍ (وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ) وفي روايةٍ (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَهْ سَنَهْ) بالسين المهملة والنون المخففة المفتوحتين آخرها هاء ساكنة، وقال الكِرماني وقيل بتشديد النون، وذكرها مرَّتين وهي كلمة تحسينٍ بلغة الحبشية بمعنى بخ بخ. وقد فسَّره بقوله (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك بالسَّند السابق (وَهْيَ) أي كلمة
ج 25 ص 389
سنه (بِالْحَبَشِيَّةِ) أي باللُّغة الحبشيَّة (حَسَنَةٌ، قَالَتْ) أي أمُّ خالد (فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ) وهو ما كان مثل زر الحجلة بين كتفَي رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَزَبرَنِي) بالزاي والموحدة المخففة والراء المفتوحات ثم النون؛ أي نهرني وزجَرني ومنعني (أَبِي) من ذلك (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهَا) أي اتركها (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْلِي) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وكسر اللام، أمرٌ من أبليتُ الثَّوب إذا جعلته عتيقًا (وَأَخْلِقِي) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وكسر اللام والقاف، أمرٌ من الإخلاق؛ أي البسي إلى أن يصير خلقًا باليًا، وفي روايةٍ بضم اللام وبالفاء بدل القاف، ونسبها في «المصابيح» لأبي ذرٍّ؛ أي واكتسي خلفه، يقال خلف الله لك وأخلفَ.
(ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي) كرَّرها ثلاثًا، وبالضم والفاء كذلك، قال الدَّاودي ويستفاد منه مجيء «ثمَّ» للمقارنة، ومنعه بعض النُّحاة، فقالوا لا يأتي إلَّا للتَّراخي. وتعقَّبه ابن التِّين بأن قال ما علمت أنَّ أحدًا قال أن (( ثم ) )للمقارنة، وإنَّما هي للتَّرتيب بالمهملة. قال وليس في الحديث ما ادَّعاه من المقارنة؛ لأنَّ الإبلاء يكون بعد الخلق أو الخلفِ، وقال الحافظ العسقلانيُّ لعلَّ الدَّاودي أراد بالمقارنة المعاقبة، فيتَّجه بعض اتجاه. وتعقَّبه العيني بأنَّ آفة التَّصرف من الفهم السَّقيم فهل المعاقبة إلَّا المقارنة، فتأمَّل.
وقد جوَّز بعض النُّحاة مجيء «ثمَّ» بمعنى الواو، واستدلَّ بقوله صلى الله عليه وسلم (( لا يبُولنَّ أحدُكم في الماء الدَّائم الذي لا يجري ثمَّ يغتسل فيه ) ).
(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك، وهو متَّصل بالسَّند المذكور (فَبَقِيَتْ) أي أم خالد المذكورة، هذا رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره أي الثَّوب وهو القميص دهرًا.
(حَتَّى ذَكَرَ) أي القميص؛ أي حتَّى صار مذكورًا بين النَّاس؛ لخروج بقائه عن العادة، قاله الكرماني. وقال الحافظ العسقلانيُّ
ج 25 ص 390
_ بعد أن ذكر ما قاله الكرماني _ وكأنَّه قرأ «ذُكر» ، بضم أوله، لكنَّا لم يقع عندنا في الرِّواية إلَّا بالفتح، قال ووقع في رواية أبي علي بن السَّكن وهو يؤيِّد ما قدَّمته، انتهى، وما قدَّمه أن «ذَكَر» على البناء للفاعل، وفيه اكتفاءٌ، والتَّقدير ذكر الرَّاوي زمنًا طويلًا.
وتعقَّبه العينيُّ بأن الذي قاله الكرماني هو الصَّحيح؛ لأنَّ قوله (( حتَّى ذُكِر ) )مجهولٌ؛ لأن المعنى على هذا، وإذا جُعِل معلومًا ما يكون فاعله؟ وكلام ابن السِّكن يؤيِّد كلام الكرماني، ولا يقرب ممَّا قاله هذا القائل فضلًا عن أن يؤيِّده، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ بدال مهملة وكاف مكسورة ثم نون؛ أي حتَّى صار أدكن؛ أي أسود. قال أهل اللُّغة الدُّكن لونٌ يضرب إلى السَّواد، وقد دكِن الثَّوب _ بالكسر _ يدكَن _ بفتح الكاف وبضمها مع الفتح _، والمعنى حتَّى دكن القميص. وقال الكرماني أي عاشت أمُّ خالد عيشًا طويلًا حتى تغيَّر لون قميصها إلى الأسود. انتهى.
وقد جزم جماعةٌ بأنَّ رواية الكشميهني تصحيفٌ.
(يَعْنِي مِنْ بَقَائِهَا) يعني أنَّ كون هذا القميص مذكورًا ذكرًا طويلًا من أجل بقائها؛ أي من أجل بقاء أمِّ خالد زمنًا طويلًا، وفيه معجزة للنَّبي صلى الله عليه وسلم، وفيه جواز مباشرة الرَّجلُ الصَّغيرةَ التي لا تُشتهى مثلها وممازحتها، وإن لم تكن منه بذات محرمٍ.
وكان مزح النَّبي صلى الله عليه وسلم حقًا، فمن ثمَّة يجوز المزح إذا كان حقًّا، وأمَّا إذا كان بغير حقٍّ فإنَّه يُؤدِّي إلى الفاحشة فلا يجوز، وفيه تواضع النَّبي صلى الله عليه وسلم وحلمه، حيث لم ينهر أمَّ خالد عن اللَّعب بخاتم النُّبوة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( فذهبتُ ألعب بخاتم النُّبوة ) )، وقد مضى الحديث بوجوهٍ مختلفةٍ في «اللِّباس» [خ¦5823] ، و «هجرة الحبشة» [خ¦3874] و «الجهاد» [خ¦3071] .