6000 - (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) والحَكَم _ بفتحتين _، وفي رواية أبي ذرٍّ (الْبَهْرَانِيُّ) بفتح الموحدة وسكون الهاء، نسبة إلى قبيلةٍ من قضاعة تنتهي نسبتهم إلى بهر بن عَمرو بن إلحاف بن قضاعة، نزل أكثرهم حمص في الإسلام، وهذه اللَّفظة ثابتةٌ في رواية أبي ذرٍّ. وقد ذكره البخاريُّ في مواضع كثيرة بكنيته، وهاهنا ذكره باسمه، ولم يذكره باسمه إلى هاهنا إلَّا في هذا الموضع [1] ؛ وذلك على قدر سماعهِ، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ، أنَّه قال (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) بفتح التحتية المشددة، الإمام أبو محمد المخزوميُّ أحد الأعلام، وسيِّد التَّابعين (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ) ويروى . قال الكرمانيُّ كأنَّ المعنى يتمُّ بدون الظَّرف، فلعلَّ «في» زائدةٌ كما في قوله
~وفي الرَّحمن للضُّعفاء كافٍ
أي الرَّحمن لهم كافٍ، أو متعلِّقة بمحذوف، وفيه نوع مبالغةٍ إذ جعلها مظروفًا لها معنى بحيث لا يفوتُ منها شيءٌ.
وقال ابنُ أبي جمرة يحتمل أن يكون سبحانه وتعالى لما مَنَّ على خلقه بالرَّحمة، جعلها في مائة وعاءٍ، فأهبطَ منها واحدًا للأرض، وقد خلت أكثر الطُّرق عن الظَّرف، كرواية سعيد المقبُريِّ عن أبي هريرة رضي الله عنه الآتية في «الرِّقاق» (( إنَّ الله خلقَ الرَّحمة يوم خلقها مائة ) ) [خ¦6469] . ولمسلم من رواية عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه (( إنَّ لله مائة رحمةٍ ) ). وعند مسلم من رواية سلمان (( إنَّ الله خلقَ مائة رحمةٍ يوم خلق السَّموات والأرض، كلُّ رحمةٍ طباقُ ما بين السَّماء والأرض ) ).
وقال القرطبيُّ يجوز أن يكون «خلق» بمعنى اخترعَ وأوجد، ويجوز أن يكون بمعنى قدَّر، وقد وردَ في لغة العرب،
ج 25 ص 404
فيكون المعنى أنَّ الله أظهرَ تقديره لذلك يوم أظهر تقدير السَّموات والأرض.
والمراد بقوله (( كلُّ رحمةٍ طباق ... إلى آخره ) )التَّعظيم والتَّكثير، ورحمة الله تعالى غير متناهيةٍ لا مائة، ولا مائتان، لكنَّها عبارةٌ عن القدرة بإيصال الخير، والقدرة صفة واحدة، والتعلُّق غير مُتناه، فحصره على مائة على سبيل التَّمثيل؛ تسهيلًا للفهم، وتقليلًا لما عندنا، وتكثيرًا لما عنده سبحانه وتعالى، وهل المراد بالمائة التَّكثير والمبالغة، أو الحقيقة؟ فيُحتمل أن يكون التَّكثير والمبالغة.
وأورد أنَّه لم تجرِ عادة العرب بذلك في المائة، وإنَّما جرت في السَّبعين، وفيه نظرٌ، ويحتملُ أن يكون على الحقيقة، ومناسبة هذا العدد الخاصِّ؛ لكونه مثل عدد درج الجنَّة، والجنَّة هي محل الرَّحمة، فكانت كل رحمةٍ بإزاء درجةٍ، وقد ثبت أنَّه لا يدخل أحد الجنَّة إلَّا برحمة الله [خ¦5673] ، فمن نالته منها رحمة واحدةٌ كان أدنى أهل الجنَّة، وأعلاهم منزلةً من حصلت له جميع الأنواع من الرَّحمة. وقيل ثبت أنَّ نار الآخرة تفضل نار الدُّنيا بتسعةٍ وستين جزءًا، فإذا قوبل كلُّ جزءٍ برحمة زادت الرَّحمات ثلاثين جزءًا، فيُؤخذ منه أنَّ الرحمة في الآخرة أكثر من النَّقمة فيها، ويؤيِّده قوله (( غلبت رحمتي غضَبي ) ) [خ¦3194] .
(فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا) وفي رواية عطاء (( وأخَّر عنده تسعةً وتسعين رحمةً ) ). وفي رواية العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم (( وخبَّأ عنده مائة إلَّا واحدةً ) ) (وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا) والقياس وأنزل إلى الأرض، لكنَّ حروف الجرِّ يقومُ بعضها مقام بعضٍ، أو فيه تضمين فعلٍ، والغرض منه المبالغة؛ يعني أنزل رحمةً واحدة منتشرةً في جميع الأرض. وفي رواية المقبُريِّ (( وأرسل في خلقه كلِّهم رحمةً ) )، وفي رواية عطاء (( أنزل منها رحمةً واحدةً بين الجنِّ والإنس والبهائم ) )، وفي حديث سلمان (( فجعلَ منها في الأرض واحدةً ) ). قال القرطبي هذا نصٌّ في أنَّ الرحمة يُراد بها متعلَّق الإرادة، لا نفس الإرادة، وأنَّها راجعةٌ إلى المنافع والنِّعم.
(فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ) بالراء والحاء المهملة، من التَّفاعل الَّذي يشترك فيه الجماعة
ج 25 ص 405
(حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا) هو كالظَّلف للشَّاة (عَنْ وَلَدِهَا، خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ) وفي رواية عطاءٍ (( فبها يتعاطفونَ، وبها يتراحمونَ، وبها يعطفُ الوحش على ولدها ) ). وفي حديث سلمان عند مسلمٍ (( فبها تعطفُ الوالدة على ولدها، والوحشُ والطَّير بعضُها على بعض ) ).
قال ابن أبي جمرةَ خصَّ الفرس بالذِّكر؛ لأنها أشدُّ الحيوان المألوف الذي يعاين المخاطبون حركته مع ولده، ولِما في الفرس من الخفَّة والسرعة في التَّنقل، ومع ذلك يتجنَّب أن يصلَ الضَّرر منها إلى ولدها. ووقع في حديث سلمان عند مسلمٍ في آخره من الزِّيادة (( فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرَّحمة مائةً ) )، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الرحمة التي في الدنيا بين الخلق تكون فيهم يوم القيامة يتراحمون بها أيضًا. وصرَّح بذلك المهلَّب فقال الرَّحمة التي خلقها الله لعباده، وجعلها في نفوسهم في الدُّنيا هي الَّتي يتغافرون بها يوم القيامة التَّبعاتِ بينهم.
قال ويجوز أن يستعملَ الله تلك الرَّحمة فيهم، فيرحمهم بها سوى رحمته التي وسعت كلَّ شيءٍ، وهي الَّتي من صفة ذاته، ولم يزل موصوفًا بها، فهي الَّتي يرحمهم بها زائدًا على الرَّحمة التي خلقها لهم. قال ويجوز أن تكون الرَّحمة التي أمسكها عند نفسه هي التي عند ملائكته المستغفرين لمن في الأرض؛ لأنَّ استغفارهم لهم دالٌّ على أنَّ في نفوسهم الرَّحمة لأهل الأرض. قال الحافظ العسقلانيُّ وحاصل كلامه أنَّ الرَّحمة رحمتان رحمةٌ من صفة الذَّات وهي التي لا تتعدَّد، ورحمةٌ من صفة الفعل وهي المشار إليه هنا، ولكن ليس في شيءٍ من طرق الحديث أنَّ التي عند الله رحمةٌ واحدة، بل اتَّفقت جميع الطُّرق على أنَّ عنده تسعة وتسعين رحمةً. وزاد في حديث سلمان أنَّه يكمِّلها يوم القيامة مائة بالرَّحمة التي في الدُّنيا، فتعدُّد الرحمة بالنِّسبة إلى الخلق.
وقال القرطبيُّ مقتضى هذا الحديث أنَّ الله أعلم أن أنواع النِّعم الَّتي ينعم بها على خلقه مائة نوعٍ، فأنعم عليهم في هذه الدُّنيا بنوعٍ واحد
ج 25 ص 406
انتظمت به مصالحهم، وحصلت بهِ مرافقهم، فإذا كان يوم القيامة كمَّل لعباده المؤمنين ما بقيَ، فبلغت مائةً، وكلُّها للمؤمنين، وإليه الإشارة بقوله تعالى {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب 43] .
فإنَّ {رحيمًا} من أبنية المبالغة الَّتي لا شيء فوقها، ويفهم من هذا أنَّ الكفَّار لا يبقى لهم حظٌّ في الآخرة من الرَّحمة لا من جنس رحمات الدُّنيا ولا من غيرها إذا كمل كلُّ ما كان في علم الله من الرَّحمات للمؤمنين، وإليه الإشارة بقوله تعالى {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الآية [الأعراف 156] .
قال ابن أبي جمرةَ في الحديث إدخال السُّرور على المؤمنين؛ لأنَّ العادة أنَّ النَّفس يكمل فرحها بما وُهِب لها إذا كان معلومًا ممَّا يكون موعودًا، وفيه الحثُّ على الإيمان، واتِّساع الرَّجاء في رحمات الله تعالى المدَّخرة.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وقد وقع في آخر حديث سعيدٍ المقبُري في «الرِّقاق» (( فلو يعلم الكافر بكلِّ ما عند الله من الرَّحمة لم ييأس من الجنَّة ) ) [خ¦6469] .
وأفرده مسلم من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وأخرجه مسلم أيضًا.
[1] ذكره البخاري باسمه في اثني عشر موضعًا قبل هذا الحديث كما في النسخة المطبوعة منه.
والمؤلف ينقل عن عمدة القاري للعيني هنا انظر العمدة (22/ 101) .