6016 - (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) أي ابن عاصم بن صُهيب أبو الحسن من أهلِ واسط، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين، وهو من أفراد البخاريِّ، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدٍ) المقبُريِّ (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) مصغَّر شرح _ بالمعجمة والمهملة _، اسمه خويلد وهو المشهور، وقيل عمرو، وقيل كعب الخزاعي العدوي الكعبي الصَّحابي رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ) هكذا وقع بتكريرها ثلاثًا صريحًا. ووقع عند أحمد (( والله لا يؤمن ثلاثًا ) )وكأنَّه اختصارٌ من الرَّاوي، وفي رواية أبي يَعلى من حديث أنسٍ رضي الله عنه (( والله لا يؤمن ) )، وفي رواية الطَّبرانيِّ من حديث كعب بن مالكٍ (( لا يدخل الجنَّة ) ). وفي رواية أحمدَ نحوه عن أنسٍ بسندٍ صحيحٍ، والمراد به كمال الإيمان، ولا شكَّ أنَّه معصيةٌ، والعاصي لا يكون كامل الإيمان، وسيأتي زيادة ما يتعلَّق به.
(قيلَ وَمَنْ) أي الَّذي لا يؤمن، وهذه الواو يحتمل أن تكون زائدةً، أو استئنافيَّة، أو عاطفة على مقدَّر؛ أي سمعنا قولك وما عرفنا مَن هو، أو من المحدَّث عنه (يَا رَسُولَ اللَّهِ) ووقع في رواية أحمد من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه أنَّه السَّائل عن ذلك.
وذكره المنذريُّ في «ترغيبه» بلفظ قالوا يا رسول الله لقد خابَ وخسر من هو؟ وعزاه للبخاريِّ وحده. وقال الحافظ العسقلانيُّ وما رأيته فيه بهذه الزِّيادة، ولا ذكرها الحُميديُّ في «الجمع» .
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ) بفتح الميم، من «لا يأمن» ، وبين قوله «لا يُؤمن» و «لا يَأمن» جناسٌ محرفٌ [1] ، فالأوَّل من الإيمان، والثَّاني من الأمان، وفي حديث أنسٍ رضي الله عنه (( من لم يأمن ) )، وفي حديث كعبٍ رضي الله عنه (( من خاف ) ). زاد أحمد والإسماعيليُّ (( قالوا وما بوائقه، قال شرَّه ) )، وعزا المنذريُّ هذه الزِّيادة أيضًا للبخاريِّ. قال الحافظ العسقلانيُّ
ج 25 ص 428
ولم أرها فيه، وفي تكرير القسم ثلاثًا تأكيد حقِّ الجار.
ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ، والحديث من أفراده.
(تَابَعَهُ) أي تابع عاصم بن عليٍّ المذكور (شَبَابَةُ) بفتح المعجمة وبموحدتين بينهما ألف مخففًا، ابن سَوار _ بفتح السين المهملة وبالواو والراء _ الفزاريُّ المدائني، في روايته عن ابن أبي ذئبٍ، وأخرج هذه المتابعة الإسماعيليُّ (وَأَسَدُ بْنُ مُوسَى) أي وتابع أسد بن موسى الأموي المعروف بأسد السُّنة عاصمَ بن عليٍّ أيضًا، وأخرج هذه المتابعة الطَّبراني في «مكارم الأخلاق» .
(وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ) بضم الحاء مصغرًا، هو أبو الأسود البصريُّ الكرابيسيُّ، وهو من أفراد البخاري (وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضم العين؛ أي ابن فارس البصري (وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ) بالعين المهملة وتشديد المثناة التحتية والشين المعجمة، القارئ أحدُ رواة عاصم القارئ (وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) الدِّمشقيُّ.
(عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرَّحمن (عَنِ الْمَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه لمَّا أخرج البخاريُّ الحديث المذكور عن عاصمٍ بن عليٍّ عن ابن أبي ذئبٍ عن سعيد المقبُري، عن أبي شُريح، وقوَّاه بمتابعة شبابة وأسد بن موسى عاصمَ بن عليٍّ في روايته عن ابن أبي ذئبٍ عن سعيدٍ المقبُري عن أبي شُريح أشار بما ذكره معلقًا عن حميد بن الأسود ومن معه أنَّهم رووا الحديث المذكور عن ابن أبي ذئبٍ عن سعيدٍ المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه.
فعلى هذا ينبغي أن ترجح رواية هؤلاء، ولاسيَّما أنَّ سعيد المقبري مشهورٌ بالرِّواية عن أبي هريرة رضي الله عنه، وصنيع البخاريِّ يدلُّ على صحَّة الوجهين، ومع هذه الرِّواية عنده عن ابن أبي ذئبٍ عن سعيد عن أبي شُريح أصحُّ، ولاسيَّما سمعَ من ابن أبي ذئبٍ يزيدُ بن هارون، وأبو داود الطَّيالسي، وحجَّاج بن محمد، وروحُ بن عبادةَ، وآدمُ بن أبي إياسٍ، وكلُّهم قالوا عن أبي شُريح، وهو كذلك في «مسند الطَّيالسي» . وقال أحمد فيما رُوِي عنه من سمع من ابن أبي ذئبٍ ببغدادَ يقول عن أبي شُريح، ومن سمع منه بالمدينة يقول عن أبي هريرة، والله أعلم بالصَّواب.
قال ابن بطَّال
ج 25 ص 429
في هذا الحديث تأكيد حقِّ الجار لقَسَمه صلى الله عليه وسلم على ذلك، وتكريره اليمين ثلاث مرَّاتٍ، وفيه نفي الإيمان عمَّن يؤذي جاره بالقول، أو الفعل، ومرادهُ الإيمان الكامل، ولا شكَّ أنَّ العاصي غير كامل الإيمان، وقال النَّووي عن نفي الإيمان في مثل هذا جوابان
أحدهما أنَّه في حقِّ المسلم المستحلِّ. والثَّاني أنَّ معناه ليس مؤمنًا كاملًا، انتهى.
ويحتمل أن يكون المراد أنَّه لا يجازى مجازاة المؤمن بدخول الجنَّة من أوَّل وهلةٍ مثلًا، أو أنَّ هذا خرج مخرج الزَّجر والتَّغليظ، وظاهره غير مرادٍ، والله أعلم.
وقال ابن أبي جمرةَ إذا أكدَّ حقَّ الجار مع الحائل بين الشَّخص وبينه، وأمر بحفظه وإيصال الخير إليه، وكفِّ أسباب الضَّرر عنه، فينبغي له أن يُراعي حقَّ الحافظَين الَّذين ليس بينه وبينهما جدارٌ ولا حائلٌ، فلا يؤذيهما بإيقاع المخالفات في مرور السَّاعات، فقد جاء أنَّهما يُسَرَّان بوقوع الحسنات، ويحزنان بوقوع السَّيئات، فينبغي مراعاة جانبهما، وحفظ خواطرهما بالتَّكثير من عمل الطَّاعات، والمواظبة على اجتناب المعصية، فهما أَولى برعاية الحقِّ من كثيرٍ من الجيران.
[1] في الفتح
جناس التحريف.