553 - (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزْدِيُّ الفَرَاهِيديُّ بالفاء، البَصري القصَّاب يُكنَّى أبا عَمرو، وسقطَ عند الأَصيلي لفظ (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (هِشَامُ) بن عبد الله الدَّستوائيُّ.
(قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة، الطَّائي اليمامي (عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيد الجُرْمِي، وعند ابن خُزَيْمَة من طريق أبي داود الطَّيالسي عن هشام عن يحيى «أنَّ أبا قلابة حدَّثه» (عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ) بفتح الميم وكسر اللام وبالحاء المهملة، عامر بن أُسامة الهُذَليِّ، مات سنة ثمان وتسعين.
(قَالَ كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء وسكون المثناة التَّحتية وبالدال المهملة، هو ابن الحُصَيب _ بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة وفي آخره باء موحدة _، المشهور بأبي عبد الله الأسلميِّ، رُوِيَ له عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مئة حديث وأربعة وستون حديثًا، للبُخاريِّ منها ثلاثة، [خ¦1361] [خ¦4473] [خ¦4350] مات غازيًا بمَرُو، وهو آخر من مات من الصَّحابة بخراسان سنة اثنتين وستين.
(فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ) صفة «يوم» ، والمجروران في محلِّ النَّصب على الحالية، قيل خُصَّ يوم الغيم بذلك؛ لأنَّه مظنَّة التَّأخير إما لمتنطِّع يَحْتَاط لدخول الوقت فيبالغ في التَّأخير حتَّى يخرج الوقت، أو لمُتَشَاغلٍ بأمر آخر فيظنُّ بقاء الوقت فيسترسل في شغله إلى أن يخرج الوقت.
(فَقَالَ) بُرَيدة بعد معرفته بدخول الوقت بظهور الشَّمس في خلال الغيم، أو بالاجتهاد إذ لا يُشترط اليقين إذا احتجبتِ الشَّمسُ (بَكِّرُوا) أي أسِرعوا وعجِّلوا وبادِروا، وكلُّ من بادر إلى الشَّيء فقد بكَّر في أيِّ وقت كان، وأصله المبادرة بالشَّيء أوَّل النَّهار (بِصَلاَةِ الْعَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ الْعَصْرِ) أي متعمدًا، كما زاده مَعْمَر في روايته، وكذا أخرجه أحمدَ من حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه.
(فَقَدْ حَبِطَ) بكسر الموحدة، من باب علم؛ أي بطل، يُقال حَبِطَ عمله وأحبطه غيره، وهو من قولهم حبطت الدَّابة حبطًا بالتَّحريك إذا أصابت مرعى طيِّبًا، فأفرطت في الأكل حتَّى تنتفخ فتموت (عَمَلُهُ) وفي رواية معمر (( أحبط الله عمله ) )أي ثواب عمله، واحتجَّ بهذا الحديث أصحابنا على أنَّ المستحبَّ تعجيل العصر يوم الغيم.
وقد استدلَّ به
ج 3 ص 500
الخوارج على تكفير أهل المعاصي قالوا وهو نظير قوله تعالى {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [المائدة 5] .
وردَّ عليهم أبو عمر بن عبد الَبرِّ بأنَّ مفهومَ الآية أنَّ من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله، فيتعارضَ مفهوم الآية ومنطوق الحديث، فإذا كان كذلك يتعيَّن تأويل الحديث؛ لأنَّ الجمع إذا كان ممكنًا كان أولى من التَّرجيح، ويذكر عن قريب وجه الجمع إن شاء الله تعالى، وتمسَّكَ بظاهر الحديث أيضًا بعض الحنابلة ومَنْ قالَ بقولهم إنَّ تارك الصَّلاة يُكفَّر، وردَّ بأنَّ ظاهره متروك، والمُراد به التَّغليظ والتَّهديد والكفر ضد الإيمان، وتاركُ الصَّلاة لا ينفي عنه الإيمان، وأيضًا لو كان الأمر كما قالوا لما اختصَّت العصر بذلك [1] .
وأمَّا وجه الجمع فهو أنَّ الجُمهورَ تأوَّلوا الحديثَ فافترقوا في تأويله فِرَقًا فمنهم من أوَّل التَّرك فقالوا المُراد من تركِها جاحدًا لوجوبها أو مُعتَرِفًا لكن مُستخِفًَا مُسْتَهِزئًا بمَنْ أقامها، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الذي فهمه الصَّحابيُّ الرَّاوي إنَّما هو التَّفريط، ولهذا أمر بالمبادرة إليها، وفهمه أولى من فَهْمِ غيره.
ومنهم مَنْ قالَ المُراد مَنْ تَركهَا تكاسلًا، لكن خرجَ الوعيد مخرج الزَّجر الشَّديد، وظاهره غير مراد كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا يزني الزَّاني وهو مؤمن ) ) [خ¦2475] .
ومنهم من أوَّل الحبط فقيل هو من مجاز التَّشبيه، كأنَّ المعنى فقد أشبَه مَنء حَبطَ عمله، وقيل معناه كاد أن يَحبط، وقِيل المُراد من الحبطِ نُقْصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى، وكأنَّ المراد بالعمل الصَّلاة خاصَّة؛ أي لا يحصل على أجرِ مَنْ صلَّى العصر، ولا يرتفع له عملها حينئذٍ.
وقيل المُراد بالحبطِ الإبطال؛ أي يبطل انتفاعه بعمله في وقت ينتفعُ به غيره في ذلك الوقت، وأن ينتفعَ به بعد ذلك كمن رَجَحت سيئاته على حسناته فإنه موقوفٌ في المشيئة، فإن غُفِرَ له فمجرَّد الوقوف إبطال لنفع الحسنة إذ ذاك، وإن عُذِّبَ ثمَّ غُفِرَ له فكذلك على ما قاله القاضي أبو بكر ابن العربي.
وقد تقدَّمَ مَبْسوطًا في كتاب الإيمان في باب «خوف المؤمن مِنْ أن يحبطَ عمله» [خ¦48] ، ومحصِّل ما قال إنَّ المُراد بالحبطِ في الآية غيرَ المراد بالحبطِ في الحديث.
وفي «شرح التِّرمذي» الحبط على قسمين حبطَ إسقاط، وهو إحباطُ الكفر للإيمان، وجميع الحسنات، وحبطُ موازنة وهو إحباط المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلى أن تَحصلَ النَّجاة فيرجع إليه جزاء حسناته.
وقيل المُراد بالعمل في
ج 3 ص 501
الحديث العملُ الدُّنيوي الذي كان سببًا لتركِ الصَّلاة بمعنى أنَّه لا ينتفعُ به ولا يتمتَّع، وأقرب هذه التَّأويلات قول مَنْ قالَ إنَّ ذلك خرج مخرج الزَّجر الشَّديد وظاهره غير مراد، والله أعلم.
ورواةُ هذا الحديث بصريُّونَ وفيهم ثلاثةٌ من التَّابعين على الولاء، وقد أخرجه النَّسائي، وابن ماجه أيضًا.
[1] بياض في الأصل.