6026 - 6027 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء (بُرَيْدِ) أي ابن عبد الله (ابْنِ أَبِي بُرْدَةَ) ونسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله، وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ «أبي بردة» الأوَّل (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد
ج 25 ص 442
(جَدِّي أَبُو بُرْدَةَ) عامر (عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعري رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ الْمُؤْمِنُ) التَّعريف فيه للجنس، والمراد بعضُ المؤمن (لِلْمُؤْمِنِ) أي للبعض (كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) بيانٌ لوجه التَّشبيه، كقوله (ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) فإنَّه بيانٌ لوجه التَّشبيه أيضًا؛ أي يشدُّ بعضهم بعضًا مثل هذا الشَّدِّ.
ويستفاد منه أنَّ الَّذي يريد المبالغة في بيانِ أقواله يُمثِّلها بحركاته؛ ليكون أوقع في نفس السَّامع. قال ابن بطَّالٍ المعاونة في أمور الآخرة، وكذا في الأمور المباحة من الدُّنيا مندوبٌ إليها. وقد ثبتَ حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( والله في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه ) ).
(وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا) لفظ (جالسًا) ليس بموجودٍ في رواية «الزَّكاة» [خ¦1432] (إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ، أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ) بالإضافة، وفي رواية أبي ذرٍّ بالتنوين نصب مفعول «يسأل» (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) و «إذ» بسكون الذال المعجمة في الفرعِ، وفيه وفي «اليونينية» بغير رقمٍ بالألف. قال الحافظ العسقلانيُّ هكذا وقع في النُّسخ من رواية محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان الثَّوري، وفي تركيبه قلقٌ، ولعلَّه كان في الأصل كان إذا كان جالسًا إذا جاءه رجلٌ. .. إلى آخره فحذف اختصارًا، أو سقط على الرَّاوي لفظ «إذا كان» . على أنَّني تتبَّعت ألفاظ الحديث من الطُّرق فلم أرَ في شيءٍ منها بلفظ «جالسًا» .
وقد أخرجه أبو نُعيمٍ من رواية إسحاق بن زُريق عن الفريابيِّ بلفظ «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السَّائل، أو طالب الحاجة أقبلَ علينا بوجهه ... الحديث» . وهذا السَّياق لا إشكال فيه.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا قلق في التَّركيب أصلًا، وآفة هذا الكلام من ظنِّ هذا القائل أنَّ «جالسًا» خبر «كان» ، وليس كذلك، وإنَّما خبر «كان» هو قوله «أقبل علينا» ، و «جالسًا» نصبٌ على الحال، فتأمَّل.
وفي رواية الإسماعيليِّ من رواية عمر بن عليٍّ المقَّدمي عن سفيان بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنِّي أُوتَى فأُسأل، ويُطلب إليَّ الحاجة وأنتم عندي فاشفعوا ... ) )الحديث. وفي رواية مسلمٍ من رواية عليِّ بن مُسِهرٍ، وحفص بن غياثٍ كلاهما عن يزيد بلفظ (( كان إذا أتاهُ طالب حاجةٍ أقبل على جلسائهِ، فقال اشفعوا ... ) )الحديث.
(فَقَالَ اشْفَعُوا) في قضاء حاجة السَّائل أو الطَّالب (فَلْتُؤْجَرُوا)
ج 25 ص 443
بسكون اللام، كذا في رواية الأكثرين، وفي روايةِ كريمة . قال القرطبيُّ وقع في أصل مسلم (( اشفعوا تُؤجروا ) )بالجزم على جواب الأمر المتضمِّن لمعنى الشَّرط، وهو واضحٌ، وجاء بلفظ (( فلتؤجروا ) ). وينبغي أن تكون هذه اللَّام مكسورة؛ لأنَّها لام «كي» وتكون الفاء زائدةً على مذهب الأخفش كما زيدت في حديث (( قومُوا فلأصلِّي لكم ) ) [خ¦860] ، ويكون معنى الحديث اشفعوا كي تُؤجروا. ويُحتمل أن تكون لام الأمر، والمأمور به التَّعرض للأجر بالشَّفاعة، فكأنَّه قال اشفعوا تتعرَّضوا بذلك للأجر، وتُكسر هذه اللَّام على أصل لام الأمر، ويجوز تسكينها تخفيفًا لأجل الحركة الَّتي قبلها. ووقع في رواية أبي داود (( اشفعوا لتؤجروا ) )، وهو يقوِّي أنَّ اللام للتَّعليل.
وجوَّز الكرمانيُّ أن تكون الفاء سببيَّة واللام بالكسر، وهي لام «كي» . وقال وجاز اجتماعهما؛ لأنَّهما أمرٌ واحدٌ، ويحتمل أن تكون جزائيَّة جوابًا للأمر. ويحتملُ أن تكون زائدةً على رأي [1] ، أو عاطفةً على «اشفعوا» ، واللَّام لام الأمر، أو على مقدَّرٍ؛ أي اشفعوا لتؤجروا فلتؤجروا نحو {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة 40] . ولفظ (( اشفعوا تؤجروا ) )في تقدير إن تشفعوا تُؤجروا، والشَّرط يتضمَّن السَّببية، فإذا أتى باللَّام وقع التَّصريح بذلك.
وقال الطِّيبي الفاء واللام مقحمتان للتَّأكيد؛ لأنَّه لو قيل اشفعوا تؤجروا صحَّ؛ أي إذا عرض المحتاج حاجته عليَّ فاشفعوا له فإنَّكم إن شفعتُم حصل لكم الأجر سواءٌ قُبلت شفاعتُكم أم لا، ويُجري الله على لسان نبيِّه ما شاء؛ أي من موجبات قضاء الحاجة أو عدمها؛ أي إن قضيتها، أو لم أقضِها، فهو بتقدير الله تعالى وقضائهِ.
وقد وقع في حديث عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما بسندٍ ضعيفٍ رفعه (( من سعى لأخيه المسلم في حاجةً قُضِيت له أو لم تُقض غُفر له ) ).
(وَلْيَقْضِ اللَّهُ) بسكون اللام (عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ) قال الحافظ العسقلانيُّ هكذا ثبت في هذه الرِّواية (( وليقض ) )باللَّام، وكذا في رواية أبي أُسامة الَّتي بعدها للكشميهنيِّ فقط
ج 25 ص 444
وللباقين بغير لامٍ. وفي رواية مسلمٍ من طريق علي بن مسهرٍ وحفص بن غياثٍ (( فليقض ) )أيضًا.
قال القرطبيُّ لا يصحُّ أن تكون هذه اللَّام لام الأمر؛ لأنَّ الله لا يُؤمر، ولا لام «كي» ؛ لأنَّه ثبت في الرِّواية (( وليقضِ ) )بغير ياءٍ. ثمَّ قال ويحتمل أن يكون بمعنى الدُّعاء؛ أي اللَّهمَّ اقض، أو الأمر هنا بمعنى الخبر.
وفي الحديث الحضُّ على الخير بالفعل وبالتَّسبُّب إليه بكلِّ وجهٍ، والشَّفاعة إلى الكبير في كشف كربه ومعونة ضعفهِ، إذ ليس كلُّ أحدٍ يقدر على الوصول إلى الرَّئيس ولا التَّمكُّن منه ليلج عليه، أو يوضح له مراده؛ ليعرف حاله على وجهه، وإلَّا فقد كان صلى الله عليه وسلم لا يحتجبُ.
قال القاضي عياض ولا يستثنى من الوجوه التي يستحبُّ فيها الشَّفاعة إلَّا الحدود، وإلَّا فما لا حدَّ فيه يجوز الشَّفاعة فيه، ولاسيَّما ممَّن وقعت منه الهفوة، أو كان من أهل السَّتر والعفاف. قال وأمَّا المصرُّون على فسادهم المتشهِّرون في باطلهم فلا يُشفَّع فيهم؛ ليزدجروا عن ذلك.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من معناه، وقد أخرجه النَّسائي أيضًا.
[1] في هامش الأصل أي رأي الأخفش. منه.