فهرس الكتاب

الصفحة 898 من 11127

554 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) بضم الحاء المهملة، عبد الله بن الزبير، وقد مرَّ في أوَّل هذا الجامع الصَّحيح [خ¦1] (قَالَ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) بن الحارث الفَزاريِّ، مات بدمشق سنة ثلاث وتسعين ومئة قبل التَّروِية بيومٍ فجأة.

(قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي خالد _ بالخاء المعجمة _ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازم _ بالحاء المهملة والزاي _، البَلْخيِّ الكوفيِّ المَخَضْرم، ويُقَال له رؤية، وإنَّه رَوى عن العشرة توفِّي بعد التِّسعين أو أربع وثمانين وقد جاوز المئة والتسعين (عَنْ جَرِيرٍ) هو ابن عبد الله البَجَليِّ رضي الله عنه، وفي رواية .

ورجالُ هذا الإسناد ما بين كوفيٍّ ومكِّي، وقد تقدَّموا في آخر كتاب الإيمان [خ¦57] ، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفي رواية ابن مردويه من طريق شُعْبة عن إسماعيل التَّصريح بسماعِ إسماعيل من قَيْس، وسماع قيس من جَرِير.

وقد أخرج متنه المؤلِّف في التَّفسير [خ¦4851] ، والصَّلاة [خ¦573] ، والتَّوحيد [خ¦7434] ، وأخرجه مُسلمٌ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه أيضًا.

(قَالَ كُنَّا مَعَ) وفي رواية (النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ) النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً) أي في ليلة مِنَ اللَّيالي، وزادَ مُسلمٌ في روايته (( ليلة البدر ) )، وكذا عند المؤلِّف من وجهٍ آخر [خ¦573] ، وقد زِيْدَ في رواية هنا قوله .

(فَقَالَ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ) أي رؤيةً محقَّقةً لا شكَّ فيها، ولا مشقَّة ولا خفاء كما تَرونَ القمر كذلك، فهو تشبيه للرُّؤية بالرَّؤية لا المَرْئِيِ بالمَرْئِي، وفي لفظٍ للمؤلِّف رحمه الله [خ¦573] (( إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال أما إنَّكم سترون ربَّكم كما ترون هذا ) )وفي كتابِ التَّوحيدِ (( إنَّكم سترون ربَّكم عيانًا ) ) [خ¦7435] ، وفي التَّفسير (( فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة ) ) [خ¦5851] . وعند اللَّالكَائيِّ عن البُخاريِّ (( إنَّكم ستعرضون على ربِّكم وترونه كما ترون هذا القمر ) ).

(لاَ تُضَامُونَ

ج 3 ص 502

فِي رُؤْيَتِهِ) رُوِيَ بضم المثناة الفوقية وتخفيف الميم، من الضَّيم، وهو التَّعب؛ أي لا ينالكم تعبٌ في رؤيته، أو الظُّلم؛ أي لا يُظْلَمُ أحدٌ منكم بأن يراه بعضكم دون بعض بل تشتركون في الرُّؤية.

ويُرْوى بتشديد الميم، من الضَّم، وبتشديد الميم مع فتح المثناة الفوقية بحذف إحدى التائين _؛ أي لا يَنْضمُّ بعضكم إلى بعضٍ كما يفعله النَّاس في طلب الشَّيء الخفيِّ الذي لا يسهل دركه فيتزاحمون عنده.

قال التَّيميُّ يعني إنَّكم لا تختلفونَ فيه حتَّى تجتمعوا للنَّظر وينضمَّ بعضكم إلى بعض فيقول واحد هو ذاك، ويقول الآخر ليس كذلك؛ كما يفعله النَّاس عند النَّظر إلى الهلال أول الشَّهر.

وفي رواية بالهاء بدل الميم، على الشَّكِّ _؛ أي لا يشتبه عليكم فترتابون فيُعَاِرضُ بعضكم بعضًا في رؤيته، وقِيْل لا تشبِّهونه في رؤيته بغيره من المرئيَّات، ويُرْوى «تُضارُّون» بالرَّاء المشددة والتاء مفتوحة أو مضمومة.

قال الزَّجاجُ معناه لا يضار بعضكم بعضًا بالمخالفة، وعن ابن الأنباري هو من الضِّرار؛ أي لا تتنازعون وتختلفون.

ويُروى بضم التاء وتخفيف الراء؛ أي لا يقع للمرء في رؤيته ضَيْرُ ما بالمُخَالفة أو المُنَازعة أو الخفاء، ورُوِي براءٍ مخففة؛ أي لا تجادلون، يعني لا يدخلُكم شكٌّ وجدال في رؤيته تعالى.

(فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا) على البناء للمفعول، من الغلبة، وفيه إشارةٌ إلى قطع أسباب الغَلَبةِ المنافية للاستطاعة كالنَّوم والاشتغال بشيءٍ من الأشياء المانعة عن الصَّلاة، ومداومة ذلك بالاستعداد له (عَلَى صَلاَةٍ) كائنةٍ (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) يعني الفجر والعصر، كما زادَ مُسلمٌ هذا التَّفسير، ولابن مَرْدويه من وجه آخر عن إسماعيل (( قبل طلوعِ الشَّمس صلاة الصُّبح، وقبل غروبها صلاة العصر ) ).

وقال ابنُ بَطَّال قال ابن المُهَلَّب أي في الجماعة، قال وخَصَّ هذين الوقتين لاجتماع الملائكة فيهما ورفعهم أعمال العباد. انتهى، وعُرِفَ بهذا مناسبة إيراد حديث «يتعاقبون» عقب هذا الحديث.

وقال الحافظ العَسْقَلانيُّ لم يظهرْ لي وجهَ تقييدهِ بكونهِ في جماعةٍ من سياق الحديث، وإن كان فضل الجماعة معلومًا من أحاديث أُخَرَ، بل ظاهر الحديث يتناول من صلَّاهما ولو مُنْفَرِدًا إذْ مقتضاه التَّحريض على فعلهما أعمُّ مِنْ كونه في جماعة أو لا، والله أعلم.

(فَافْعَلُوا) أي الصَّلاة في هذين الوقتين، أو فافعلوا عدم المغلوبيَّة التي لازِمُها الصَّلاة؛ أي فأتوا بها في هذين الوقتين.

ج 3 ص 503

قال الخطَّابيُّ قوله (( فإن استطعتم. .. إلى آخره ) )يَدلُّ على أنَّ الرُّؤية قد يُرْجى نيلها بالمحافظة على هاتين الصَّلاتين، وقد يُسْتَشهد لذلك بما أخرجه التِّرمذيُّ من حديثِ ابن عمر رَفَعَه قال (( إنَّ أدنى أهل الجنَّة منزلة. .. ) )فذكر الحديث، وفيه (( وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوةً وعشيَّةً ) )، وفي سنده ضعف.

(ثُمَّ قَرَأَ) هكذا في جميع روايات «الجامع الصَّحيح» ، وأكثر الرِّوايات في غيره بإبهام فاعل «قرأ» ، وظاهره أنَّه النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحمله عليه جماعة من الشُّراح، ووقعَ عند مُسلم عن زُهَير بن حرب، عن مروان بن معاوية بإسناد حديث الباب (( ثمَّ قرأ جَرِير ) )؛ أي الصَّحابي، وكذا أخرجه أبو عَوَانة في «صحيحه» من طريق يَعْلى بن عُبيد، عن إسماعيل بن أبي خَالد فظهرَ من هذا أنَّه وما بعده مُدرَجٌ.

( {وَسَبِّحْ} ) وفي رواية لكن التِّلاوة بالواو دون الفاء ( {بِحَمْدِ رَبِّكَ} ) أي نزِّه عن العجز عمَّا يمكن، والوصفِ بما يُوجِبُ التَّشبيه حامدًا له على ما أنعمَ عليك ( {قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} ) [ق 39] يعني الفجر والعصر.

قال العلماءُ وجهُ مناسبةِ ذكرُ هاتين الصَّلاتين عند ذكرِ الرُّؤية أن الصَّلاة أفضل الطَّاعات، وقد ثبتَ لهاتين الصَّلاتين من الفضل على غيرهما اجتماع الملائكة فيهما، ورفع الأعمال إلى غير ذلك، فهما أفضل الصَّلوات، فناسب أن تُجَازى المحافظة عليهما بأفضل العطايا وهو النَّظر إلى الله تعالى، اللَّهم لا تَحْرِمنا النَّظر إلى وجهك الكريم.

وقِيْل لمَّا تحقَّق رؤيةُ الله تعالى برؤيةِ القَمر والشَّمس وهما آيتان عظيمتان شُرِعت لخسوفهما الصَّلاة والذِّكر ناسبَ من يحب رؤية الله أن يُحَافظَ على الصَّلاة عند غروبهما، انتهى. ولا يخفى بُعْدَه وتكلُّفه.

(قَالَ إِسْمَاعِيلُ) أي ابن أبي خالد (افْعَلُوا) أي هذه الصَّلاة (لاَ تَفُوتَنَّكُمْ) بنون التأكيد؛ أي هذه الصَّلاة، واعلمْ أنه سيأتي عند البُخاريِّ عن أبي هريرةَ [خ¦6573] وأبي سعيدٍ [خ¦4581] (( هل تضارُّون في رؤية الشَّمسِ في الظَّهيرة ليستْ في سحابة ) )قالوا لا، قال (( والَّذي نفسي بيده لا تضارُّون في رؤيته إلا كما تضارُّون في رؤية أحدهما ) ) [1] .

وعن أبي موسى الأشعريِّ عنده بنحوه [خ¦4878] ، وعن أبي رَزِين العُقَيليِّ قلتُ يا رسول الله،

ج 3 ص 504

أكلنا يرى ربَّه مَخْلِيًا به يوم القيامة؟ قال (( نعم ) )قال وما آية ذلك في خلقه؟ قال (( يا أبا رَزِيْن أليسَ كلُّكم يرى القمرَ ليلةَ البدرِ مخليًا به ) )قال نعم، قال (( فالله أعلى وأجلُّ وذلك آيته في خلقه ) ).

وعند ابن ماجه عن جابر (( بينا أهل الجنَّة في نعيمهم إذ سطع لهم نورٌ فرفعوا رؤوسَهم فإذا الرَّبُّ قد أشرفَ عليهم، فينظرُ إليهم وينظرونَ إليه ) ). وعن صهيب عند مسلم (( فيُكشَفُ الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله تعالى شيئًا أحبَّ إليهم من النَّظر إليه ) ).

وفي «سنن اللَّالكائي» عن أنسٍ وأبيِّ بن كعب وكعب بن عُجرة سُئِلَ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الزِّيادة في كتاب الله تعالى قال (( النَّظر إلى وجهه ) )فاستدلَّ بهذه الأحاديث وبالقرآن وإجماع الصَّحابة ومن بعدهم على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، وقد روى أحاديثُ الرُّؤية أكثر من عشرين صحابيًّا.

وقال أبو القاسم روى رؤية المؤمنين لربِّهم عزَّ وجلَّ في القيامة أبو بكر، وعليُّ ابن أبي طالب، ومُعاذ بن جبل، وابن مسعود، وأبو موسى، وابن عبَّاسٍ، وابن عمر، وبُرَيْدةَ بن الحصيب، وجُنَادة بن أبي أميَّة، وحُذَيفة، أبو أُمَامة، وأبو هريرة، وجابر، وأنس، وعمَّار بن ياسر، وزيد بن ثابت، وعُبَادة بن الصَّامت، وفُضَالة بن عُبيد، ورجلٌ له صحبة، ثمَّ ذكر أحاديثهم بأسانيد جيدة.

وذكر أبو نُعيم الحافظ في كتاب «تثبيت النَّظر» أبا سعيد الخُدْري، وعُمارة بن رُويبة، وأبا رَزِيْن العقيلي، وأبا بَرْزَة، وزاد الآجري في كتاب «الشَّريعة» وأبو محمَّد المعروف بأبي الشَّيخ في كتاب «السُّنَّة الواضحة» تأليفهما عَديَّ بن حَاتَمٍ الطَّائي، بسندٍ جيدٍ.

ثمَّ الرُّؤية مُخْتَصَّة بالمؤمنين ممنوعةٌ عن الكفَّار، وقِيل يراه منافقو هذه الأمَّة، وهذا ضعيفٌ، والصَّحيح أنَّ المُنَافِقين كالكفَّار باتِّفاق العلماء.

وعن ابن عمرَ وحذيفةَ رضي الله عنهما مِنْ أهل الجنَّة مَنْ ينظرُ إلى وجهه تعالى غدوةً وعشيَّةً.

ومنعَ ذلك المعتزلة والخوارج وبعض المُرْجِئَة [2] ، وحجَّجهم في ذلك وحُجَجنا عليهم مبسوطةٌ في الكتب الكلاميَّة فلتطلب ثمَّة.

وفي الحديث زيادة شرف الصَّلاتين، وذلك لتعاقب الملائكة فيهما كما مرَّ، وسيجيء في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦555] ، ولأنَّ وقت الصُّبح وقت لذَّة النوم كما قيل

~فإنَّ الكرَى عِنْد الصَّباحِ يَطيبُ

والقيام فيه أشقُّ على النَّفس من القيام في غيره، وصلاةُ العصرِ وقت الفراغ عن الصِّناعات، وإتمام الوظائف، والمسلم إذا حافظَ عليهما مع ما فيهما من التَّثاقل والتَّشاغل فلَأَن يُحَافظَ على غيرهما أولى.

ج 3 ص 505

[1] وجدته من حديث أبي سعيد فقط يحرر.

[2] في هامش الأصل قالوا الرؤية لا تتحقَّق إلا بثمانية أشياء سلامة الحاسَّة، وكون الشيء بحيث يكون جائز الرؤية، وأن يكون المرئيُّ مقابلًا للرَّائي، أو في حكم المقابل، فالأوَّل كالجسم المحاذي للرائي، والثاني كالأعراض المرئيَّة فإنَّها ليست مقابلة للرَّائي؛ إذ الغرض أن لا يكون مقابل للجسم، ولكنَّها حالَّة في الجسم المقابل للرائي فكان في حكم المقابل، وأن لا يكون المرئيُّ في غاية القرب ولا في غاية البعد، وأن لا يكون في غاية الصِّغر، ولا في غاية اللَّطافة، وأن لا يكون بين الرَّائي والمرئي حجاب، قلنا الشرائط السِّت الأخيرة لا يمكن اعتبارها إلّا في رؤية الأجسام، والله تعالى ليس بجسم فلا يمكن اعتبار هذه الشرائط في رؤيته، ولا يُعْتبر في حصول رؤيته تعالى إلا أمران سلامة الحاسَّة، وكون المرئيُّ بحيث يصحُّ أن يُرى، وهذان الشَّرطان حاصلان، والله أعلم. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت