6041 - (حَدَّثَنَا آدَمُ)
ج 25 ص 468
هو ابنُ أبي إياسٍ، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة السَّدوسي (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَجِدُ أَحَدٌ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ) شبَّه الإيمان بالعسل بجامع ميلِ القلبِ إليهما، وأسند إليهِ ما هو من خواصِّ العسل فهو استعارةٌ بالكناية (حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ) بالنَّصب (لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) على البناء للمفعول (أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ) وفي نسخةٍ سقط «منه» ، وفصل بين «أحب» وكلمة «من» ؛ لأنَّ في الظَّرف توسعةٌ (وَحَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) أي ممَّا سوى الله ورسوله. فإن قيل ثنَّى الضَّمير هنا في قوله «سواهما» ، وقد ردَّ على الخطيب حيث قال ومن يعصهما فقد غوى، وقال (( بئس الخطيبُ أنت ) )وأمره بالإفراد؟
فالجواب أنَّ المعتبر هو المركَّب من المحبَّتين، لا كلُّ واحدةٍ منهما، فإنَّها وحدها ضائعةٌ بخلاف المعصية، فإنَّ كلَّ واحدٍ من العصيانين مستقلٌّ باستلزام الغواية، فالأصل فيه استقلال كلٍّ من المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، كأن يقال ومن عصى الله فقد غَوى، ومن عصى الرَّسول فقد غوى، وقيل المحبَّة أمرٌ طبيعيٌّ لا يدخلُ تحت الاختيار؟
وأُجيب بأنَّ المراد الحبُّ العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل رجحانه، ويستدعي اختياره، وإن كان على خلافَ الهوى؛ كالمريض يعاف الدَّواء، ويميلُ إليه باختياره؛ يعني أنَّ من استكمل الإيمان علم أنَّ حقَّ الله ورسوله آكدٌ عليه من حقِّ أبيه وأمِّه وزوجته وجميع النَّاس؛ لأنَّ الفوز بالجنَّة والخلاص من النَّار إنَّما كان بذلك، ومن علامات محبَّته نصرُ دينه بالقول والفعل، والذَّب عن شريعته.
وقال البيضاويُّ إنَّما جعل هذه الأمور الثَّلاثة عنوانًا لكمال الإيمان المحصِّل لتلك اللَّذة؛ لأنَّه لا يتمُّ إيمان امرئٍ حتَّى يتمكَّن في نفسه أنَّ القادر والمنعِم على الإطلاق هو الله تعالى، ولا مانحَ ولا مانع سواه، وما عداه وسائطٌ، وأنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم هو العطوف الحقيقي السَّاعي في إصلاح شأنه وإعلاء مكانه.
وذلك يقتضِي أن يتوجَّه بشراشره نحوه، ولا يحبُّ ما يحبُّه إلَّا لكونه وسطًا بينه وبينه، وأن يتيقَّن أنَّ جملة ما وعدَ به وأوعد حقٌّ لا يحوم الرَّيب حوله، فيتيقَّن أنَّ الموعود كالواقع، وأنَّ الاستقلال بما يؤول إليه الشَّيء كملابسته، فيحسبُ مجالس الذِّكر رياض الجنَّة، وأكل مال اليتيم أكل النَّار، والعود في الكفر الإلقاء في النَّار، فيكره الإلقاء في النَّار.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة
ج 25 ص 469
تؤخذ من قوله (( لا يحبُّه إلَّا لله ) )، وقد مرَّ الحديث في «كتاب الإيمان» في «باب حبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان» [خ¦16] .