فهرس الكتاب

الصفحة 9010 من 11127

6052 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ موسى الحُدَّاني _ بضم الحاء المهملة وتشديد الدال المهملة وبعد الألف نون _، أو هو ابنُ جعفر البلخيُّ، قال (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح الرُّؤاسي أبو سفيان الكوفي، وهو من أصحاب أبي حنيفة وأخذ عنه كثيرًا (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران، أنَّه (سَمِعْتُ مُجَاهِدًا) هو ابنُ جبر (يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ) اليماني (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ) عبَّر عن صاحبيهما بهما تسميةً للحال باسم المحل (فَقَالَ) معطوفٌ على «مرَّ» أو على محذوفٍ؛ أي فوقف فقال (إِنَّهُمَا) أي صاحبي القبرين ولم يُسمَّيا (لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) قال ابن مالكٍ (( في ) )هنا للتَّعليل؛ أي لأجلٍ كبيرٍ، والنَّفي يحتمل أن يكون باعتبار اعتقاد المعذَّبين، أو أنَّه ليس بكبيرٍ على النَّفس، بل هو سهل والاحتراز عنه هيِّن، أو ليس بأكبر الكبائر وإن كان كبيرًا، فإنَّ الكبائر تتفاوتُ، وحينئذٍ فيكون فيه تنبيهٌ على التَّحرز من ارتكاب غيره والزَّجر عنه، أو قاله قبل أن يطلَّعَ على أنَّه من الكبائر، فلمَّا اطَّلع على ذلك قال «بلى إنَّه لكبير» [خ¦6055] كما في روايةٍ، وقيل غير ذلك ممَّا سبق في «الجنائز» [خ¦1361] وغيرها.

(أَمَّا هَذَا) أي صاحب أحد القبرين، ويروى (( أمَّا أحدهما ) ) [خ¦218] (فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ) بمثناة فوقيتين الأول مفتوحة والثانية

ج 25 ص 489

مكسورة؛ أي «يستنزه» بنون ساكنة بعدها زاي ثم هاء، كما في مسلمٍ وأبي داود.

ووجه دلالة لا يستتر على هذا المعنى أنَّ المستتر عن الشَّيء يبعد عنه ويحتجبُ منه فهو مجازٌ، والحمل عليه أولى؛ لأنَّ للبول بالنِّسبة إلى عذاب القبر خصوصيَّةٌ، فالحملُ على ما يقتضيهِ الحديث المصرِّح بهذه الخصوصيَّة أولى، وقيل أي لا يختفي عن أعين النَّاس عند قضاءِ الحاجة.

(وَأَمَّا هَذَا) أي صاحب هذا القبرِ الآخر (فَكَانَ يَمْشِي) بين النَّاس متَّصفًا (بِالنَّمِيمَةِ) بأن ينقلُ كلام بعضهم لبعضٍ على جهة الإفساد، وقيل النَّميمة كشف ما يُكْرَه كشفهُ، وهذا شاملٌ لِما يكرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو غيرهما، وسواء كان بالقولِ أو الكتابة أو الرَّمز والإيماء.

(ثُمَّ دَعَا) صلى الله عليه وسلم (بِعَسِيبٍ رَطْبٍ) بفتح العين المهملة وكسر السين المهملة، سَعفٌ لم ينبت عليه خوص، وقيل هو قضيبٌ لنخلٍ، و «رَطْبٍ» _ بفتح الراء وسكون الطاء المهملة _ (فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ) الباء زائدة في الحال، والحال هنا مقدَّرة كقوله تعالى {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ} [الفتح 27] ، وعند الدُّخول لا يكونون محلِّقين كما أنَّ العصا عند شقِّها لا تكون نصفين.

(فَغَرَسَ عَلَى هَذَا) القبر نصفًا (وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا) القبر نصفًا (وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم بعد أن قالوا لِمَ فعلتَ هذا؟ (لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (عَنْهُمَا) العذاب (مَا لَمْ يَيْبَسَا) (( ما ) )ظرفية مصدريَّة؛ أي مدَّة انقضاء عدم يبسهما فحذف الظَّرف وخلفه «ما» وصلتها، كما جاء في المصدر الصَّريح في قولهم جئتك صلاة العصر وأتيتك قدوم الحاجِّ؛ أي مدَّة دوام رطوبتهما، وسِرُّ ذلك تسبيحهما ما دامتا رطبتين. وقيل وجه التَّأقيت فيه محمولٌ على أنَّه صلى الله عليه وسلم سأل الشَّفاعة لهما فأُجيبت شفاعته بالتَّخفيف عنهما إلى يبسهما.

وقد سبق الحديث في «الطَّهارة» [خ¦216] و «الجنائز» [خ¦1361] ، ومرَّ الكلام فيه أيضًا، ومطابقة الحديث للتَّرجمة مع أنَّها في الغيبة، والحديث في النَّميمة من حيث إنَّ الجامع بينهما ذكر ما يَكرهه المقول فيه بظهرِ الغيب، قاله ابن التِّين. وقال الكرماني النَّميمة نوعٌ من الغيبة؛ لأنَّه لو سمعَ المنقول عنه أنَّه نُقِل عنه لغمَّه.

وقال الحافظ العسقلانيُّ الغيبة قد توجدُ في بعض صور النَّميمة

ج 25 ص 490

وهو أن يذكرهُ في غيبتهِ بما فيه ممَّا يسوءه قاصدًا بذلك الإفساد، فيحتمل أن تكون قصَّة الَّذي كان يعذَّب في قبره كانت كذلك، ويحتمل أن يكون أشارَ إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ «الغيبة» صريحًا، وهو ما أخرجه هو في «الأدب المفرد» من حديث جابر رضي الله عنه قال كنَّا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم فأتى على القبرين، فذكر نحو حديث الباب، وقال فيه (( أمَّا أحدهما فكان يغتاب النَّاس ... ) )الحديث.

وأخرج أحمد والطَّبرانيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي بكرة رضي الله عنه قال مرَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال (( إنَّهما يعذَّبان وما يعذَّبان في كبيرٍ ) )وبكى، وفيه (( وما يعذَّبان إلَّا في الغيبة والبول ) ). وفي رواية أحمد والطَّبراني أيضًا من حديث يَعلى بن شبابة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم مرَّ على قبرٍ يعذَّبُ صاحبه، فقال (( إنَّ هذا كان يأكل لحوم النَّاس ) )ثمَّ دعا بجريدةٍ رطبة ... الحديث، ورواته موثوقون.

ولأبي داود الطَّيالسي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مثله بسندٍ جيِّد، وأخرجه الطَّبراني، وله شاهدٌ عن أبي أُمامة رضي الله عنه عند أبي جعفر الطَّبري في «التفسير» . وأكل لحوم النَّاس يصدق على النَّميمة والغيبة، قال الحافظ العسقلانيُّ والظَّاهر اتِّحاد القصة ويحتمل التَّعدد، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الظَّاهر أنَّ الأمر بالعكس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت