6055 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (ابْنُ سَلاَمٍ) محمد، قال (أَخْبَرَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ) بفتح العين المهملة وكسر الموحدة، وحُميد بالتصغير، هو ابن صُهيبٍ (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الكوفي التَّيمي، وقيل اللَّيثي، وقيل الضَّبُّي، المعروف بالحذَّاء، مات سنة تسعين ومائةٍ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبرٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَعْضِ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ) أي بساتينها (فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا) على حدِّ قوله تعالى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم 4] (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرَةٍ) بالتَّأنيث، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ بالتذكير؛ أي لا يعذَّبان في أمرٍ يَكْبُر ويشقُّ عليهما الاحتراز عنهُ، أو عندكم ليس بكبيرٍ، أو ليس عليكم بكبيرٍ، إذ لا مشقَّة فيه، ولم يُرِدْ أنَّ الأمر فيهما هيِّنٌ في أمر الدِّين، ولذا قال (وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ) أي عند الله، قال في «النهاية» وكيف لا يكون كبيرًا وهما يعذَّبان فيه.
(كَانَ أَحَدُهُمَا لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ) أي لا يستنزه منه، أو من الاستتارِ على ظاهره؛ أي لا يحترز من كشف عورتهِ، ولا يختفي عن أعين النَّاس عند قضاء الحاجة، والأوَّل أوجه، وإن كان مجازًا كما مرَّ (وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) ليفسد بين النَّاس. وقد صحَّح ابن حبَّان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( وكان الآخر
ج 25 ص 494
يُؤذي النَّاس بلسانهِ، ويمشي بينهم بالنَّميمة )) .
(ثُمَّ دَعَا) صلى الله عليه وسلم (بِجَرِيدَةٍ) من جرائد النَّخل، وهي السَّعفة الَّتي جُرِد عنها الخوص والورق؛ أي قُشِر (فَكَسَرَهَا بِكِسْرَتَيْنِ) بكسر الكاف في الثانية (أَوْ ثِنْتَيْنِ، فَجَعَلَ كِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا، وَكِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا، لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا) قال النَّووي قال العلماء هو محمولٌ على أنَّه صلى الله عليه وسلم سأل الشَّفاعة لهما، فأُجيب بالتَّخفيف عنهما إلى أن ييبسا، أو لكون الجريد يسبِّح ما دام رطبًا، قال تعالى {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء 44] قالوا معناه وإن من شيءٍ حيٍّ، وحياةُ كلِّ شيءٍ بحسبهِ فحياة الخشبِ ما لم ييبس، والحجر ما لم يُقطَع. وذهب المحقِّقون إلى أنَّه على عمومه، ثمَّ اختلفوا هل يسبِّح حقيقةً أم فيه دَلالةٌ على الصَّانع فيكون مسبّحًا منزهًا بصورة حالته؟
والمحقِّقون على أنَّه يسبِّح حقيقة قال تعالى {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة 74] وإذا كان العقل لا يُحيل التَّمييز فيها وجاء النَّص به وجب المصير إليه.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( وإنَّه لكبيرٌ ) )، وقد مضى الحديث عن قريبٍ في «باب الغيبة» [خ¦6052] .