6057 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بن يونس اليربوعيُّ الكوفي، نسب إلى جدِّه، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمدُ بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئبٍ، واسمه هشام القرشيُّ المدني (عَنِ الْمَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، هو سعيدُ بن أبي سعيدٍ، واسمه كيسان، كان يسكن عند مقبرةٍ فنُسِب إليها (عَنْ أَبِيْهِ) كذا في الفرع كأصله عن أبي ذرٍّ، وسقط في غيرهما من الأصول (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ مَنْ لَمْ يَدَعْ) أي لم يترك (قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ) أي بمقتضاه من الفواحش وما نهى الله عنه (وَالْجَهْلَ) بالنَّصب؛ أي ولم يدع الجهل وهو فعل الجهَّال أو السَّفاهة على النَّاس، وجاء الجهل بمعناها.
(فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) وهو مجازٌ عن عدم القبول، وقال التَّوربشتي أي لا يبالي بعمله ذلك؛ لأنَّه أمسك عمَّا أبيحَ له في غير حين الصَّوم، ولم يمسك عمَّا حُرِّم عليه في سائر الأحايين.
وقال الطِّيبي لما دلَّ عليه قوله (( الصَّوم لي وأنا أجزي به ) ) [خ¦7492] على شدَّة اختصاص الصَّوم به تعالى من بين سائر العبادات، وأنَّه ممَّا يبالى به، ويُحتَفلُ به فرَّع عليه قوله (( فليس لله حاجةٌ في أن يتركَ صاحبه الطَّعام والشَّراب ) )وهو من الاستعارة التَّمثيلية، شبَّه حالته عزَّ وجلَّ مع تلك المبالاة والاحتفال بالصَّوم بحال من افتقر إلى أمرٍ لا غناء له عنه، ولا يتقوَّم إلَّا به، ثم أدخل المشبَّه واستَعمل في المشبه ما كان مستعملًا في المشبَّه به من لفظ الحاجة مبالغةً لكمال الاعتناء والاهتمام.
(قالَ أَحْمَدُ) هو ابنُ يونس المذكور (أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ) أي إسنادُ الحديث المذكور، والمعنى أنَّه لمَّا سمع الحديث من ابن أبي ذئبٍ لم يتيقَّن إسناده من لفظ شيخهِ فأفهمه إيَّاه رجل كان معه في المجلسِ، وقد خالف أبو داود رواية البخاريِّ، فأخرج الحديث المذكور عن أحمد ابن يونس هذا، لكن قال في آخرهِ قال أحمدُ فهمتُ إسناده من ابن أبي ذئبٍ
ج 25 ص 498
وأفهمني الحديث رجلٌ إلى جنبهِ أراه ابن أخيه. وهكذا أخرجه الإسماعيليُّ عن إبراهيم بن شريك عن أحمد ابن يونس.
وهذا عكس ما ذكره البخاري فإنَّ مقتضى روايته أنَّ المتن فهمه أحمدُ من شيخه، ولم يفهم الإسناد منه، بخلاف ما قال أبو داود وإبراهيم بن شريكٍ، فيُحمل على أنَّ أحمد ابن يونس حدَّث به على الوجهين، قال الحافظ العسقلانيُّ وخبط الكرمانيُّ هنا فقال قال أحمد أفهمني؛ أي كنت نسيت هذا الإسناد فذكَّرني به رجل إسناده.
ووجه الخبط نسبته إلى أحمد ابن يونس نسيان الإسناد، وأنَّ التَّذكير وقع له من الرَّجل بعد ذلك. وليس كذلك، بل أراد أنَّه لمَّا سمعه من ابن أبي ذئبٍ خفي عنه بعض لفظه، أمَّا على رواية البخاريِّ فمن الإسناد، وأمَّا على رواية أبي داود فمن المتن، وكان الرَّجل يجيبه بجنبه، فكأنَّه استفهمه عمَّا خفي عليه، فأفهمه له، فلمَّا كان بعد ذلك وتصدَّى للتَّحديث به أخبر بالواقع، ولم يستجز أن يُسنِده عن ابن أبي ذئبٍ بغير بيانٍ.
وقد وقع مثل ذلك لكثيرٍ من المحدِّثين، وعقد الخطيبُ لذلك بابًا في كتاب «الكفاية» ، وانظر إلى قوله (( أفهمني رجلٌ إلى جنبه ) )أي إلى جنب ابن أبي ذئبٍ. ثمَّ قال الكرمانيُّ وأراد رجلٌ عظيمٌ، والتَّنوين يدلُّ عليه، والغرض مدحُ شيخه ابن أبي ذئبٍ أو رجلٍ آخر غيره أفهمني. انتهى.
ولم يتعيَّن تعظيم الرَّجل الذي أفهمه من مجرَّد قوله «رجل» ، بل الَّذي فيه أنَّه إمَّا نسي اسمه فعبَّر عنه برجلٍ، أو كنَّى عنه اسمه عمدًا، وأمَّا مدح شيخه فليس في السِّياق ما يقتضيه.
ثم إنَّ ابن أبي ذئبٍ هو محمدُ بن عبد الرَّحمن بن المغيرة المخزومي، وكان له أخوان المغيرة وطالوت، قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أقف على اسم ابن أخيه المذكور ولا على تعيين أبيه أيُّهما هو.
قال ابن التِّين ظاهر الحديث أنَّ من اغتاب في صومه فهو مفطرٌ، وإليه ذهب بعض السَّلف، وذهبُ الجمهور إلى خلافه، لكن معنى الحديث أنَّ الغيبة من الكبائر، وأنَّ إثمها لا يفي له أجر صومه فكأنَّه في حكم المفطر.
وتعقَّبه الحافظ
ج 25 ص 499
العسقلانيُّ بأنَّ حديث الباب لا ذكر فيه للغيبة، وإنَّما فيه قول الزُّور والعمل به والجهل، ولكن الحكم والتَّأويل في كلِّ ذلك ما أشار إليه.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله (( من لم يدع قول الزُّور ) )فإنَّ معناه لم يترك ولم يجتنب.
وقد مضى الحديث في «كتاب الصَّوم» ، في «باب مَن لم يدع قول الزُّور» [خ¦1903] .