فهرس الكتاب

الصفحة 9022 من 11127

6058 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، قال (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان الزَّيات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمستملي بزيادة الهمزة بلفظ أفعل وهي لغةٌ فصيحةٌ، يُقال خيرٌ وأخير وشرٌّ وأشرُّ بمعنىً، ولكنَّ الَّذي بالألف أقل استعمالًا. وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ بالجمع، وفي رواية التِّرمذي (( إنَّ من شرِّ النَّاس ) )، وفي رواية مسلمٍ (( تجدون شرَّ النَّاس ) )، وفي روايةٍ أخرى له (( تجدون من شرِّ النَّاس ذا الوجهين ) )، وفي رواية الإسماعيليِّ من طريق أبي شهابٍ عن الأعمش بلفظ (( مِن شرِّ خلق الله ذو الوجهين ) )، وهذه الألفاظ متقاربةٌ.

والرِّوايات الَّتي فيها «شر النَّاس» محمولةٌ على الرِّوايات الَّتي فيها «من شر النَّاس» مبالغةً في ذلك، ويحتمل أن يكون المراد

ج 25 ص 500

بالنَّاس من ذُكِرَ من الطَّائفتين المضادتين خاصَّةً، فإنَّ كل طائفة منهما مجانبة للأخرى ظاهرًا، فلا يتمكَّن من الاطلاع على أسرارهما إلَّا بما ذكر من خداعة الفريقين ليطَّلع على أسرارهم فهو شرهم كلُّهم، والأَولى حمل النَّاس على عمومه؛ فهو أبلغ في الذَّم. وقد سبق في رواية الإسماعيليِّ (( من شرِّ خلق الله ) ).

(يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ) ويظهر عند كلٍّ أنَّه منهم، ومخالفٌ للآخرين مبغضٌ لهم، وهو المذمومُ، إذ لو أتى كلُّ طائفة بالإصلاح ونحوه؛ لكان محمودًا.

قال القرطبيُّ إنَّما كان ذو الوجهين شرَّ النَّاس؛ لأنَّ حاله حال المنافق، إذ هو متملِّقٌ بالباطل وبالكذب يُدخل الفساد بين النَّاس.

وقال النَّووي هو الذي يأتي كلَّ طائفة بما يرضيها فيُظهر لها أنَّه منها، ومخالف لضدِّها، وصنيعه نفاقٌ محضٌ وكذبٌ وخداعٌ وتحيُّلٌ على الاطلاع على أسرار الطَّائفتين، وهي مداهنةٌ محرَّمةٌ.

قال فأمَّا من يقصد بذلك الإصلاح بين الطَّائفتين فهو محمودٌ. وقال غيره الفرق بينهما أنَّ المذموم من يزين لكلِّ طائفةٍ عملها، ويُقبِّحه عند الأخرى، ويذمُّ كلَّ طائفة عند الأخرى، والمحمود أن يأتي لكلِّ طائفةٍ بكلامٍ فيه صلاح الأخرى، ويعتذر لكلِّ واحدة عن الأخرى، وينقل إليها ما أمكنه من الجميل، ويسترُ القبيح. ويؤيِّد هذه التَّفرقة رواية الإسماعيلي من طريق ابن نُميرٍ عن الأعمش (( الَّذي يأتي هؤلاء بحديث هؤلاء، وهؤلاء بحديثِ هؤلاء ) ). وقال ابن عبد البرِّ حَمَله على ظاهره جماعةٌ، وهو أولى، وتأوَّله قومٌ على أنَّ المراد من يرائي بعمله فيرى النَّاس خشوعًا واستكانةً، ويوهمهم أنَّه يخشى الله حتَّى يكرموه، وهو في الباطن بخلاف ذلك.

قال وهذا محتملٌ لو اقتصر في الحديث على صدره فإنَّه داخلٌ في مطلق ذي الوجهين، لكن بقيَّة الحديث تردُّ هذا التَّأويل وهي قوله (( يأتي هؤلاء بوجهٍ وهؤلاء بوجهٍ ) ). قال الحافظ العسقلانيُّ وقد اقتصر في رواية التِّرمذي على صدر الحديث الأوَّل، لكن دلَّت بقية الرِّوايات

ج 25 ص 501

على أنَّ الرَّاوي اختصره.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت