فهرس الكتاب

الصفحة 9044 من 11127

6072 - (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى) أي ابن أبي نَجيحٍ المعروف بابن الطَّبَّاع _ بمهملة مفتوحة وموحدة ثقيلة _، هو أبو جعفر البغدادي نزل أَذنَه _ بفتح الهمز والمعجمة والنون _، وهي بلدةٌ بالقرب من طرسوس، وهو ثقةٌ عالمٌ بحديث هُشيم، حتَّى قال علي بن المدينيِّ سمعت يحيى القطَّان وابن مهدي يسألانه عن حديث هُشيم. وقال أبو حاتم حدَّثنا محمد بن عيسى بن الطباع الثَّقة المأمون، ورجَّحه على أخيه إسحاق بن عيسى وإسحاق أكبر من محمد. وقال أبو داود وكان يتفقَّه وكان يحفظُ نحو أربعين ألف حديثٍ، ومات سنة أربع وعشرين ومائتين وحدَّث عنه أبو داود بلا واسطةٍ، وأخرج التِّرمذي في «الشمائل» والنَّسائي وابن ماجه من حديثه بواسطةٍ.

قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أرَ له في البخاريِّ سوى هذا الموضع وموضعٌ آخر في «الحجِّ» [خ¦1769] . وقال العينيُّ قال الَّذي جمع رجال «الصَّحيحين» روى عنه البخاري في آخر الحجِّ [خ¦1769] والأدب [خ¦6072] ، وقال في الموضعين «قال محمد بن عيسى» .

وقال صاحب «التوضيح» وهذا يشبه أن يكون البخاريُّ أخذه عن شيخه محمد بن عيسى مذاكرةً. وقال أبو جعفر بن حمدان النِّيسابوري كل ما قال البخاريُّ «قال لي فلانٌ» فهو عرضٌ ومناولة.

وقال بعضُ المغاربة يقول البخاريُّ «قال لي» ، و «قال لنا» لم يذكره للاحتجاج به، وإنَّما ذكره للاستشهاد به وكثيرًا ما يعبِّر المحدِّثون بهذا اللَّفظ ممَّا جرى بينهم في المذاكراتِ والمناظرات، وأحاديث المذاكرة قلَّما يحتجُّون بها، قاله الحافظ الدِّمياطي.

(حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء مصغرًا، هو ابنُ بشيرٍ أبو معاوية الواسطيُّ، قال (أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ) قال (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه (قَالَ كَانَتِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بفتح الهمزة في «اليونيَّنية» ، والظَّاهر كسر الهمزة (الأَمَةُ) غير الحرَّة (مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) أيَّ أمةٍ كانت (لَتَأْخُذُ) بلام التأكيد وهي مفتوحة

ج 25 ص 533

(بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ) من الأمكنة ولو كانت حاجتها خارج المدينةِ، وفي رواية أحمد (( فتنطلقُ به في حاجتها ) )، وله من طريق عليِّ بن زيدٍ عن أنس رضي الله عنه (( إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجئ وتأخذُ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ينزعُ يده من يدها حتَّى تذهب به حيث شاءت ) ). وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه، والمرادُ من الأخذ باليد لازمه وهو الرِّفق والانقياد، وفيه دليلٌ على مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكِبر صلى الله عليه وسلم.

وفيه أنواعٌ من المبالغة من جهة أنَّه ذكر المرأة لا الرَّجل، والأمَة دون الحرَّة وعمَّم بلفظ الإماء؛ أيَّ أمَة كانت، وبقوله (( حيث شاءت من الأمكنة ) )، وعبَّر عنه بالأخذ باليد إشارةً إلى غاية التَّصرف حتَّى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمستْ منه مساعدتها في تلك الحالة لساعدَها على ذلك.

والحديث من أفراد البخاريِّ، وأخرجه أحمد بن حنبل.

تتمَّة وقد ورد في ذمِّ الكِبر ومدح التَّواضع أحاديث من أصحِّها ما أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال (( لا يدخل الجنَّة من كان في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من كِبر ) )، فقيل إنَّ الرَّجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا وفعله حسنًا، قال (( الكِبر بطرُ الحقِّ، وغمطُ النَّاس ) ).

والغَمْط بفتح المعجمة وسكون الميم بعدها طاء مهملة، وهو الازدراءُ والاحتقار، وقد أخرجه الحاكم بلفظ «الكِبر من بطرِ الحقِّ وازدراء النَّاس» ، والسَّائل المذكور يحتمل أن يكون ثابت بن قيسٍ، فقد روى الطَّبراني بسندٍ حسنٍ عنه أنَّه سأل عن ذلك.

وكذا أخرج من حديث سواد بن عمرٍو أنَّه سأل عن ذلك، وأخرج عبد بن حميدٍ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما رفعه (( الكبر السَّفه عن الحقِّ وغمط النَّاس ) )، فقال يا نبيَّ الله وما هو؟ قال (( السَّفه

ج 25 ص 534

أن يكون لك على رجلٍ مال فينكره فيأمره رجلٌ بتقوى الله فيأبى )) .

والغمط أن يجئَ شامخًا بأنفه وإذا رأى ضعفاء النَّاس وفقراءهم لم يسلِّم عليهم ولم يجلس إليهم محقِّرًا لهم.

وأخرج التِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم من حديث ثوبان رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( مَن مات وهو برئٌ من الكبر والغلول والدَّين دخل الجنَّة ) ). وأخرج أحمد وابن ماجه وصحَّحه ابن حبَّان من حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه رفعه (( من تواضع لله درجةً رفعه الله درجةً حتَّى يجعله في أعلى علِّيين، ومن تكبَّر على الله درجةً وضعه الله حتَّى يجعله في أسفل سافلين ) ). وأخرج الطَّبراني في «الأوسط» عن ابن عمرٍ رضي الله عنهما رفعه (( إيَّاكم والكِبر فإنَّ الكبر يكون في الرَّجل وإنَّ عليه العباءة ) )ورواته ثقاتٌ.

وحكى ابن بطَّالٍ عن الطَّبري أنَّ المراد بالكِبر في هذه الأحاديث الكفر بدليل قوله في الأحاديث «على الله» ثمَّ قال ولا ينكرُ أن يكون من الكِبر ما هو استكبارٌ على غير الله تعالى، ولكنَّه غير خارجٍ عن معنى ما قلناه؛ لأنَّ معتقد الكِبر على ربِّه يكون لخلق الله أشد استحقارًا، انتهى.

وقد أخرج مسلم من حديث عياض بن حِمارٍ _ بكسر المهملة وتخفيف الميم _ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتَّى لا يبغي أحدٌ على أحدٍ ... ) )الحديث.

والأمر بالتَّواضع نهيٌ عن الكبر فإنَّه ضدُّه، وهو أعمُّ من الكفر وغيره. واختلف في تأويل ذلك في حقِّ المسلم فقيل لا يدخل الجنَّة مع أوَّل الدَّاخلين، وقيل لا يدخلها بدون مجازاةٍ، وقيل جزاؤه أن لا يدخلها، ولكن قد يُعفى عنه. وقيل ورد مورد الزَّجر والتَّغليظ، وظاهره غير مرادٍ، وقيل معناه لا يدخل الجنَّة حال دخولها وفي قلبه كِبرٌ، حكاه الخطَّابي واستضعفه النَّووي فأجاد؛ لأنَّ الحديث سيق لذمِّ الكبر وصاحبه لا للإخبار عن صفة دخول أهل الجنَّة الجنَّةَ.

قال الطِّيبي المقام يقتضي حمل الكِبر على من يرتكب الباطل؛ لأنَّ تحرير الجواب إن كان استعمال الدَّنيَّة لإظهار نعمة الله فهو جائزٌ أو مستحبٌّ،

ج 25 ص 535

وإن كان للنَّظر المؤدِّي إلى تسفيه الحقِّ وتحقير النَّاس والصَّد عن سبيل الله فهو مذمومٌ.

فائدةٌ وأنفع شيءٍ لدفع الكبر التَّفكُّر في كونه لم يكن شيئًا وليس أخسُّ من العدم، وحيث صار شيئًا صار جمادًا لا يحسُّ، وكان إيجاده من ترابٍ وطينٍ منتنٍ ونطفةٍ بمكان قذرٍ، فأُوْجِد بسمع وبصرٍ وعقلٍ ليعرف به أوصافه، وأخرجه تعالى ضعيفًا عاجزًا فربَّاه وقوَّاه وعلَّمه إلى منتهاه، وتلازمه مع ذلك مستقذرات كالبول والغائط والسَّقم والعجز لا يملك ضرًّا ولا نفعًا ولا شيئًا، ومع ذلك لا يشكر نعمه، ولا يذكر عرض قبائحهِ وتفرُّده بقبرٍ موحشٍ عن محابه وأحبابه فيصير جيفةً، والأحداق سالت، والألوان حالت، والرُّؤوس تغيَّرت ومالت، مع فتان يأتيه فيقعده يسأله عمَّا كان يعتقده، ثمَّ يكشف له من الجنَّة أو النَّار مقعده، ثمَّ يقاسي أهوال القيامة، ثمَّ يصير إلى النَّار إن لم يرحمه ربُّه، ومن هذه حالتُه فمن أين يأتيه الكِبر، فالكبرياءُ والعظمة للربِّ القادر لا للعبد العاجزِ أشار إليه في «قوت الأحياء» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت