6073 - 6074 - 6075 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلمٍ بن شهاب، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَوْفُ بْنُ الطُّفَيْلِ) بالعين المهملة وسكون الواو وبالفاء، والطُّفيل بضم الطاء المهملة (وَهْوَ ابْنُ أَخِي عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأُمِّهَا) أم رومان بنت عامرٍ الكنانية، كذا وقع عند النَّسفي وأبي ذرٍّ وعند غيرهما، وكذلك أخرجه أحمدُ عن أبي اليمان شيخ البخاريِّ فيه فقال عوف بن مالكٍ بن الطُّفيل. وعند الإسماعيليِّ من طريق علي بن المديني من رواية الأوزاعي وصالح بن كيسان ومَعمر ثلاثتهم عن الزُّهري. ففي رواية الأوزاعي عنه حدَّثني الطُّفيل بن الحارث وكان من أزد شنوءة وكان أخًا لها من أمِّها أمِّ رومان. وفي رواية صالح عنه حدَّثني عوف بن الطُّفيل بن الحارث، وهي ابنُ أخي عائشة لأمِّها، وفي رواية مَعمر عوف بن الحارث بن الطُّفيل.
قال عليُّ بن المديني هكذا اختلفوا، والصَّواب عندي وهو المعروفُ عوف بن الحارث بن الطُّفيل بن سَخْبرة _ بفتح المهملة والموحدة بينهما معجمة ساكنة وآخره راء _، ابن جُرْثومة _ بضم الجيم وسكون الراء وضم المثلثة وبالميم _ ابن عابد بن مرَّة بن جشم بن أوس بن عامر القرشي.
قال أبو خيثمة
ج 25 ص 537
لا أدري من أيِّ قريش هو. وقال أبو عمر ليس من قريش وإنَّما هو من الأزد.
وقال الواقديُّ كانت أمُّ رومان تحت عبد الله بن الحارث بن سَخْبرة، وكان قدم بها مكَّة فحالف أبا بكرٍ رضي الله عنه قبل الإسلام، وتوفِّي عن أمِّ رومان، وقد ولدت له الطُّفيل، ثمَّ خلَّف عليها أبو بكرٍ رضي الله عنه فولدت له عبد الرَّحمن وعائشة رضي الله عنهما فهما أخوا الطُّفيل هذا لأمِّه، وَوَلَدَ الطُّفيل بن عبد الله بن الحارث عوفًا.
وذكر أبو عمر الطُّفيل هذا في «الاستيعاب» في الصَّحابة. وقال الذَّهبي الطُّفيل هذا صحابيٌّ روى عنه ربعي بن حراش والزُّهري. وقال في «جامع الأصول» عوف بن مالك بن الطُّفيل.
وقال الكلاباذيُّ عوف بن الحارث بن الطُّفيل، والمعروف كما مرَّ هو عوفُ بن الحارث بن الطُّفيل.
(أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (حُدِّثَتْ) على البناء للمفعول؛ أي أخبرت، وفي رواية الأَصيليِّ والأوَّل أصح، ويؤيِّده أنَّ في رواية الأوزاعي أنَّ عائشة بلغها (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ) أي ابن العوَّام (قَالَ فِي بَيْعٍ _ أَوْ عَطَاءٍ _ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ) وفي رواية الأوزاعيِّ في دارٍ لها باعتها، فسخط عبد الله بن الزُّبير لبيع تلك الدَّار، فقال (وَاللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ) وفي رواية الأوزاعيِّ فقال أما والله تنتهين عائشة عن بيع رَبَاعها، وهذا مفسِّرٌ لما أُبهم في رواية غيره.
وكذا لما تقدَّم في «مناقب قريش» من طريق عروة، قال كانت عائشةُ لا تمسك شيئًا ممَّا جاءها من رزق الله إلَّا تصدَّقت [خ¦3505] كما سيأتي، وهذا لا يخالف الَّذي هنا، لأنَّه يحتمل أن تكون باعت الرَّباع لتتصدَّق بثمنها.
(أَوْ لأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا) وفي «مناقب قريش» وكان عبد الله بن الزُّبير أحب البشر إلى عائشة بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ رضي الله عنه وكان أبرَّ النَّاس بها، وكانت لا تمسك شيئًا ممَّا جاءها من رزق الله إلَّا تصدَّقت، فقال ابن الزُّبير ينبغي أن يؤخذَ على يديها، فقالت أيؤخذُ على يدِي، عليَّ نذرٌ إنْ كلمته [خ¦3505] ، وكانت هذه القضية قبل أن يلي عبد الله بن الزُّبير الخلافة؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها ماتت
ج 25 ص 538
سنة سبعٍ وخمسين في خلافة معاوية رضي الله عنه، وكان ابن الزُّبير حينئذٍ لم يلِ شيئًا.
(فَقَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (أَهُوَ) أي عبد الله (قَالَ هَذَا) الكلام؟ (قَالُوا نَعَمْ) قاله (قَالَتْ هُوَ) أي الشَّأن (لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لاَ أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا) وفي رواية عبد الرَّحمن بن خالدٍ (( كلمة أبدًا ) )وفي رواية معمر (( بكلمةٍ ) )، وفي رواية الإسماعيليِّ من طريق الأوزاعي بدل قوله أبدًا، (( حتَّى يفرِّق الموت بيني وبينه ) ). قال السفاقسيُّ قولها (( أن لا أكلِّم ) )تقديره عليَّ نذرٌ إن كلَّمته. وقال الكرمانيُّ ويروى _ بفتح الهمزة وكسرها _ بزيادة «لا» ، والمقصود حلفها على عدمِ التَّكلُّم معه. قال العينيُّ هذا كلام الكرمانيِّ بعين ما قاله.
وقال بعضهم _ يريد الحافظ العسقلاني _ ووقع في بعض الرِّوايات بحذف «لا» ، وشرح عليها الكرمانيُّ وضبطها بالكسر بصيغة الشَّرط، قال وهو الموافق للرِّواية المتقدِّمة في «مناقب قريش» بلفظ (( لله عليَّ نذرٌ إن كلَّمته ) ) [خ¦3505] . فعلى هذا يكون النَّذر معلَّقًا على كلامه لا أنَّها نذرت على ترك كلامه ناجزًا. قال العينيُّ وليس كما نقله فالَّذي ذكره الكرمانيُّ هو الذي ذكرناه، فافهم.
(فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا) من الشَّفاعة وهي السُّؤال في التَّجاوز عن الذُّنوب والجرائم (حِينَ طَالَتِ الْهِجْرَةُ) كذا في رواية الأكثرين بلفظ «حين» وفي رواية السَّرخسي والمستملي بدل والأوَّل الصَّواب. ووقع في رواية معمر على الصَّواب، وزاد في رواية الأوزاعيِّ (( وطالت هجرتها إيَّاه فنقصه الله بذلك في أمره كلِّه، فاستشفع بكلِّ جدير أنَّها تُقبِل عليه ) )وفي الرِّواية الأخرى عنه (( فاستشفع عليها بالنَّاس فلم تقبل ) ). وفي رواية عبد الرَّحمن بن خالدٍ (( فاستشفع ابن الزُّبير بالمهاجرين ) )وقد أخرج إبراهيم بن الحربيِّ من طريق حميد بن قيسٍ أنَّ عبد الله بن الزُّبير قال فذكر نحو هذه القصة، قال (( فاستشفعَ إليها بعبيد بن عميرٍ، فقال لها أين حديثٌ أخبرتنيه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه نهى عن الصَّرم فوق ثلاثٍ ) ).
(فَقَالَتْ لاَ وَاللَّهِ لاَ أُشَفِّعُ) بكسر الفاء المشددة (فِيهِ أَبَدًا) كذا في رواية الكُشميهني، وفي رواية
ج 25 ص 539
أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمستملي بدل (( أبدًا ) )وجمع بين اللَّفظين في رواية عبد الرَّحمن بن خالدٍ، وكذا في رواية مَعمر.
(وَلاَ أَتَحَنَّثُ إِلَى نَذْرِي) بالمثلثة؛ أي لا أقبل الشَّفاعة فيه ولا أتحنَّث في نذري؛ أي يميني منتهيًا إليه، وفي رواية معمرٍ (( ولا أحنث في نذري ) )، وفي رواية الأوزاعيِّ (( فقالت والله لا آثم فيه ) )أي في نذرها أو في الزُّبير، وتكون «في» سببيَّة.
(فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ) أي هجر عائشة رضي الله عنها (عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، كَلَّمَ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم وسكون السين المهملة في الأوَّل وبفتح الميم وسكون الخاء المعجمة في الثَّاني، وهو مخرمة بن نوفل بن أهيب بن زهرةَ بن كلاب.
(وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ) بفتح التحتانية وضم المعجمة وسكون الواو بعدها مثلثة، وهو ابن وهيب بن عبد مناف بن زهرةَ، يجتمع مع المسوَر في عبد مناف بن زهرة، ووهيب وأُهيب أخوان، ومات الأسود قبل الهجرة ولم يُسلم، ومات النَّبي صلى الله عليه وسلم وعبد الرَّحمن صغير فذُكِر في الصَّحابة، وله في البخاريِّ غير هذا الموضع حديث عن أُبيِّ بن كعبٍ رضي الله عنه سيأتي قريبًا [خ¦6145] .
(وَهُمَا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ) وكانا من أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقع في رواية عُروة (( فاستشفع إليها برجالٍ من قريش وبأخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصَّة ) )، وقد ثبت قرابة بني زهرة برسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أبيهِ وأمِّه.
(وَقَالَ لَهُمَا أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ) بفتح الهمزة وضم المعجمة والمهملة، من نشدتُ فلانًا إذا قلت له نشدتُك الله؛ أي سألتك بالله، والمعنى أسألكما (لَمَا أَدْخَلْتُمَانِي عَلَى عَائِشَةَ) بتخفيف الميم و «ما» زائدةٌ ويجوز التَّشديد، حكاه القاضي عياض وهو بمعنى «إلَّا» كقوله تعالى {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق 4] أي إلَّا عليها حافظ، ومعناه ما أطلب منكما إلَّا الإدخال عليها.
قال الزمخشريُّ نشدتك بالله إلَّا فعلتَ
ج 25 ص 540
معناه ما أطلب منك إلَّا فعلك، وفي رواية الكُشميهني ، وفي رواية الأوزاعيِّ (( فسألهما أن يشتملًا عليه بأرْدِيتهما ) ).
(فَإِنَّهَا) أي فإنَّ الحالة، وفي رواية الكُشميهني أي شأن (لاَ يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْذُرَ) بكسر الذال وضمها (قَطِيعَتِي) أي قطع صلة الرَّحم؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها كانت خالته وهي الَّتي كانت تتولَّى تربيته غالبًا (فَأَقْبَلَ بِهِ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُشْتَمِلَيْنِ بِأَرْدِيَتِهِمَا، حَتَّى اسْتَأْذَنَا عَلَى عَائِشَةَ) رضي الله عنها (فَقَالاَ السَّلاَمُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) وفي رواية معمر (( فقالا السَّلام على النَّبي ورحمة الله ) )فيحتمل أن تكون الكاف في الأوَّل مفتوحة (أَنَدْخُلُ) الهمزة فيه للاستخبار (قَالَتْ عَائِشَةُ ادْخُلُوا قَالُوا كُلُّنَا؟ قَالَتْ نَعَمِ، ادْخُلُوا كُلُّكُمْ، وَلاَ تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ابْنَ الزُّبَيْرِ) وفي رواية الأوزاعيِّ (( قالا ومن معنا؟ قالت ومن معكما ) ) (فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجَابَ، فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ وَطَفِقَ) بالواو، وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء؛ أي جعل (يُنَاشِدُهَا) الله والرَّحم (وَيَبْكِي) وفي رواية الأوزاعيِّ (( فبكى إليها وبكت إليهِ وقبَّلها ) )وفي روايته الأخرى عند الإسماعيليِّ (( وناشدها ابن الزُّبير الله والرَّحم ) ) (وَطَفِقَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِهَا إِلاَّ مَا كَلَّمَتْهُ، وَقَبِلَتْ مِنْهُ) ويُروى بسكون الفوقية فيهما؛ أي ما يطلبان إلَّا التَّكلم معه وقبول العُذر منه.
(وَيَقُولاَنِ) لها (إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ) بكسر اللام وسكون الميم (مِنَ الْهِجْرَةِ) بيان «ما قد علمت» (وَأَنَّهُ لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ) المسلم (فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ) وفي رواية معمر (( أنَّه لا يحلُّ ) )بحذف الواو، وهو كالتَّفسير لِما قبله (فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَةَ مِنَ التَّذْكِرَةِ) أي التَّذكير بما جاء في فضل صلة الرَّحم والعفو وكظم الغيظ (وَالتَّحْرِيجِ) بحاء مهملة ثم جيم في آخره؛ أي الوقوع في الحرجِ وهو الضَّيق لما ورد في القطيعة من النَّهي (طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا)
ج 25 ص 541
بضم الفوقية وفتح المعجمة وكسر الكاف مشددة (وَتَبْكِي) وفي رواية أبي ذرٍّ (وَتَقُولُ) لهما (إِنِّي نَذَرْتُ) أن لا أكلِّمه (وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزَالاَ بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيْرِ) وفي رواية الأوزاعيِّ (( فكلَّمته بعد ما خشي أن لا تكلِّمه، وقبلت منه بعد أن كادت لا تقبل منه ) ) (وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً) وفي رواية الأوزاعيِّ (( ثمَّ بعثت إلى اليمن بمالٍ فابتيع لها به أربعون رقبةً فأعتقتها كفَّارة لنذرها ) )، ووقع في رواية عروة (( فأرسل إليها بعشر رقابٍ فأعتقتها ) ).
وظاهره أنَّ عبد الله بن الزُّبير أرسل إليها بالعشرة أوَّلًا، ولا ينافي رواية الباب أن تكون هي اشترت بعد ذلك تمام الأربعين فأعتقتهم، وقد وقع في روايةٍ (( ثمَّ لم تزل حتَّى بلغت أربعين ) ).
(وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَتَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا) أي الَّذي يستر رأسها، وهو بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الميم، وفي رواية الأوزاعيِّ قال عوف بن الحارث (( ثمَّ سمعتها بعد ذلك تذكر نذرها ذلك ) )، ووقع في رواية عروة أَّنها قالت (( ودِدتُ أنِّي جعلت حين حلفت عملًا أعمله فأفرغ منه ) ).
واختلف في النَّذر إذا خرج مخرجَ اليمين مثل إن قال إن كلَّمت فلانًا فلله عليَّ عتق رقبةٍ، فهذا نذرٌ وخرج مخرج اليمين؛ لأنَّه قصد به منع نفسه عن الفعل فإذا فعلَ ذلك وجبَ عليه كفَّارة اليمين كما ذهب إليه الشَّافعي وأكثر السَّلف.
وقال المالكيَّة إنَّما ينعقدُ النَّذر إذا كان في طاعةٍ كقولك لله عليَّ أن أعتقَ أو أن أصلِّي، فإن كان في حرامٍ أو مكروهٍ أو مباحٍ فلا، وحينئذٍ فنذر ترك الكلام الصَّادر عن عائشة رضي الله عنها في حقِّ ابن الزُّبير رضي الله عنهما يفضي إلى التَّهاجر وهو حرامٌ أو مكروهٌ.
وأُجيب بأنَّ عائشة رضي الله عنها رأت أنَّ ابن الزُّبير ارتكب بقوله (( لأحجرنَّ عليها ) )أمرًا عظيمًا؛ لما فيه من تنقيصها ونسبته لها إلى ارتكاب ما لا يجوز
ج 25 ص 542
من التَّبذير الموجب لمنعها من التَّصرُّف فيما رزقها الله تعالى، مع ما انضاف إلى ذلك من كونها أم المؤمنين وخالته أخت أمِّه، ولم يكن أحدٌ عندها في منزلته، فكأنَّها رأت أنَّ في الَّذي وقع منه نوع عقوقٍ، والشَّخص يستعظم ممَّن يلوذ به من القريب ما لا يستعظمُه من الغريب، فرأت أنَّ مجازاته على ذلك بترك مكالمتهِ، كما نهى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن كلام كعب بن مالكٍ وصاحبيه عقوبةً لهم لتخلُّفهم عن غزوة تبوك بغير عذرٍ، ولم يمنع من كلام مَن تخلَّف عنها من المنافقين مؤاخذةً للثَّلاثة؛ لعظم منزلتهم وازدراءً بالمنافقين لحقارتهم، فعلى هذا يُحمل ما صدر من عائشة رضي الله عنها.
وقد ذكر الخطَّابي هجر الوالد لولده والزَّوج لزوجتهِ ونحو ذلك لا يتضيَّق بالثَّلاث، واستدلَّ بأن النَّبي صلى الله عليه وسلم هجر نساءه شهرًا، وكذلك ما صدر عن كثيرٍ من السَّلف في استجازتهم ترك مكالمة بعضهم بعضًا مع علمهم بالنَّهي عن المهاجرة، ولا يخفى أنَّ هنا مقامين أعلى وأدنى، فالأعلى اجتناب الإعراض جملةً، فيبذل السَّلام والكلام والمواددة بكلِّ طريقٍ، والأدنى الاقتصار على السَّلام دون غيره، والوعيد الشَّديد إنَّما وقع لمن يترك المقام الأدنى، وأمَّا الأعلى فمن تركه من الأجانب فلا يلحقه اللَّوم، بخلاف الأقارب فإنَّه يدخل فيه قطيعة الرَّحم، وإلى هذا أشار ابن الزُّبير في قوله (( فإنَّها لا تحلُّ لها قطيعتي ) )أي إن كانت هجرتني عقوبةً على ذنبي فليكن لذلك أمدٌ، وإلَّا فتأبيد ذلك يفضي إلى قطيعة الرَّحم، وقد كانت عائشة رضي الله عنها علمت بذلك، لكنَّها تعارَض عندها هذا والنَّذر الَّذي الزمته، فلمَّا وقع من اعتذار ابن الزُّبير واستشفاعه ما وقع رجَّح عندها ترك الإعراض عنه، واحتاجت إلى التَّكفير عن نذرها بالعتق الَّذي تقدَّم ذكره.
ثمَّ كانت بعد ذلك يعرض عندها شكٌّ في أنَّ التَّكفير المذكور لا يكفيها، فيظهر الأسف على ذلك إمَّا ندمًا على ما صدر منها من أصل النَّذر المذكور، وإمَّا خوفًا من عاقبة ترك الوفاء به، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّه متضمِّن لهجرة عائشة رضي الله عنها ابن الزُّبير رضي الله عنهما أكثر من ثلاثة أيَّامٍ.
ج 25 ص 543