6116 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) هو الزِّمِّيُّ _ بكسر الزاي وتشديد الميم _ وليس له في البُخاري إلَّا عن أبي بكر بن عيَّاش، قال (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ) بفتح العين المهملة وتشديد التَّحتية وبالشين المعجمة القارئ الكوفي راوي عاصم أحد القراء السَّبعة (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المهملتين، عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيات السَّمَّان.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَجُلًا) هو جارية _ بالجيم _ ابن قُدامة، أخرجَه أحمدُ وابن حبَّان والطَّبراني من حديثه مبهمًا ومفسَّرًا، ويحتمل أن يفسَّر بغيره. ففي الطَّبراني من حديث سفيان بن عبد الله الثَّقفي، قلت يا نبيَّ الله، قلْ لي قولًا أنتفعُ به وأقلل، قال (( لا تغضبْ ) )، وفيه عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه دلَّني
ج 26 ص 34
على عملٍ يدخلني الجنَّة. قال (( لا تغضبْ ولك الجنَّة ) ). وفي حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما عند أبي يَعلى قلت (( يا رسولَ الله، قل لي قولًا، وأقللْ لعلِّي أعقله ) ).
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند أحمد (( ما يباعدُني من غضبِ الله ) )، وزاد أبو كُريب عن أبي بكر بن عيَّاش عند التِّرمذي (( ولا تكثر عليَّ لعلِّي أعيه ) ).
(قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصِنِي، قَالَ) صلى الله عليه وسلم له (لاَ تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ) أي ردد السؤال يلتمس أنفع من ذلك وأبلغ أو أعم (مِرَارًا) فلم يزدْه على ذلك (قَالَ لاَ تَغْضَبْ) وفي رواية أبي كُريب (( كلُّ ذلك يقول لا تغضب ) ). وفي رواية عثمان بن أبي شيبة، قال (( لا تغضبْ ) )ثلاث مرَّات، وفيها بيان عدد المرار، وقد ورد في حديث أنس رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يعيدُ الكلمة ثلاثًا لتفهم عنه، وأنَّه كان لا يراجعُ بعد ثلاث، فيحتمل أن يكون ضمير (( ردَّد ) )للنَّبي صلى الله عليه وسلم.
وزاد أحمدُ وابن حبَّان في رواية عن رجلٍ لم يسمَّ، قال تفكَّرت فيما قالَ، فإذا الغضبُ يجمع الشَّر كلَّه. وقيل إنما قال صلى الله عليه وسلم (( لا تغضبْ ) )لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان مكاشَفًا بأوضاع الخلق، فيأمرهم بما هو الأولى بهم، ولعلَّ الرَّجل كان غضوبًا فوصَّاه بتركه.
وقال البيضاويُّ لعلَّه لما رأى أن جميعَ المفاسد التي تعرض للإنسان إنما هي شهوتُه، وغضبُه، والشَّهوة مكسورةٌ بالنَّسبة إلى ما يقتضيه الغضب، فلمَّا سأله الرَّجل الإرشاد إلى ما يتوصَّل به إلى التَّحرز عن القبائح نهاهُ عن الغضب، الذي هو أعظمُ ضررًا وأكثر وزرًا، وأنَّه إذا ملكها قد كان قهر أقوى أعدائهِ.
وقال الخطابيُّ معنى قوله (( لا تغضبْ ) )اجتنب أسباب الغضبِ، ولا تتعرَّض لأسباب الغضب والأمور التي تجلبُ الغضب، إذ نفسُ الغضب مطبوعٌ في الإنسان لا يمكن إخراجُه من جبلَّته، فلا يتأتَّى النَّهي عنه.
وقال غيره ما كان من قبيل الطَّبع الحيواني لا يمكن دَفعه، فلا يدخلُ في النَّهي؛ لأنَّه من تكليفِ المُحال، وما كان من قبيلِ ما يكتسب بالرِّياضة فهو المراد. وقيل معناه لا تغضب؛ لأنَّ أعظم ما ينشأ عنه الغضب الكبر؛ لكونه يقعُ عند مخالفةِ أمرِ يريده فيحملُه الكبر على الغضبِ، فالَّذي يتواضع حتى يذهبَ عنه عزة النَّفس يسلم من شرِّ الغضب.
ج 26 ص 35
وقال ابن حبَّان أراد لا تعمل بعد الغضب شيئًا ممَّا نهيتَ عنه إلَّا أنَّه نهاه عن شيءٍ جُبل عليه ولا حيلة له في دفعه؛ يعني لا تفعل ما يأمرك به الغضب ويحملك عليه من الأقوال والأفعال.
وقال ابن التِّين جمع صلى الله عليه وسلم في قوله (( لا تغضب ) )خير الدُّنيا والآخرة؛ لأنَّ الغضب يؤول إلى التَّقاطع ومنع الرِّفق، وربما آل إلى أن يُؤذي المغضوبَ عليه فينتقصَ ذلك من الدين. وقال ابنُ بطَّال في الحديث الأول أنَّ مجاهدة النَّفس أشد من مواجهة العدو؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم جعلَ الذي يملك نفسَه عند الغضب أعظم النَّاس قوَّة.
ويحتمل أن يكون من باب التَّنبيه بالأعلى على الأدنى؛ لأنَّ أعدى عدو للشَّخص شيطانه ونفسه، والغضب إنما ينشأُ عنهما فمَن جاهدهما حتى يغلبهما مع ما في ذلك من شدَّة المعالجة كان لقهر نفسهِ عن الشَّهوة أيضًا أقوى.
وقال بعضُ العلماء خَلَقَ الله الغضب من النَّار وجعلَه غريزةً في الإنسان، فمهما قصد أو نوزع في غرضٍ ما اشتعلتْ نار الغضبِ وثارت حتى يحمرَّ الوجه والعينان من الدَّم؛ لأنَّ البشرة تحكي لون ما وراءها، وهذا إذا غضبَ على من دونه واستشعرَ القدرةَ عليه، وإن كان ممَّن فوقه تولَّد منه انقباض الدَّم من ظاهرِ الجلد إلى جوف القلبِ فيصفر اللَّون حزنًا، وإن كان على النَّظير تردَّد الدَّم بين انقباض وانبساطٍ فيحمرَّ ويصفرَّ، ويترتَّب على الغضب تغيُّر الظَّاهر والباطن كتغيُّر اللَّون والرِّعدة في الأطراف، وخروجِ الأفعال على غيرِ ترتيب واستحالة الخلقة، حتى لو رأى الغضبان نفسَه لسكنَ غضبه حياءً من قُبْحِ صورتهِ واستحالةِ خلقتهِ.
هذا كلُّه في الظَّاهر، وأمَّا الباطن فقبحه أشدُّ من الظَّاهر؛ لأنَّه يولد الحقدُ في القلبِ والحسد وإضمار السُّوء على اختلاف أنواعِهِ، من مزيد الشَّماتة، وهجران المسلم،
ج 26 ص 36
ومصارمتهِ، والإعراض عنه، والاستهزاء، والسُّخرية، ومنع الحقوق، بل أوَّلُ شيءٍ يقبُح منه باطنه، وتغيُّرُ ظاهرهِ ثمرةُ تغيُّر باطنهِ، وهذا كلُّه أثره في الجسدِ.
وأمَّا أثرُه في اللِّسان فانطلاقُه بالشَّتم والفحش الذي يستحيي منه العاقل ويندمُ قائله عند سكون الغضبِ، ويظهرُ أثر الغضبِ أيضًا في الفعل بالضَّرب أو القتل، وإن فاتَ ذلك بهرب المغضوب عليه رجعَ إلى نفسه، فيُمزِّق ثوب نفسه، ويُلطم خدَّه وربما سقطَ صريعًا، وربَّما أُغْمي عليه، وربما كسر الآنيَّة وضربَ من ليس له في ذلك جريمة.
ومن تأمَّل هذه المفاسد عرف مقدار ما اشتملتْ عليه هذه الكلمة اللَّطيفة من قوله صلى الله عليه وسلم (( لا تغضب ) )من الحكمة واستجلاب المصلحة والنِّعمة، ودرء المفسدة والنِّقمة ممَّا يتعذَّر إحصاؤهُ والوقوف على نهايتهِ، وهذا كله في الغضبِ الدُّنيوي لا الغضب الدِّيني كما تقدَّم تقريره في الباب الذي قبله.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه التِّرمذي في (( البر ) ).