567 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ) هو أبو كُرَيب (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضم الموحدة وفتح الراء، هو ابن عبد الله بن أبي بردة الكوفيِّ (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) عامر (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريِّ رضي الله عنه.
وهذا الإسناد بعينه قد مضى في باب «من أدرك من العصر ركعة» غير أنَّ هناك ذكر محمَّد بن العلاء بكنيته وهاهنا باسمه [خ¦558] ، وقد أخرجَ متنه مسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجه أيضًا.
(قَالَ كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولًا) جمع نازل كشهود وشاهد (فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ) البَقِيْع بفتح
ج 3 ص 539
الموحدة وكسر القاف وسكون الياء وبالعين المهملة، وهو من الأرض المكان المتَّسع، ولا يسمَّى بقيعًا إلا وفيه شجر أو أصولها.
وبُطْحان بضم الموحدة وسكون الطاء المهملة وبالحاء المهملة، غير منصرف وادٍ بالمدينة.
وقال ابن قُرْقُول بُطحان _ بضم الباء _ يرويه المحدِّثون أجمعون، وحكى أهلُ اللُّغة فيه بَطِحان _ بفتح الموحدة وكسر الطاء المهملة _، وكذلك قيَّده أبو المعالي في «بارعه» وأبو حاتم، وقال البكري بفتح أوله وكسر ثانيه، على وزن فعلان لا يجوز غيره.
(وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ) أي عدَّة رجال من ثلاثة إلى عشرة، وقوله (( نفر ) )مرفوع على أنه فاعل «يتناوب» (فَوَافَقْنَا) بلفظ المتكلِّم (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَأَصْحَابِي) تأكيد ضمير المتكلم (وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ) جملة حاليَّة.
(فِي بَعْضِ أَمْرِهِ) وجاء تفسير بعض الأمر في «معجم الطَّبراني» من وجه صحيح عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر (( كان في تجهيز جيش ) ).
(فَأَعْتَمَ) صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بِالصَّلاَةِ) أي أخَّرها عن أوَّل وقتها. (حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ) بهمزة الوصل وسكون الموحدة وتشديد الراء، على وزن احمارَّ، ومعناه انتصف، من بُهرة الشيء _ بالضم _ وهو وسطه، قاله الأصمعي. ويؤيِّده أنَّ في بعض الروايات حتى إذا كان قريبًا من نصف اللَّيل كما في حديث أبي سعيد رضي الله عنه كما سيأتي.
وسيأتي في حديث أنس رضي الله عنه عند المؤلِّف (( إلى نصف اللَّيل ) ) [خ¦572] ، وعن سيبويه كثرت ظلمته، وابهارَّ القمر كثر ضوءه. وفي «المحكم» ابهارَّ اللَّيل، إذا تراكمت ظلمته، وقيل إذا ذهبت عامَّته، وقال أبو سعيد الضَّرير ابهارَّ اللَّيل؛ أي طلعت نجومه واشتبكت، والباهر الممتلئ نورًا.
وفي «الصِّحاح» ابهارَّ اللَّيل ابهيرارًا، إذا ذهب معظمه وأكثره، وابهارَّ علينا اللَّيل؛ أي طال.
وعند مسلم في رواية أمِّ كلثومٍ عن عائشةَ رضي الله عنها (( حتَّى ذهب عامَّة اللَّيل ) ).
وقال الدَّاوديُّ انهارَ اللَّيل _ بالنون موضع الباء _؛ أي انهدم، ومنه قوله تعالى {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} [التوبة 109] وفيه نظر، ولم يَقُل به أحد.
(ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ عَلَى رسْلِكُمْ) بكسر الراء ويجوز فتحها؛ أي على هينتكم، يقال افعل كذا على رِسْلِكَ؛ أي اتَّئِد فيه واعمله بتأنٍّ (أَبْشِرُوا) أمر من أبشر إبشارًا، يقال بشرت الرجل وأبشَرته وبشَّرته ثلاث لغاتٍ بمعنىً، ويقال بشَّرته بمولود فأبشَر إبشارًا؛ أي سُرَّ (إِنَّ) بكسر الهمزة على الاستئناف، أو بفتحها
ج 3 ص 540
بتقدير الباء؛ أي بأنَّ، لكن قال الحافظ العسقلاني ووهم من ضبطها بالفتح، وفي روايةٍ .
(مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ) بفتح الهمزة؛ لأنه خبر «أنَّ» لا غير، وسهى الحافظ العَسْقَلانيُّ حيث قال إنه بالفتح للتعليل (لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ) والمعنى أنَّ من نعمة الله عليكم انفرادكم بهذه العبادة.
(أَوْ قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ، لاَ يَدْرِي) بالمثناة التحتية؛ أي لا يدري أبو موسى الأشعري الرَّاوي رضي الله عنه، وفي روايةٍ (أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ) بنصب «أيَّ» على أنه مفعول، (قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(قَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريُّ رضي الله عنه (فَرَجَعْنَا) حال كوننا (فَرْحَى) بفتح الفاء وسكون الرَّاء، جمع فريح أو فرحان، ويروى بضم الفاء، على أنه مؤنَّث أفرح على حدِّ قولهم الرجال فعلت، ويروى بفتح الفاء والراء، على أنه مصدر بمعنى الفرحين، وفي رواية ، وفي أخرى ، وفي أخرى بدون الواو والفاء.
(بِمَا سَمِعْنَا) أي بالذي سمعناه (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من اختصاصهم بهذه العبادة التي هي نعمة مستلزِمَة للمثوبة الحُسْنى مع ما انضمَّ إلى ذلك أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع كونه مشغولًا بأمر الجيش خرجَ إليهم وصلَّى بهم، فحصل لهم الفرح بذلك وازدادوا فرحًا ببشارة تلك النِّعمة العظيمة.
وفي الحديث فضلُ تأخير صلاة العشاء، ولا يُعَارِضُ ذلك فضيلة أوَّل الوقت لما في الانتظار من الفضل، لكن قال ابن بطَّال ولا يصلح ذلك الآن للأئمة؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بالتَّخفيف، وقال إنَّ فيهم الضَّعيف والسَّقيم وذا الحاجة، فترك التَّطويل عليهم في الانتظار أولى. انتهى.
وقد روى أحمدُ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن خُزَيمَةَ وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه صلَّينا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة العتمة، فلم يخرج حتَّى مضى نحوٌ من شطر اللَّيل، فقال (( إنَّ النَّاس قد صلَّوا وأخذوا مضاجعهم، وإنَّكم لن تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصَّلاة، ولولا ضعف الضَّعيف،
ج 3 ص 541
وسقم السَّقيم، وحاجة ذي الحاجة لأخَّرت الصَّلاة إلى شطر اللَّيل )) .
وسيأتي في حديث ابن عباس رضي الله عنه قريبًا (( لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم أن يصلُّوها هكذا ) ). [خ¦571]
وروى ابن ماجه عن أبي سعيد رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّى المغرب، ثمَّ لم يخرج حتَّى ذهب شطر اللَّيل، ثمَّ خرج فصلَّى بهم وقال (( لولا الضَّعيف والسَّقيم لأحببت أن أؤخِّر هذه الصَّلاة إلى شطر اللَّيل ) ).
وروى التِّرمذيُّ وصحَّحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم أن يؤخِّروا العشاء إلى ثلث اللَّيل أو نصفه ) ).
وروى أبو داود من حديث مُعاذٍ بن جَبل رضي الله عنه أبْقَيَنَا رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صلاة العتمة فتأخَّر حتَّى ظنَّ ظانٌّ أنَّه ليس بخارج، والقائل منَّا يقول صلَّى، وإنَّا كذلك حتَّى خرج رسول الله، فقال له كما قالوا فقال (( أعتموا بهذه الصَّلاة، فإنَّكم قد فضِّلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلِّها أمَّة قبلكم ) ).
وقوله أبقَينا _ بفتح القاف _؛ أي انتظرنا، يقال بَقَيت الرَّجل أَبْقِيه، إذا انتظرتَه.
وأخرج أبو داود أيضًا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لصلاة العشاء، فخرج إلينا حين ذهب ثلث اللَّيل أو بعده، فلا ندري أشيء شغله أم غير ذلك؟ فقال حين خرج (( أتنتظرون هذه الصَّلاة لولا أن يثقل على أمَّتي لصلَّيتُ بهم هذه السَّاعة _ ثمَّ أمر المؤذِّن فأقام الصَّلاة _ ) ).
وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ أيضًا، فعلى هذا من وجد به قوَّة على تأخيرها ولم يغلبه النَّوم ولم يشقَّ على أحدٍ من المأمومين، فالتَّأخير في حقِّه أفضل، كذا قال أصحابنا.
وقد قرَّر النَّوويُّ ذلك في «شرح مسلم» ، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشَّافعية وغيرهم.
ونقل ابن المُنْذِر عن اللَّيثِ وإسحاق أنَّ المُسْتحبَّ تأخير العشاء إلى قبل الثُّلث.
وقال الطَّحاويُّ يُسْتَحبُّ إلى الثُّلث، وبه قال مالكٌ وأحمدُ وأكثر أصحابه والتَّابعين وهو قول الشَّافعيِّ في الجديد، وقال في القديم التَّعجيل أفضل، وكذا قال في «الإملاء» ، وصحَّحه النَّوويُّ وجماعة وقالوا إنَّه مما يفتى به في القديم، وتعقِّب بأنَّه ذكره في «الإملاء» وهو من كتبه الجديدة، والمُخْتَار من حيث الدَّليل أفضليَّةُ التَّأخير، ومن حيث النَّظر التَّفصيل.
وقال ابن قُدَامةَ يُسْتَحبُّ تأخيرها للمُنْفَرِد ولجماعة يرضون بذلك، وإنَّما نُقِلَ التَّأخير عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرَّة أو مرَّتين لشُغْلٍ حَصَلَ له.
وفي الحديث أيضًا أنَّ التأنِّي في الأمور مطلوب، وفيه أيضًا أن التَّبشير لأحد بما يسرُّه محبوب؛ لأن فيه إدخال السُّرور في قلب المؤمن، والله أعلم.