فهرس الكتاب

الصفحة 9187 من 11127

6181 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المخزومي مولاهم المصري، واسم أبيه عبد الله، ونسبه لجدِّه لشهرته به، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد الإمام (عَنْ يُونُسَ) أي ابن يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) هو ابنُ عبد الرَّحمن بن عوف (قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ) تعالى (يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ) أي اللَّيل والنَّهار بأن يقولوا نحو يا بؤسَ الدَّهر، أو يا خيبةَ الدَّهر.

قال الخطَّابي كانت الجاهلية تضيفُ المصائب والنَّوائب إلى الدَّهر الذي هو اللَّيل والنَّهار، وهم في ذلك فرقتان

ج 26 ص 146

فرقة لا تؤمنُ بالله، ولا تعرفُ إلَّا الدَّهر، اللَّيلَ والنَّهار اللَّذين هما محلٌّ للحوادث، وظرف لمساقط الأقدار، وكانوا يزعمون أنَّ مرورَ الأيام واللَّيالي هو المؤثِّر في هلاكِ الأنفس، وينكرون ملك الموت، وقبضَه الأرواحَ بأمر الله تعالى، فيضيفون كلَّ حادثة تحدُث إلى الدَّهر والزَّمان على أنَّها من فعله، ولا يرون أنَّ لها مدبرًا غيره، وأشعارهم ناطقةٌ بشكوى الزَّمان، وهذه الفرقة هي الدُّهرية من الكفَّار الدَّورية المنكرون للصَّانع، المعتقدون أنَّ في كلِّ ثلاثين سنة يعود كلُّ شيءٍ إلى ما كان عليه، ويزعمون أنَّ هذا قد تكرر مرَّات لا تتناهى، فكابروا المعقول، وكذَّبوا المنقول، ووافقَهم مشركوا العربِ وهم الَّذين حَكى الله عنهم في سورة الجاثية في قوله {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية 24] .

وفرقةٌ معترفون بوجود الصَّانع الإله الحي عزَّ وجلَّ، ولكنَّهم كانوا ينِّزهون أن تُنسبَ إليه المكاره فيضيفونها إلى الدَّهر والزَّمان، وعلى هذين الوجهين كانوا يسبُّون الدَّهر ويذمُّونه فيقول القائل منهم يا خيبةَ الدَّهر، ويا بؤسَ الدَّهر، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم لهم مبطلًا ذلك (( لا يسبنَّ أحدٌ منكم الدَّهر فإنَّ الله هو الدَّهر ) )، يريد _ والله أعلم _ لا تسبُّوا الدَّهر على أنَّه الفاعل لهذا الصَّنيع بكم، فإنَّ الله هو الفاعل له، فإذا سببتُم الذي أنزلَ بكم المكارهَ رجع السبُّ إلى الله تعالى وانصرفَ إليه.

(وَأَنَا الدَّهْرُ) ومحصَّل ما قيل في تأويله ثلاثة أوجه أحدُها أنَّ المراد بقوله (( وأنا الدَّهر ) )أنا المدبِّر للأمور. وثانيها أنَّه على حذف المضاف؛ أي صاحب الدَّهر. وثالثها أنا مقلِّب الدَّهر ومصرِّفه، ولذلك عقَّبه بقوله

(بِيَدِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ) وقال الكرمانيُّ فإن قلت لم عدلَ عن الظَّاهر؟ قلت الدَّلائل العقليَّة موجبة للعدولِ، وفي بعض الرِّوايات بالنَّصب؛ أي أنا باقٍ أو ثابت في الدَّهر، وأخرجَ أحمدُ من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه بسندٍ صحيحٍ

ج 26 ص 147

بلفظ (( لا تسبُّوا الدَّهر، فإنَّ الله قال أنا الدَّهر الأيام واللَّيالي أجددها وأبليها، وآتي بملوك بعد ملوك ) ). ووقع في رواية زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( بيدِي اللَّيل والنَّهار أجدُه وأبليه، وأذهبُ بالملوك ) ). أخرجه أحمدُ.

قال المحقِّقون من نسبَ شيئًا من الأفعال إلى الدَّهر حقيقة كفر، ومن جرى هذا اللَّفظ على لسانهِ غير معتقدٍ لذلك فليس بكافرٍ، لكن يُكره له ذلك لتشبُّهه بأهلِ الكفرِ في الإطلاق.

وقال القاضي عياض زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر من أسماء الله تعالى وهو غلط، فإن الدهر مدة زمان الدُّنيا، وعرَّفه بعضُهم بأنَّه أمد مفعولات الله تعالى في الدُّنيا، وقد تمسَّك الجهلة من الدُّهرية والمعطِّلة بظاهرِ هذا الحديث.

واحتجُّوا به على من لا رسوخَ له في العلم؛ لأنَّ الدَّهر عندهم حركات الفلك، وأمدُ العالَم، ولا شيءَ عندهم، ولا صانعَ سواه، وكفَى في الرَّد عليهم قوله في بقيَّة الحديث (( أنا الدَّهر أقلِّبُ ليله ونهارهُ ) )، فكيف يقلبُ الشَّيء نفسه؟ تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.

وقال الشَّيخ أبو محمد بن أبي جمرةَ لا يخفى أنَّ من سب الصَّنعة فقد سبَّ صانعها، فمن سبَّ نفس اللَّيل والنَّهار أقدمَ على أمر عظيم بغير معنى، ومن سبَّ ما يجري فيهما من الحوادثِ، فكذلك وذلك هو أغلبُ ما يقعُ من النَّاس، وهو الذي يُعطيه سياق الحديث حيث نَفى عنهما التَّأثير، فكأنَّه قال لا ذنب لهما في ذلك، وأمَّا الحوادث

فمنها ما يجرِي بوساطةِ العاقلِ المكلَّف، فهذا يضافُ شرعًا ولغة إلى الذي أجرى على يديهِ، ويُضاف إلى الله تعالى بتقديره فأفعالُ العباد من أكسابهم، ولهذا يترتبُ عليها الأحكام، وهي في الابتداء خلق الله.

ومنها ما يجرِي بغير وساطة

ج 26 ص 148

فهو منسوبٌ إلى قدرة الله تعالى، وليس لليل والنَّهار فعل ولا تأثير لا لغة، ولا عقلًا، ولا شرعًا، وهو المعنى في هذا الحديث.

ويلتحقُ بذلك ما يجرِي من الحيوان غير العاقل، ثمَّ أشار بأنَّ النَّهي عن سبِّ الدَّهر تنبيهٌ بالأعلى على الأدنى، وأنَّ فيه إشارة إلى ترك سبِّ كلِّ شيءٍ مطلقًا إلَّا ما أذن الشَّرع فيه؛ لأنَّ العلَّة واحدة، والله أعلم. انتهى.

ومطابقة الحديث للترجمة تُؤخذ من قوله (( يسبُّ بنو آدم الدَّهر ) )لأنَّ معناه في الحقيقة يرجعُ إلى لفظ (( لا تسبُّوا الدَّهر ) )، وقد صرَّح بذلك في مسلم. وقد أخرجه النَّسائي أيضًا في (( التَّفسير ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت