فهرس الكتاب

الصفحة 9190 من 11127

6183 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنَّه(قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

ج 26 ص 151

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولُونَ)الواو عاطفة على محذوف تقديره لا يقولون الكرم قلب المؤمن، ويقولون (الْكَرْمُ) أي لشجر العنب، فـ (( الكرم ) )مبتدأ محذوف الخبر؛ أي ويقولون الكرم شجر العنب، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف؛ أي شجرَ العنبِ الكرمُ (إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ) وقد أخرج الطَّبراني والبزَّار من حديث سَمُرة رفعه (( أنَّ اسم الرَّجل المؤمن في الكتب الكرم من أجل ما أكرمه الله على الخليقة، وإنَّكم تدعون الحائط من العنب الكرم ... ) )الحديث.

قال الخطَّابي ما ملخَّصه إنَّ المراد بالنَّهي تأكيد تحريم الخمر بمحو اسمها، ولأنَّ في تبقية هذا الاسم لها تقريرًا لما كانوا يتوهَّمونه من تَكَرُّم شاربها، فنهى عن تسميتها كرمًا، وقال إنَّما الكرمُ قلب المؤمن؛ لما فيه من نورِ الإيمان، وهدى الإسلام والتَّقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات 13] .

وحكى ابن بطَّال عن ابن الأنباري أنَّهم سمُّوا العنب كرمًا؛ لأنَّ الخمرَ المتَّخذة منه تحثُّ على السَّخاء، وتأمرُ بمكارم الأخلاق، قال شاعرهم

~وَالخَمْرُ مُشْتَقَّةُ المَعْنَى مِنَ الكَرْمِ

وقال آخر

~شُقِقْتُ مِنَ الصِّبَى وَاشْتُقَّ مِنِّي كَمَا اشْتُقَّتْ مِنَ الْكَرْمِ الْكُرُوم

فلذلك نهى عن تسمية العنب بالكرم حتَّى لا يُسمَّى أصل الخمر باسم مأخوذٌ من الكرم، وجعل المؤمن الَّذي يتَّقي شربها ويرى الكرم في تركها أحقُّ بهذا الاسم الحسن تأكيدًا لحرمته، وأسقط الخمر عن هذه الرُّتبة تحقيرًا لها.

وقال الأزهريُّ سمِّي العنب كرمًا؛ لكثرته، وذلك لأنَّه ذُلِّل لقاطفه، وليس فيه سُلَّاء يَعْقِرُ جانيهِ، ويحملُ الأصلَ منه مثلَ ما تحملُ النَّخلة وأكثر، وكلُّ شيءٍ كَثُر فقد كرم، وهذا أيضًا صحيحٌ من حيث الاشتقاق لكن المعنى الأول أنسب للنَّهي.

وقال النَّووي النَّهي في هذا الحديث عن تسمية العنب كرمًا، وعن تسمية شجرها أيضًا للكراهية، وحكى القرطبي عن المازري أنَّ السَّبب في النَّهي أنَّه لمَّا حُرِّمت عليهم الخمر، وكانت طباعهم تحثُّهم على الكرم كره صلَّى الله عليه وسلَّم أن يسمَّى هذا المُحرَّم باسمٍ

ج 26 ص 152

يهيِّجُ طباعهم إليه عند ذكره، فيكون ذلك كالمحرِّك لهم.

وتعقَّبه بأنَّ محلَّ النَّهي إنَّما هو تسمية العنب كرمًا، وليست العنبة محرمة، والخمر لا تسمَّى عنبة، بل العنب قد يسمَّى خمرًا باسم ما يؤولُ إليه، قال الحافظُ العسقلاني والَّذي قاله المازري موجَّه؛ لأنَّه يُحمَل على إرادة حسم المادة بترك تسميةِ أصل الخمر بهذا الاسم الحسن، ولذلك وردَ النَّهي تارةً عن العنب، وتارةً عن شجرة العنب، فيكون التَّنفير بطريق الفحوى؛ لأنَّه إذا نهى عن تسمية ما هو حلالٌ في الحال بالاسم الحسن لما يحصل منه بالقوة، فالنَّهي عن تسميةِ ما ينهى عنه بالاسم الحسن أحرى.

وقال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جمرة ما ملخَّصه لما كان اشتقاق الكرم من الكرم، والأرض الكريمة هي أحسنُ الأرض، فلا يليق أن يعبر بهذه الصِّفة إلَّا عن قلب المؤمن الَّذي هو خير الأشياء؛ لأنَّ المؤمن من خير الحيوان، وخير ما فيه قلبه؛ لأنَّه إذا صلحَ صلح الجسد كلُّه، وهو أرضٌ لنبات شجرة الإيمان.

قال ويؤخذُ منه أن كلَّ خيرٍ باللَّفظ أو المعنى أو بهما أو مشتقًّا منه أو مسمَّى به إنَّما يضاف بالحقيقة الشَّرعية إلى الإيمان وأهله، وإن أُضيف إلى ما عدا ذلك فهو بطريق المجاز، وفي تشبيه الكرمة بقلب المؤمن معنى لطيف؛ لأنَّ أوصاف الشَّيطان تجري مع الكرمة، كما يجري الشَّيطان في بني آدم مجرى الدَّم، فإذا غفلَ المؤمن عن شيطانهِ أوقعه في المخالفة، كما أنَّ من غَفِلَ عن عصير كرمه تخمَّر فتنجَّس.

ويقوي الشَّبه أيضًا أنَّ الخمرَ تعود خلًا من ساعته بنفسه، أو بالتَّخليل، فتعود طاهرًا، وكذا المؤمنُ من ساعته يعودُ بالتَّوبة النَّصوح طاهرًا من خبث الذُّنوب المتقدِّمة الَّتي كان متنجسًا باتِّصافه بها، إمَّا بباعثٍ من غيره من موعظة ونحوها وهو كالتَّخليل، أو بباعثٍ من نفسه، وهو كالتَّخلل، فينبغي للعاقل أن يتعرَّض لمعالجة قلبه؛ لئلَّا يهلكَ وهو على الصِّفة المذمومة، والله هو الموفِّق.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلمٌ

ج 26 ص 153

في (( الأدب ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت