فهرس الكتاب

الصفحة 9200 من 11127

6189 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَدي، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ) محمَّدًا (قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا)

ج 26 ص 160

يقول (وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلاَمٌ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ) بفتح السين، من التَّسمية، وفي رواية أبي ذرٍّ بزيادة همزة مفتوحة وسكون السين، من الأفعال (فَقَالُوا) له (لاَ نَكْنِيكَ) بفتح النون وسكون الكاف مع التَّخفيف، ويروى بضم النون وفتح الكاف مع التَّشديد (بِأَبِي الْقَاسِمِ وَلاَ نُنْعِمُكَ عَيْنًا) بضم النون الأولى وسكون الثَّانية من الإنعام؛ أي لا ننعم عليك بذلك فتقرَّ به عينك (فَأَتَى) أي الرَّجل (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ) أي الَّذي قالوه (لَهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي (فَقَالَ) له النَّبي صلى الله عليه وسلم (أَسْمِ) بهمزة قطع مفتوحة وسكون السين، ويروى بفتح السين وتشديد الميم، من التَّسمية (ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) وقد اختلف في هذا الباب، وقد عقد الطَّحاوي في هذا بابًا وطوَّل فيه من الأحاديث والمباحث الكثيرة، فأوَّل ما روى حديثَ عليٍّ رضي الله عنه قال (( قلت يا رسول الله، إن وُلِدَ لي ولدٌ من بعدك أسمِّيه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال نعم ) )، وقد أخرجه البُخاري في «الأدب المفرد» وأبو داود وابن ماجه وصحَّحه الحاكم قال وكانت رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليٍّ رضي الله عنه.

ثمَّ قال فذهب قومٌ إلى أنَّه لا بأس بأن يكتني الرَّجل بأبي القاسم، وأن يتسمَّى بعد ذلك بمحمَّد اسمه صلى الله عليه وسلم، واحتجُّوا بالحديث المذكور وأراد بالقوم هؤلاء محمَّد بن الحنفيَّة، ومالكًا، وأحمد في رواية، ثمَّ افترق هؤلاء فرقتين، فقالت فرقةٌ وهم محمَّد بن سيرين، وإبراهيم النَّخعي، والشَّافعي لا ينبغي لأحدٍ أن يتكنَّى بأبي القاسم، كان اسمه محمدًا أو لم يكن لظاهر الحديث، وذلك لأنَّه لما كان صلى الله عليه وسلم يكنى أبا القاسم؛ لأنَّه يقسم بين النَّاس من قبل الله تعالى ما يُوحى إليه، وينزلهم منازلهم الَّتي يستحقُّونها في الشَّرف والفضل، وقسم الغنائم ولم يكن أحدٌ منهم يشاركه في هذا المعنى منع أن يكنى به غيره لهذا المعنى.

قال البيضاوي هذا إذا أُريد به

ج 26 ص 161

المعنى المذكور، أمَّا لو كني به أحدٌ بالنِّسبة إلى ابنٍ له اسمه قاسم، أو للعلميَّة المجرَّدة جاز، ويدلُّ له التَّعليل المذكور.

وقالت فرقةٌ أخرى وهم الظَّاهرية وأحمد في رواية لا ينبغي لمن يتسمَّى بمحمَّد أن يتكنَّى بأبي القاسم.

وعلى هذا فلا بأس بالكُنْية وحدها لمن لا يسمَّى باسمه صلى الله عليه وسلم لحديث جابرٍ رضي الله عنه (( من تسمَّى باسمي فلا يكتني بكنيتي، ومن اكتنى بكنيتي فلا يتسمَّى باسمي ) )، وهو كقولهم اشرب اللَّبن ولا تأكل العسل؛ أي حين شربه، فيكون النَّهي عن الجمع بينهما. وقيل المنع في حياته صلى الله عليه وسلم للإيذاء والتَّفصيل بعدَهُ بين من اسمه محمَّد أو أحمد فيمتنعُ وإلَّا فيجوز، وقيل المنع من التَّسمية بمحمَّد مطلقًا لحديث أنسٍ رضي الله عنه (( يسمُّونهم محمَّدًا ثمَّ يلعنونهم ) )، رواه أبو داود عن الحكم بن عطيَّة، عن ثابت، عن أنسٍ رضي الله عنه رفعه، ورواه البزَّار وأبو يَعلى بسندٍ ليِّن. وروى سالم بنُ أبي الجعد كتب عمرُ رضي الله عنه إلى أهل الكوفة لا تسمُّوا أحدًا باسم نبيِّ الله، وإنَّما فعل ذلك إعظامًا لاسم النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لئلَّا يُنتَهك، وكان سمع رجلًا يقول لمحمَّد بن زيد بن الخطَّاب يا محمَّد، فعل الله بك وفعل، فدعاه، وقال لا أرى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُسَبُّ بك فغيَّر اسمه فسمَّاه عبد الرَّحمن.

وأرسل إلى بني طلحةَ وهم سبعةٌ ليغير أسماءهم فقال له محمَّد وهو كبيرهم والله لقد سمَّاني النَّبي صلى الله عليه وسلم محمدًا، فقال قوموا فلا سبيل إليكم، فهذا يدلُّ على رجوعه عن ذلك، وقيل إنَّ هذا كان في بدء الأمر، ثمَّ نُسِخ فيجوز التَّكني به اليوم لكلِّ أحدٍ مطلقًا اسمه محمَّد أو غيره، وعلَّته التباس خطابهِ بخطاب غيره، ويدلُّ عليه نهيهُ صلى الله عليه وسلم في حديث أنسٍ كما تقدَّم في أوَّل الباب [خ¦6188 قبل] .

قال القاضي عياض وهذا مذهبُ جمهور السَّلف وفقهاء الأمصار، وقال الطَّبري يحمل النَّهي على الكراهة لا على التَّحريم، وصحَّح الأخبار كلَّها، ولا تعارضَ ولا نسخَ، وكأنَّ إطلاقه لعليٍّ رضي الله عنه

ج 26 ص 162

في ذلك إعلامًا منه لأمَّته جوازه مع الكراهة، وترك الإنكار عليه دليل الكراهة، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ فيه منع التَّكنية بأبي القاسم؛ لأنَّ الرَّجل الَّذي منع من ذلك لما أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك لم يقل له كَنِّ، ولا قال له سمِّ محمدًا، وإنَّما قال له سمِّ ابنك عبد الرَّحمن، وبظاهره احتجَّ من منع التَّكنية بأبي القاسم والتَّسمية بمحمَّد.

وقد مرَّ الحديث في الباب الَّذي قبله [خ¦6187] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت