570 -571 - (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابن غَيْلان _ بفتح الغين المعجمة وسكون المثناة التحتية _، الحافظ المروزيُّ، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين، وفي رواية (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافع الحميريُّ اليمانيُّ الصَّنعانيُّ مولاهم (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وفي رواية (ابْنُ جُرَيْجٍ) بالجيمين، هو عبد الملك (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما، ورجال هذا الإسناد ما بين مروزيِّ، ويمانيِّ، ومكِّي، ومدني، وقد أخرج متنه مسلم في «الصَّلاة» ، وأبو داود في «الطَّهارة» .
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شُغِلَ) بلفظ المجهول، قال الجَوْهريُّ يقال شُغِلْتُ عنك بكذا على ما لم يسمَّ فاعله (عَنْهَا) أي عن صلاة العشاء (لَيْلَةً) من اللَّيالي (فَأَخَّرَهَا) عن وقتها الذي كان يُصلِّيها فيه غالبًا كما يشعر به السِّياق (حَتَّى رَقَدْنَا) بفتح القاف (فِي الْمَسْجِدِ) أي نمنا فيه قاعدين ممكِّنين مقاعدنا على الأرض أو مضطجعين، لكن غير مُستغرقينَ في النَّوم، أو مستغرقين فيه لكنَّهم توضَّؤوا، وإنَّما لم يُنْقَل اكتفاء بما عرف من عادتهم أنَّهم لا يُصلُّون على غير وضوء.
(ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا) والاستيقاظ لا يستلزم الاستغراق في النوم؛ لأنَّ العرب تقول استيقظ من سنته وغفلته، كما تقول استيقظ من نومه بعد الاستغراق وعدم الشُّعور.
(ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من الحجرة الطيِّبة (ثُمَّ قَالَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ غَيْرُكُمْ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (لاَ يُبَالِي) أي لا يكترث (أَقَدَّمَ) صلاة العشاء(أَمْ أَخَّرَهَا إِذَا كَانَ
ج 3 ص 545
لاَ يَخْشَى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ عَنْ وَقْتِهَا)أي متجاوزًا عنه (وَكَانَ) وفي رواية أي ابن عمر رضي الله عنهما (يَرْقُدُ قَبْلَهَا) أي قبل صلاة العشاء، وقد حملوه على ما إذا لم يخشَ عليه النَّوم عن وقتها، كما صرَّح به قبل ذلك.
وقد روى عبد الرَّزَّاق، عن مَعْمَر، عن أيُّوب، عن نافع أنَّ ابن عمر كان ربَّما رقد عن العشاء بالآخرة، ويأمر أن يوقظوه، والمُصنِّف حمل ذلك في التَّرجمة على ما إذا غلبه النَّوم، وهو اللَّائق بحال ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه أنَّ كراهة النَّوم قبلها للتَّنزيه لا للتَّحريم.
(قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) أي قال عبد الملك بن جُرَيح بالإسناد الذي قبله، وهو محمود ابن غَيْلان، عن عبد الرَّزَّاق، عن ابن جريح وليس هو بتعليق.
وقد أخرجه عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» بالإسنادين، وأخرجه من طريقه الطَّبراني، وعنه أبو نُعيم في «مستخرجه» .
(قُلْتُ لِعَطَاءٍ) هو ابن أبي رَبَاح، وتردَّد فيه الكَرمانيُّ بين عطاء بن يسار، وعطاء بن أبي رباح، والحامل عليه كون كلٍّ منهما يروي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
وقال الحافظ العَسْقَلانيُّ ووهم مَنْ زَعم أنَّه ابن يسار، والمعنى سألت عطاء عمَّا أخبرني به نافع.
(فَقَالَ) وفي رواية بالواو؛ أي عطاء (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (يَقُولُ أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ) أي أخَّرها (حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ) الحاضرون في المسجد (وَاسْتَيْقَظُوا وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (فَقَالَ الصَّلاَةَ) بالنصب على الإغراء، وزاد المؤلِّف في رواية (( رقد النِّساء والصِّبيان ) )كما في حديث عائشة رضي الله عنها [خ¦569] (قَالَ) وفي رواية (عَطَاءٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (فَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ) وفي رواية ، وفي أخرى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ) حال كونه (يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً) أي يقطر ماء رأسه؛ لأنَّ التَّمييز في حكم الفاعل (وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ) حال بعد حال، وكان قد اغتسل قبل أن يخرج، ووقع في رواية الكُشميهنيِّ وهذا وهم لما سيأتي بعد.
(فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا) وفي رواية أي في هذا الوقت (فَاسْتَثْبَتُّ) أي قال ابن جُرْيَج فاستثبتُّ، بلفظ المتكلِّم، من الاستثبات، بمعنى طلب التثبُّت، وهو التَّأكيد في سؤاله (عَطَاءً) منصوب بقوله «فاستثبتُّ» (كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِهِ يَدَهُ كَمَا أَنْبَأَهُ) أخبره (ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما؟ (فَبَدَّدَ) بالموحدة والدال
ج 3 ص 546
المكررة والأولى منهما مشدَّدة؛ أي فرق (لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ، ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ) بسكون الراء؛ أي جانب (الرَّأْسِ، ثُمَّ ضَمَّهَا) أي ضمَّ أصابعه _ بالضاد المعجمة وبالميم _، وفي رواية مسلم (( وصبَّها ) )بالمهملة وبالموحدة، وقال القاضي عياض وهو الصَّواب؛ لأنَّه يَصِفُ عصر الماء من الشَّعر باليد، ورواية البخاري أيضًا موجَّهة؛ لأنَّ ضمَّ اليد صفة العاصر.
(يُمِرُّهَا) من الإمرار؛ أي يمرَّ الأصابع (كَذَلِكَ) أي مضمومة (عَلَى الرَّأْسِ حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ) برفع الإبهام على الفاعلية، ونصب الطرف على المفعولية، كذا في رواية الكُشميهني، وأمَّا في رواية غيره فيكون الطرف مرفوعًا على الفاعليَّة، وأنَّث الفعل بناءً على أنَّ المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه لشدَّة الاتصال بينهما، وفي رواية النَّسائي عن حجَّاج، عن ابن جُرْيَح (( حتَّى مسَّت إبهاماه طرف الأذن ) )، فافهم.
(مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ عَلَى الصُّدْغِ) بضم الصاد المهملة، وهو ما بين العين والأذن (وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لاَ يُقَصِّرُ) بالقاف من التَّقصير؛ أي لا يبطئ، وفي رواية الكُشميهنيِّ والأَصيليِّ بالعين المهملة الساكنة، من العصر، قال الحافظ العَسْقَلانيُّ والأوَّل أَصْوَب.
(وَلاَ يَبْطشُ) بضم الطاء في الرواية، ويجوز كسرها؛ أي لا يستعجل (إِلاَّ كَذَلِكَ، وَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا) وفي رواية أي العشاء (هَكَذَا) أي في هذا الوقت بيَّن ذلك في رواية أخرى بقوله إنَّه للوقت؛ [خ¦7239] أي انتفى الأمر بذلك لوجود المشقَّة.
وقد وقعَ عند الطَّبرانيِّ من طريق طاوس، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في هذا الحديث بمعناه قال وذهب النَّاس إلَّا عثمان بن مظعون رضي الله عنه في ستَّة عشر رجلًا، فخرج النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال (( ما صلَّى هذه الصَّلاة أمَّة قبلكم ) ).
ومن فوائد الحديث إباحة النَّوم قبل العشاء لمن يغلِبُ عليه النَّوم، ولمنَ تعُرضُ له ضرورة لازمة، ومنها الدَّلالة على فضيلة صلاة العشاء في هذا الوقت. ومنها تذكير الإمام والإعلام بالصَّلاة، ومنها استحباب حضور النِّساء والصِّبيان الصَّلاة بالجماعة، لكن هذا إذا أمن الفتنة.
ومنها أنَّ النَّوم من القاعد لا ينقض الوضوء إذا كان مقعده ممكنًا، وهذا هو مَحْمَل الحديث، وهو مذهب الأكثرين، والصَّحيح من مذهب الشَّافعي، والدَّليل عليه أنَّه لم يذكر أحد من الرُّواة أنَّهم توضَّؤوا من ذلك النَّوم، ولا يَدلُّ لفظ ثمَّ استيقظنا على النَّوم المستغرق الذي يزيل العقل؛ لأنَّ العرب تقول استيقظ من سِنَتِه وغفلته.
وفيه ردٌّ على المزنيِّ حيث يقول قليل النَّوم
ج 3 ص 547
وكثيره حَدَثٌ ينقض الوضوء؛ لأنه محال أن يذهب على أصحابه أنَّ النَّوم حدث فيصلُّون به.
ثمَّ اعلم أنَّ العلماء اختلفوا في النَّوم، فمذهب البعض أنَّ النَّوم لا ينقض الوضوء على أيِّ حال كان، وهذا يحكى عن أبي موسى الأشعري، وسعيد بن المُسيِّب، وأبي مجلز، وحُمَيد الأعرج، والشِّيعة.
ومذهبُ البعضِ أنَّه يُنْقَض بكلِّ حال، وهو مذهب البصريِّ، والمزني، وأبي عُبيد القاسم بن سلَّام، وإسحاق بن راهويه، وهو قول غريب للشَّافعيِّ، وقال ابن المُنْذِر وبه أقول، قال وقد رُوِيَ معناه عن ابن عبَّاس وأبي هريرة رضي الله عنهما.
ومذهب البعض أنَّ كثيره ينقض بكلِّ حال، وقليله لا ينقض بكلِّ حال، وهو مذهب الزُّهري ورَبِيعةَ والأوزَاعيِّ ومالكٍ وأحمدَ في رواية.
ومذهبُ البعضِ أنَّه إذا نام على هيئة من هيئات المصلِّين كالرَّاكع والسَّاجد والقائم والقاعد، لا ينتقض وضوءه سواء كان في الصَّلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعًا أو مستلقيًا على قفاه انتقض وهو مذهب أبي حنيفة وداود، وهو قول غريب للشَّافعي.
ومذهب البعض أنَّه لا ينقض إلا نوم الرَّاكع والسَّاجد، وروي هذا عن أحمد، ومذهب البعض أنه لا ينقض إلا نوم السَّاجد، وروي هذا عن أحمد أيضًا، ومذهب البعض أنَّه لا ينقض النَّوم في الصَّلاة بكلِّ حال، وينقض خارج الصَّلاة، وهو قول ضعيف للشَّافعي.
ومذهب البعض أنَّه إذا نام جالسًا ممكِّنًا مقعدته من الأرض لم ينقض وإلَّا انتقض سواء قلَّ أو كثر، وسواء كان في الصَّلاة أو خارجها، وهو مذهب الشَّافعي.