6203 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابنُ عبد المجيد الثَّقفي (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح المثناة الفوقية وتشديد التَّحتية وآخره حاء مهملة، يزيد بن حميد (عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاس خُلُقًا) بضم الخاء المعجمة واللام، وهذا توطئةٌ لقوله (وَكَانَ لِي أَخٌ) من أمِّه أم سُليم (يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ) بضم العين وفتح الميم، ابن أبي طلحة سهل
ج 26 ص 179
الأنصاري، وكان اسمه عبد الله، فيما جزم به الحاكمُ أبو أحمد، وقيل اسمه حفص، كما عند ابن الجوزي، مات على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعن أنسٍ رضي الله عنه أخرجه أحمدُ عن ثابت عنه، أنَّه قال (( كان لأبي طلحة ابنٌ يشتكي فخرجَ أبو طلحة في بعض حاجاته فقُبض الصَّبي ... ) )فذكر الحديث في قصَّة موته، وما وقع لأمِّ سُليم من كتمانه عن أبي طلحة حتَّى بات معها، ثمَّ أخبرته لمَّا أصبح فأخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك فدعا لهما، قال صلى الله عليه وسلم (( بارك الله لكما في ليلتكما ) )فحملت ثمَّ وضعت غلامًا، فأحضره أنسٌ رضي الله عنه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فحنَّكه، وسمَّاه عبد الله، وهو عبد الله بن أبي طلحة الفقيه، وولدت له بعد ذلك أخوة كانوا عشرة كلُّهم حمل عنه العلم، وهذا الصَّبي هو المقبوض.
(قَالَ أَحْسِبُهُ) أي أظنُّه (فَطِيمٌ) بالرفع صفة لقوله (( أخ ) )، و (( أحسبه ) )اعتراض بين الصِّفة والموصوف، أو هو محمولٌ على طريقة من يكتب المنصوب المنون بلا ألف؛ أي مفطوم، بمعنى فُصِلَ رضاعه وفي رواية أبي ذرٍّ بالنَّصب على أنَّه مفعول ثانٍ لأحسبه، وفي رواية حمَّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس عند أحمد (( كان لي أخٌ صغير ) ).
(وَكَانَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (إِذَا جَاءَ) إلى أمِّ سُليم (قَالَ) لأبي عُمير يمازحه (يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟) وفي رواية رِبْعي بن عبد الله (( فزارنا ذات يومٍ، فقال يا أمَّ سُليم، ما شأني أرى أبا عُمير ابنك خاثر النَّفس ) )بمعجمة ومثلثة؛ أي ثقيل النَّفس غير نشيط. وفي رواية مروان بن معاوية وإسماعيل بن جعفر كلاهما عن حميد فجاء يومًا، وقد مات نغيره، زاد مروان الَّذي كان يلعبُ به، زاد إسماعيل فوجده حزينًا، فسأل عنه فأخبرته، فقال يا أبا عُمير، وفي رواية ربعي بن عبد الله فجعل يمسحُ رأسه، ويقول (( يا أبا عُمير ما فعل النُّغير ) )تصغير نُغَر _ بضم النون وفتح الغين المعجمة _، وكرَّر ذلك في رواية حمَّاد بن سلمة (نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ) أي يتلهي به أبو عُمير، وهو طيرٌ صغيرٌ، واحده نُغْرة، وجمعه نغران.
قال الخطَّابي طويرٌ له صوت، وفيه نظرٌ، فإنَّه ورد في بعض طُرقه أنَّه الصَّعو _ بمهملتين
ج 26 ص 180
بوزن العفو _ كما في رواية ربعي، فقالت أمُّ سليم ماتت صعوته الَّتي كان يلعب بها، فقال (( أي أبا عُمير، مات النُّغير ) )فدلَّ على أنَّهما شيءٌ واحد، والصَّعو لا يوصف بحسن الصَّوت. قال الشَّاعر
~كَالصَّعْوِ يَرْتَعُ فِي الرِّيَاضِ وَإِنَّمَا حُبِسَ الْهَزَارُ لِأَنَّهُ يَتَرَنَّمُ
وقال القاضي عياض النُّغير طائرٌ يشبه العصفور، وقيل هي فراخُ العصافير، وقيل نوعٌ من الحُمَّر _ بضم المهملة وتشديد الميم ثمَّ راء _ قال والرَّاجح أنَّ النَّغر طائرٌ أحمرُ المنقار.
قال الحافظُ العسقلاني وهذا الَّذي جزم به الجوهري، وقال صاحب «العين» و «المُحكَم» الصَّعو صغير المنقار أحمر الرَّأس.
(فَرُبَّمَا حَضَرَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (الصَّلاَةَ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا، فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ) بكسر الموحدة (الَّذِي تَحْتَهُ، فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ) كلاهما على البناء للمفعول، والنَّضح _ بالضاد المعجمة والحاء المهملة _ الرَّش بالماء (ثُمَّ يَقُومُ) صلى الله عليه وسلم (وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا) .
وفي الحديث جواز لعب الصَّغير بالطَّير، وجوازُ ترك الأبوين ولدهما الصَّغير يلعبُ بما أُبيح اللَّعب به، وجواز إنفاق المال في ما يتلهَّى به الصَّغير من المباحات، وجوازُ إمساك الطَّير في القفصِ ونحوه، وقصِّ جناح الطَّير إذ لا يخلو حال طير أبي عُمير من واحدٍ منهما، وأيُّهما كان الواقع التحق به الآخر في الحكم، وفيه عدَّة فوائد أُخَر جمعها أبو العبَّاس أحمد بن أبي أحمد الطَّبري المعروف بابن القاص الفقيه الشَّافعي صاحب التَّصانيف في جزءٍ مفرد.
ومطابقة الحديث للجزء الأول من التَّرجمة ظاهرةٌ.
وقال الحافظُ العسقلاني وهو مطابقٌ لأحد ركني التَّرجمة والرُّكن الثَّاني مأخوذٌ بالإلحاق بل بطريق الأولى، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه كلامٌ غير موجَّه؛ لأنَّ جواز التَّكني للصَّبي لا يستلزم جواز التَّكني للرَّجل قبل أن يولد له، فكيف يصحُّ الإلحاق به فضلًا عن الأولوية؟
والظَّاهر أنَّه لم يظفرْ بحديث على شرطه مطابق للجزء الثَّاني، فلذلك لم يذكر له شيئًا، وقد مرَّ الحديث في (( كتاب الصَّلاة ) ) [خ¦380] .
ج 26 ص 181