فهرس الكتاب

الصفحة 9249 من 11127

6221 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبدي البصري، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري، قال(حَدَّثَنَا

ج 26 ص 210

سُلَيْمَانُ)هو ابنُ طرخان التَّيمي (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وفي رواية شعبة عن سليمان التَّيمي [خ¦6225] (( سمعتُ أنسًا رضي الله عنه أنَّه ) ) (قَالَ عَطَسَ) بفتح الطاء، يعطُس _ بالضم والكسر _ (رَجُلاَنِ) روى الطَّبراني من حديث سهل بن سعد أنَّهما عامر بن الطَّفيل وابن أخيه، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند المصنِّف في «الأدب المفرد» وصحَّحه ابن حبَّان أحدهما أشرف من الآخر، وأنَّ الشَّريف لم يحمد.

(عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا) فقال له يرحمك الله (وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ) من التَّشميت _ بالمعجمة _ أصله إزالةُ شماتةِ الأعداء، وهي فرحُ الشَّخص بما يسوءُ عدوَّه، والتَّفعيل للسَّلب نحو جلدت البعير؛ أي أزلتُ جلده، فاستعمل للدُّعاء بالخير لتضمُّنه ذلك، فكأنَّه دعا له أن لا يكون في حالةٍ يشمت به أو أنَّه إذا حمدَ الله أدخل على الشَّيطان ما يسوءُه، فشمت هو بالشَّيطان، ووقع في رواية السَّرخسي بالمهملة. ووقع في رواية أحمد عن يحيى القطان عن سليمان التَّيمي (( فشمت أو سمت ) )بالشَّك في المعجمة والمهملة.

قال الخليل وأبو عُبيد وغيرهما يقال بالمعجمة وبالمهملة، وقال ابنُ الأنباري كلُّ داعٍ بالخير مشمِّت بالمعجمة وبالمهملة، والعربُ تجعل الشين والسين في اللَّفظ الواحد بمعنى. انتهى.

وهذا ليس بمطَّرد بل هو في مواضع معدودة جمعها مجد الدِّين الشِّيرازي صاحب «القاموس» في جزءٍ لطيفٍ. قال أبو عُبيد التَّشميت بالمعجمة أعلى وأكثر. وقال القاضي عياض هو كذلك للأكثر من أهل العربيَّة وفي الرواية. وقال ثعلب الاختيار أنَّه بالمهملة؛ لأنَّه مأخوذٌ من السَّمت، وهو القصدُ والطَّريق القويم، وأشار ابنُ دقيق العيد في «شرح الإلمام» إلى ترجيحِهِ.

وقال القزَّاز التَّسميت التَّبريك، تقول سمَّتُه إذا دعوت له بالبركة، وسَمَّتُ عليه إذا برَّك عليه.

ج 26 ص 211

وفي الحديث في قصَّة تزويج عليٍّ بفاطمة رضي الله عنها (( سَمَّت عليهما ) )؛ أي دعا لهما بالبركة. ونقل ابن التِّين عن أبي عبد الملك قال التَّسميت _ بالمهملة _ أفصح، وهو من سمت الإبل في المرعى إذا جُمِعت، فمعناه على هذا جمعَ الله شملك، وتعقَّبه بأن شَمَّت الإبل إنَّما هو بالمعجمة، وكذا نقله غير واحدٍ أنَّه بالمعجمة، فيكون معنى شمَّته دعا له بأن يجمعَ شَمَله.

وقال القاضي أبو بكر ابنُ العربي في «شرح الترمذي» تكلَّم أهل اللُّغة على اشتقاق اللَّفظين ولم يبيِّنوا المعنى فيه، وهو بديعٌ، وذلك أنَّ العاطس ينحلُّ كلُّ عضوٍ في رأسهِ، وما يتَّصل به من العنق ونحوه، فكأنَّه إذا قيل له يرحمك الله كان معناه أعطاكَ الله رحمةً يرجعُ بها بدنك إلى حاله قبلِ العطاس، ويقيمُ على حاله من غير تغييرٍ فإن كان السَّمت _ بالمهملة _ فمعناه رجع كلُّ عضوٍ إلى سمتهِ الَّذي كان عليه وإن كان بالمعجمة فمعناه صان الله شَوْامته؛ أي قوائمه التي بها قوام بدنه عن خروجها عن الاعتدال، قال وشوامت كلِّ شيءٍ قوائمُه التي بها قوامُه، فقوام الدَّابَّة بسلامةِ قوائمها الَّتي تنتفعُ بها إذا سلمت، وقوام الآدميِّ بسلامة قوائمه الَّتي بها قوامه، وهي رأسُه وما يتَّصل به من عُنُق وصدر. انتهى.

وفي اليونينيَّة لأبي ذرٍّ عن الحمويي بالمهملة، بالمعجمة.

(فَقِيلَ لَهُ) صلى الله عليه وسلم يا رسول الله شمتَّ هذا ولم تشمت الآخر، السَّائل عن ذلك هو العاطسُ الَّذي لم يحمد، وقع كذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ فسأله الشَّريف، وكذا في رواية شعبة الآتية بعد بابين بلفظ [خ¦6225] (( فقال الرَّجل يا رسول الله، شمَّت هذا ولم تشمِّتني ) )وهذا قد يُعكر على ما في حديث سهل بن سعد أنَّ الشَّريف المذكور هو عامرُ بن الطُّفيل، فإنَّه كان كافرًا ومات على كفره، فيبعدُ أن يخاطبَ النَّبي صلى الله عليه وسلم بقوله

ج 26 ص 212

يا رسول الله، ويحتمل أن يكون قالها غير معتقدٍ بل باعتبار ما يخاطبُه المسلمون.

ويحتمل أن يكون القصَّة لعامر بن الطُّفيل غير المذكور ففي الصَّحابة عامر بن الطُّفيل الأسلمي له ذكرٌ في الصَّحابة، وحديث رواه عنه عبد الله بن بُريدة الأسلمي حدَّثني عمِّي عامر بن الطُّفيل، وفي الصَّحابة أيضًا عامر بن الطُّفيل الأزدي، ذكره وثيمة في كتاب (( الرِّدَّة ) )وأورد له مرثية في النَّبي صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن في سياق حديث سهل بن سعدٍ ما يدلُّ على أنَّه العامريُّ المشهور احتمل أن يكون أحد هذين.

قال الحافظُ العسقلاني ثمَّ وجدت في «معجم الطبراني» في سياق حديث سهل بن سعدٍ الدَّلالة الظَّاهرة على أنَّه عامر بن الطُّفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب، الفارس المشهور، وكان قدمَ المدينة وجرَى بينه وبين ثابت بن قيس بحضرة النَّبي صلى الله عليه وسلم كلام، ثمَّ عطس ابنُ أخيه فحمد فشمَّته النَّبي صلى الله عليه وسلم ثمَّ عطسَ عامرٌ فلم يحمد فلم يشمِّته فسأله ... ، الحديث، وفيه قصَّة غزوة بئر مَعونة وكان هو السَّبب فيها، ومات عامر بن الطُّفيل بعد ذلك كافرًا في قصَّة له مشهورة في موته ذكرها ابنُ إسحاق وغيره.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (هَذَا حَمِدَ اللَّهَ) فشمَّته (وَهَذَا لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ) فلم أشمِّته، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بحذف لفظة الجلالة، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ هذا ذكر الله فذكرته، وأنت نسيتَ الله فنسيتُك، والنَّسيان يُطلق على التَّرك أيضًا.

وفي الحديث أنَّ التَّشميت إنَّما يشرعُ لمن حمدَ الله. قال ابنُ العربي وهو مجمعٌ عليه، وسيأتي تقريره في الباب الَّذي بعده [خ¦6222] ، وفيه جواز السُّؤال عن علَّة الحكم وبيانها للسَّائل ولا سيَّما إذا كان له في ذلك منفعة، وفيه أنَّ العاطس إذا لم يحمد الله لم يلقن الحمد ليحمد فيشمَّت، وسيأتي البحث فيه بعد ثالث باب [خ¦6225] .

ومن آداب العاطس

ج 26 ص 213

أن يخفض بالعطس صوتَه ويرفعه بالحمد، وأن يغطِّي وجهه لئلَّا يندرَ من فِيْه أو أنفه ما يُؤذِي جليسه، ولا يلوي عنقه يمينًا ولا شمالًا لئلَّا يتضرَّر بذلك.

قال ابنُ العربي الحكمة في خفضِ الصَّوت بالعطاس أنَّ في رفعه به إزعاجًا للأعضاء، وفي تغطية الوجه أنَّه لو ندرَ منه شيءٌ آذى جليسه، ولو لوى عنقه صيانةً لجليسهِ لم يأمن من الالتواء، وقد شاهدنا ممَّن وقعَ له ذلك.

وقد أخرج أبو داود والتِّرمذي بسندٍ جيِّدٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كان النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إذا عطسَ وضعَ يدَه على فِيْهِ وخفضَ صوته ) ). وله شاهدٌ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بنحوه عند الطَّبراني.

قال ابنُ دقيق العيد ومن فوائد التَّشميت تحصيل المودَّة والتَّآلف بين المسلمين، وتأديب العاطس بكسر النَّفس عن الكبر والحمل على التَّواضع، والله تعالى أعلم.

تتمة اعلم أنَّ ظاهر الحديث يقتضي وجوب الحمد لحديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي إن شاء الله بعد بابين فليقل الحمد لله [خ¦6224] ، ولكن نقل النَّووي الاتِّفاق على استحبابه، وأمَّا لفظه فنقل ابن بطَّال وغيره عن طائفةٍ أنَّه لا يزيد على الحمد لله، كما في حديث أبي هريرة.

وعن طائفةٍ أنَّه يقول الحمد لله على كلِّ حالٍ، قال جاء ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما وقال فيه (( هكذا علمنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ) )أخرجه البزَّار والطَّبراني وأصله في التِّرمذي. وعند الطَّبراني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا. وفي رواية النَّسائي من حديث عليٍّ رضي الله عنه رفعه (( يقول العاطس الحمد لله على كلِّ حالٍ ) ). وفي رواية ابن السُّنِّي من حديث أبي أيُّوب رضي الله عنه مثله. وفي رواية أحمد والنَّسائي من حديث سالم بن عُبيد رفعه (( إذا عطسَ أحدكُم فليقلك الحمد لله على كلِّ حالٍ أو الحمد لله رب العالمين ) ). وعن طائفةٍ يقول الحمد لله رب العالمين،

ج 26 ص 214

وقد ورد ذلك في حديثٍ لابن مسعودٍ رضي الله عنه أخرجه المصنِّف في «الأدب المفرد» والطَّبراني.

وورد الجمع بين اللَّفظين فعنده في «الأدب المفرد» عن عليٍّ رضي الله عنه، أنَّه قال (( من قال عند عطسةٍ سمعها الحمد لله ربِّ العالمين على كلِّ حالٍ ما كان لم يجد وجع الضِّرس ولا الأذن أبدًا ) )وهو موقوفٌ ورجاله ثقاتٌ، ومثله لا يقال من قبل الرَّأي فله حكم الرفع.

وقد أخرجه الطَّبراني من وجهٍ آخر عن عليٍّ رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ (( من بادرَ العاطس بالحمد عُوفي من وجع الخاصرة ولم يشكُ ضرسه أبدًا ) )وسنده ضعيفٌ. وللمصنف أيضًا في «الأدب المفرد» والطَّبراني عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما بسندٍ لا بأس به (( إذا عطسَ الرجل، فقال الحمد لله، قال الملك ربِّ العالمين، فإن قال رب العالمين، قال الملك يرحمك الله ) ).

وعن طائفةٍ ما زاد من الثَّناء فيما يتعلَّق بالحمد كان حسنًا، فقد أخرج أبو جعفر الطَّبري في «التَّهذيب» بسندٍ لا بأس به، عن أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت (( عطس رجلٌ عند النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال الحمد لله، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم يرحمك الله، وعطس آخر فقال الحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فقال ارتفع هذا على هذا تسع عشرة درجة ) ).

ويؤيِّده ما أخرجه التِّرمذي وغيره من حديث رفاعة بن رافع قال (( صلَّيت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم فعطستُ، فقلت الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه مباركًا عليه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، فلمَّا انصرف، قال من المتكلِّم ثلاثًا، فقلت أنا، قال والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعةٌ وثلاثون ملكًا أيهم يصعدُ بها ) ). وأخرجه الطَّبراني وبيَّن أنَّ الصَّلاة المذكورة المغرب، وسنده لا بأس به.

وأصله في «صحيح البخاري» لكن ليس فيه ذكر العطاس، وإنَّما فيه (( كنَّا نصلِّي مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلمَّا رفع رأسه من الرَّكعة قال سمع الله لمن حمده، فقال رجلٌ وراءه ربنا لك الحمد إلى آخره ... ) )

ج 26 ص 215

بنحوه [خ¦799] . وقد تقدم في (( صفة الصَّلاة ) ).

ولمسلم وغيره من حديث أنسٍ رضي الله عنه (( جاء رجلٌ فدخل في الصَّفِّ وقد حفزه النَّفَس فقال الله أكبر الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ... ) )الحديث، وفيه لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها أيُّهم يرفعها. وأخرج الطَّبراني وابن السُّنِّي من حديث عامر بن ربيعة نحوه بسندٍ لا بأس به.

وأخرج ابن السُّنِّي بسندٍ ضعيفٍ عن أبي رافع قال (( كنتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعطس فخلَّى يدي، ثمَّ قام فقال شيئًا لم أفهمه فسألته، فقال أتاني جبريل، فقال إذا أنت عطست فقل الحمد لله لكرمه، الحمد لله لعز جلاله، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول صدق عبدي ثلاثًا مغفور له ) ).

وأمَّا الثَّناء الخارج عن الحمد فورد فيه ما أخرجه البيهقي في «الشعب» من طريق الضَّحَّاك بن قيسٍ اليشكري قال (( عطسَ رجلٌ عند ابن عمر رضي الله عنهما فقال الحمد لله ربِّ العالمين، فقال ابن عمر لو أتممتها والسَّلام على رسول الله ) ). وأخرجه من وجهٍ آخر عن ابن عمر نحوه.

ويعارضه ما أخرجه التِّرمذي قال (( عطس رجلٌ فقال الحمد لله والصَّلاة على رسول الله، فقال ابن عمر الحمد لله والصَّلاة على رسول الله، ولكن ليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ). قال التِّرمذي غريبٌ لا نعرفه إلَّا من رواية زياد بن الرَّبيع، قلت وهو صدوقٌ، قال البُخاري فيه نظرٌ. وقال ابن عدي لا أرى به بأسًا، ورجَّح البيهقي ما تقدَّم على رواية زياد، والله تعالى أعلم.

قال الحافظُ العسقلاني ولا أصل لما اعتاده كثيرٌ من النَّاس من استكمال قراءة الفاتحة بعد قوله الحمد لله ربِّ العالمين، وكذا العدول عن الحمد إلى أشهد أن لا إله إلا الله، أو تقديمها على الحمد فمكروه، وقد أخرج المصنِّف في «الأدب المفرد» بسندٍ صحيحٍ عن مجاهد أنَّ ابن عمر سمع ابنه عطس فقال أب، فقال وما أب، إنَّ الشَّيطان جعلها بين العطسة

ج 26 ص 216

والحمد. وأخرجه ابنُ أبي شيبة بلفظ أش، بدل أب.

ونقل ابن بطَّال عن الطَّبراني أنَّ العاطس يخيِّر بين أن يقول الحمد لله، أو يزيد رب العالمين أو على كلِّ حالٍ، والَّذي يتحرَّر من الأدلَّة أنَّ كلَّ ذلك مجزئٌ لكن ما كان أكثر ثناء كان أفضل بشرط أن يكون مأثورًا.

وقال النَّووي في «الأذكار» اتَّفق العلماء على أنَّه يستحبُّ للعاطس أن يقول عقب عطاسه الحمد لله، فلو قال الحمد لله ربِّ العالمين، كان أحسن فلو قال الحمد لله على كلِّ حالٍ كان أفضل، كذا قال، والأخبار التي ذكرت تقتضي التَّخيير ثمَّ الأولوية، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت