فهرس الكتاب

الصفحة 9251 من 11127

6222 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحي، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنِ الأَشْعَثِ) باللام والمعجمة آخره مثلثة، وفي رواية أبي ذرٍّ بدون اللام (ابْنِ سُلَيْمٍ) بضم السين مصغرًا، أبي الشَّعثاء المحاربي، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ) بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء المشددة بعدها نون، المزني (عَنِ الْبَرَاءِ) أي ابن عازبٍ رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ) بالموحدة بعد السين فيهما (أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ) أي زيارته سواءٌ كان مسلمًا، أو ذميًا قريبًا للعائد، أو جارًا له، وفاء بصلة الرَّحم وحقِّ الجوار (وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ) بكسر الجيم في الفرع؛ أي بالمشي خلفها.

ج 26 ص 218

وبه قال الحنفيَّة، وعند الشَّافعيَّة الأفضل المشي أمامها، وحملوا قوله اتِّباع الجنازة، على الأخذ في طريقها والسَّعي لأجلها، وإنَّما ألجأهم إلى ذلك حديث ابن عمرٍ رضي الله عنهما عند أبي داود أنَّه رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه يمشون أمام الجنازة.

(وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ) وقد خصَّ من عموم الأمر بتشميت العاطس جماعةٌ

الأول من لم يحمد، كما تقدَّم [خ¦6221] ، وسيأتي في باب مفرد [خ¦6225] .

الثَّاني الكافر، فقد أخرج أبو داود وصحَّحه الحاكم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال (( كانت اليهودُ يتعاطسون عند النَّبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقولَ يرحمكم الله، فكان يقول يهديكم الله ويصلح بالكم ) ).

قال ابنُ دقيق العيد إذا نظرنا إلى قول من قال أهل اللُّغة إنَّ التَّشميت الدُّعاء بالخير دخل الكفَّار في عموم الأمر بالتَّشميت، وإذا نظرنا إلى من يخصُّ التَّشميت بالرَّحمة لم يدخلوا، قال ولعلَّ من خصَّ التَّشميت بالدُّعاء بالرَّحمة بناه على الغالب؛ لأنَّه تقييدٌ لوضع اللَّفظ في اللُّغة.

قال الحافظُ العسقلاني وهذا البحث نشأ من حيث اللُّغة، وأمَّا من حيث الشَّرع فحديث أبي موسى رضي الله عنه قال على أنَّهم يدخلون في مُطلق الأمر بالتَّشميت لكن لهم تشميتٌ مخصوصٌ وهو الدُّعاء لهم بالهدايةِ وصلاح البال؛ أي الشَّأن ولا مانعَ من ذلك بخلاف تشميت المسلمين، فإنَّهم أهلٌ للدُّعاء بالرَّحمة بخلاف الكفَّار.

الثَّالث المزكوم إذا تكرَّر منه العطاس فزاد على الثَّلاث، فإنَّ ظاهر الأمر بالتَّشميت يشملُ من عطسٍ واحدةٍ أو أكثر، لكن أخرج البُخاري في «الأدب المفرد» من طريق محمَّد بن عجلان عن سعيد المقبُري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (( شَمِّته واحدةٌ وثنتين وثلاثًا، فما كان بعد ذلك فهو زكامٌ ) ). هكذا أخرجه موقوفًا من رواية سفيان بن عُيينة عنه. وأخرجهُ أبو داود من طريق يحيى القطَّان عن ابن عجلان كذلك، ولفظه (( شمِّت أخاك ) ).

وأخرجه من رواية اللَّيث عن ابن عجلان

ج 26 ص 219

وقال فيه لا أعلمه إلَّا رفعه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم قال أبو داود ورفعه موسى بن قيس عن ابن عَجلان أيضًا.

وفي «الموطأ» عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه رفعَه (( إن عطسَ فشمِّته ثمَّ إن عطسَ فشمِّته ثمَّ إن عطسَ فقل إنَّك مضنوك ) )قال ابن أبي بكر لا أدري أبعد الثَّالثة أو الرَّابعة وهذا مرسلٌ جيِّدٌ. وأخرجه عبد الرَّزَّاق عن مَعمر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه قال (( تشمِّته ثلاثًا فما كان بعد ذلك فهو زكام ) ).

والضُّناك _ بالضم _ الزُّكام، قاله ابنُ الأثير، وأخرج ابنُ أبي شيبة من طريق عَمرو بن العاص رضي الله عنهما (( شمِّتوه ثلاثًا، فإن زادَ فهو داءٌ يخرجُ من رأسه ) )وهو موقوفٌ. ومن طريق عبد الله بن الزُّبير (( أنَّ رجلًا عطسَ عنده فشمَّته، ثمَّ عطسَ فقال في الرَّابعة أنت مضنوكٌ ) )موقوفٌ أيضًا. ومن طريق عبد الله بن عَمرو مثله لكن قال في الثَّالثة. ومن طريق عليِّ بن أبي طالبٍ شمِّته ما بينك وبين ثلاث فإن زادَ فهو ريحٌ. وأخرج عبد الرَّزَّاق عن مَعمر عن قتادة شمِّت العاطس إذا تتابعَ عليه العطاس ثلاثًا.

قال النَّووي في «الأذكار» إذا تكرَّر العطاس متابعًا فالسُّنَّة أن يشمِّته لكلِّ مرَّةٍ إلى أن يبلغَ ثلاث مرَّات، روِّينا في «صحيح مسلم» وأبي داود والتِّرمذي عن سلمة بن الأكوع أنَّه سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم وعطسَ عنده رجلٌ فقال له (( يرحمُك الله ) )، ثمَّ عطسَ أخرى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الرَّجل مزكومٌ ) )هذا لفظ رواية مسلم. وأمَّا أبو داود والتِّرمذي فقالا قال سلمة عطس رجلٌ عند النَّبي صلى الله عليه وسلم وأنا شاهدٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يرحمك الله ) )، ثمَّ عطس الثَّانيَّة أو الثَّالثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يرحمك الله هذا رجلٌ مزكومٌ ) )انتهى كلامه.

قال الحافظُ العسقلاني والَّذي نسبه إلى أبي داود والتِّرمذي من إعادة قوله صلى الله عليه وسلم للعاطس (( يرحمك الله ) )ليس في شيءٍ من نسخهما، وقد أطالَ الحافظ العسقلاني في ذلك. ثمَّ نقل عن ابنِ العربي أنَّه يستحبُّ

ج 26 ص 220

العمل به؛ لأنَّه دعاءٌ بخيرٍ وصلة وتودُّدٌ للجليس فالأولى العمل به.

وقال ابن عبد البرِّ دلَّ حديث عُبيد بن رفاعة على أنَّه يُشمَّت ثلاثًا، ويقال أنت مزكومٌ بعد ذلك، وهي زيادةٌ يجب قبولها فالعملُ بها أولى.

ثمَّ حكى النَّووي عن ابنِ العربي أنَّ العلماء اختلفوا هل يقول لمن تتابع عطاسُه أنت مزكومٌ في الثَّانيَّة أو الثَّالثة أو الرَّابعة؟ على أقوال قال والصَّحيح في الثَّالثة قال ومعناه إنَّك لست ممَّن يشمت بعدها؛ لأنَّ الَّذي بك مرضٌ وليس من العطاس المحمود النَّاشئ عن خفَّة البدن، كما سيأتي تقريره في الباب الَّذي يليه [خ¦6223] .

قال فإن قيل فإذا كان مرضًا فكان ينبغي أن يشمِّت بطريق الأولى؛ لأنَّه أحوجُ إلى الدُّعاء من غيره. فالجواب نعم لكن يدعى له بدعاءٍ يلائمه لا بالدُّعاء المشروع للعاطس، بل من جنس دعاء المسلم للمسلم بالعافية.

وذكر ابنُ دقيق العيد عن بعض الشَّافعيَّة أنَّه قال يكرِّر التَّشميت إذا تكرَّر العطاس إلَّا أن يعرف أنَّه مزكومٌ فيدعو له بالشِّفاء، قال وتقريره أنَّ العموم يقتضِي التَّكرار إلَّا في موضع العلَّة، وهو الزُّكام قال وعند هذا يسقطُ الأمر بالتَّشميت عند العِلْم بالزكام؛ لأنَّ التَّعليل به يقتضِي أن لا يشمت من علم أنَّ به زكامًا أصلًا.

وتعقَّبه بأنَّ المذكور هو العلَّة دون التَّعليل وليس المعلَّل هو مُطلق التَّرك ليعمَّ الحكم بعموم علَّته، بل المعلل هو التَّرك بعد التَّكرير، فكأنَّه قيل لا يلزمُ تكرر التَّشميت؛ لأنَّه مزكومٌ قال ويتأيَّد بمناسبة المشقَّة النَّاشئة عن التِّكرار، والله تعالى أعلم.

الرابع ممَّن يخصُّ من عموم العاطسين من يكره التَّشميت. قال ابنُ دقيق العيد ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّه من عرف من حاله أنَّه يكره التَّشميت أنَّه لا يشمِّت إجلالًا للتَّشميت أن يؤهَّل له من يكرهه. فإن قيل كيف يترك السُّنَّة لذلك. فالجواب أنَّها سنَّةٌ لمن أحبَّها فأمَّا من كرهها

ج 26 ص 221

ورغب عنها فلا، قال ويطَّرد ذلك في السَّلام والعيادة.

قال ابنُ دقيق العيد والَّذي عندي أنَّه لا يمتنع من ذلك إلَّا من خاف منه ضررًا، فأمَّا غيره فيشمِّت امتثالًا للأمر، ومناقضةً للمتكبِّر في مرادهِ وكسرًا لسورته في ذلك، وهو أولى من إجلال التَّشميت.

قال الحافظُ العسقلاني ويؤيِّده أنَّ لفظ التَّشميت دعاءٌ بالرَّحمة، فهو يناسبُ المسلم كائنًا من كان، قال العينيُّ وقد جرت العادة عند سلاطين مصر أنَّه إذا عطسَ لا يشمِّته أحدٌ وإذا دخلَ عليه أحدٌ لا يسلِّم عليه، والَّذي قاله الشَّيخ يعمل فيهم بالتَّفصيل المذكور.

الخامس عند الخطبة يوم الجمعة. قال ابنُ دقيق العيد يستثنى أيضًا من عطس والإمام يخطب فإنَّه يتعارض الأمر بتشميت من سمع العاطس، والأمر بالإنصات لمن سمع الخطيب، والرَّاجح الإنصات لإمكان تدارك التَّشميت بعد فراغِ الخطيب لا سيَّما إن قيل بتحريم الكلام والإمام يخطبُ، وعلى هذا فهل يتعيَّن تأخير التَّشميت حتَّى يفرغَ الخطيب أو يشرع التَّشميت بالإشارة فلو كان العاطسُ الخطيب فحمد واستمرَّ في خطبته، فالحكم كذلك، وإن حمدَ ووقف قليلًا ليشمَّت فلا يمتنع أن يشرعَ تشميته.

السَّادس ممَّن يمكن أن يستثنى من كان عند عطاسه في حالةٍ يمتنع عليه فيها ذكر الله، كما إذا كان في الخلاء أو في الجماع فيؤخَّر ثمَّ يحمد فيشمِّت فلو خالف فحمدَ في تلك الحالة هل يستحقُّ التَّشميت؟ فيه نظرٌ. قاله الحافظ العسقلاني وقال العيني النَّظر أنَّه يشمِّت لظاهر الحديث.

(وَإِجَابَةِ الدَّاعِي) إلى وليمة النِّكاح إلَّا لمانعٍ شرعيٍّ كفرش حرير (وَرَدِّ السَّلاَمِ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ) سواء كان مسلمًا أو ذميًّا بالقول أو بالفعل (وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ) بميم مضمومة وكسر السين؛ أي تصديق من أقسم عليك، وهو أن يفعلَ ما سأله الملتمس وأقسم عليه أن يفعلَه، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بإسقاط الميم وبفتحتين.

(وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ عَنْ) لبس(خَاتَمِ الذَّهَبِ

ج 26 ص 222

_ أَوْ قَالَ حَلْقَةِ الذَّهَبِ _)بسكون اللام والشكُّ من الرَّاوي (وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ) أي للرِّجال، وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ (وَالدِّيبَاجِ) المتَّخذ من الإبريسم (وَالسُّنْدُسِ) ما رقَّ من الدِّيباج (وَالْمَيَاثِرِ) جمع المِيثرة _ بكسر الميم _ مفعلةٌ من الوثار _ بالمثلثة _، وأصلها موثرة، فقلبت الواو كسرة، وهي من مراكب العجم، تُعمَل من حريرٍ أو ديباجٍ وتتَّخذ كالفراش الصَّغير، ويُحشى بنحو قطن يجعلها الرَّاكب تحته على السَّرج، فإن كانت من حريرٍ أو ديباجٍ حُرِّمت، وقيل هي مركبٌ كانت النِّساء تصنعهنَّ لأزواجهنَّ على السُّروج.

والمناهي سبعةٌ ذكر منها خمسة، وأسقط منها القسي وآنيَّة الفضة وسبقا في (( اللباس ) ) [خ¦5849] .

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( وتشميتِ العاطس ) ). وقال ابنُ بطَّال ما ملخَّصه إنَّ التَّرجمة مقيَّدةٌ بالحمد، والحديث مطلقٌ، وظاهره أنَّ كلَّ عاطسٍ يُشمَّت على التَّعميم، والمناسب للتَّرجمة حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ لأنَّه مقيَّدٌ بالحمد، وكان ينبغي أن يقدِّم حديث أبي هريرة، ثمَّ يذكر حديث البراء. ثمَّ اعتذر عنه أنَّ هذا الأمر من الأبواب التي أعجلته المنيَّة عن تهذيبها.

وقال الحافظُ العسقلاني نصرةً للبخاريِّ ما ملخصه إنَّ هذا الصَّنيع لا يختصُّ بهذه التَّرجمة، بل قد أكثر منه البُخاري في (( الصَّحيح ) )، فطال ما ترجم بالتَّقييد، والتَّخصيص مع ما في حديث الباب من إطلاقٍ أو تعميم، ويكتفي من دليل التَّقييد والتَّخصيص بالإشارة إمَّا لما وقع في بعض طُرق الحديث الذي يُورده، أو في حديثٍ آخر كما صنعَ في هذا الباب، فإنَّه أشار بقوله فيه أبو هريرة، إلى ما ورد في حديثه من تقييد الأمر بتشميت العاطس بما إذا حمد، وهذا أدقُّ، ودلَّ إكثاره من ذلك على أنَّه عن عمدٍ منه لا أنَّه مات قبل تهذيبه، بل عدَّ العلماء ذلك من دقيق فهمه وحسن تصرُّفه، فإنَّ في إيثار الأخفى على الأجلى شحذًا للذهن، وبعثًا للطَّالب على تتبُّع طرق الحديث إلى غير ذلك من الفوائد.

وتعقُّبه العيني

ج 26 ص 223

أمَّا أوَّلًا فبأنَّ كلام ابن بطَّال غير جليٍّ؛ لأنَّه لو قدَّم المقيَّد على المطلق لأورد عليه أنَّ المقيَّد جزء المطلق، وتقديم المتضمِّن للجزء أولى، والذي قصدَه يفهم من هذا الوضع على أنَّ التَّرتيب ليس بشرطٍ.

وأما ثانيًا فلأنَّ كلام العسقلَّاني لا يجدِي شيئًا؛ لأنَّ من وقفَ على حديثٍ من أحاديث يتعسَّر عليه أن يقف على ما وقعَ في بعضِ طرقه، وفي حديثٍ آخر وقوله فإنَّ في إيثار الأخفى ... إلى آخره إحالةٌ للنَّاظر على تتبُّع أمرٍ مجهولٍ، وهذا ليس بدأبٍ عند العلماء. فافهم.

وقد مضى حديث البراء في الجنائز [خ¦1239] ، وفي (( المظالم ) ) [خ¦2445] ، وفي (( اللباس ) ) [خ¦5838] ، وفي (( الطِّب ) ) [خ¦5650] ، وفي (( النِّكاح ) ) [خ¦5175] ، وسيأتي في (( الاستئذان ) ) [خ¦6235] و (( النُّذور ) ) [خ¦6654] إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت