فهرس الكتاب

الصفحة 9259 من 11127

6226 - (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) الواسطي التَّيمي مولاهم، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) كَيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ) بالهمز مصحَّحًا عليه في الفرع وأصله (فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ) أي حقًا في حسن الآداب ومكارم الأخلاق، وتقدَّم الكلام فيه.

(وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ) بالواو، وقيل بالهمز (فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ) قال ابن بطَّال إضافة التَّثاؤب إلى الشَّيطان بمعنى إضافة الرِّضا والإرادة؛ أي إنَّ الشَّيطان يحبُّ أن يرى الإنسان متثاوبًا؛ لأنَّها حالٌ تتغيَّر

ج 26 ص 233

فيها صورته فيضحك منه، لا أنَّ المراد أنَّ الشَّيطان فعل التَّثاؤب.

وقال ابن العربي إنَّ كلَّ فعلٍ مكروهٌ نسبه الشَّرع إلى الشَّيطان؛ لأنَّه واسطته، وإنَّ كلَّ فعلٍ حسن نسبه الشَّرع إلى الملك؛ لأنَّه واسطته، قال والتَّثاؤب من الامتلاء، وينشأ عنه التَّكاسل، وذلك بواسطة الشَّيطان والعطاس من تقليلِ الغذاء وينشأ عنه النَّشاط، وذلك بواسطة الملك.

وقال النَّووي أضيف التَّثاؤب إلى الشَّيطان؛ لأنَّه يدعو إلى الشَّهوات إذ يكون عن ثقلِ البدن واسترخائه وامتلائه، والمراد التَّحذير من السَّبب الذي يتولَّد منه ذلك، وهو التَّوسع في المأكل، وقد مرَّ البحث فيه [خ¦6223] .

(فَإِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ) أي يأخذ في أسباب ردِّه، وليس المراد أنَّه يملك دفعه؛ لأنَّ الَّذي وقع لا يردُّ حقيقةً، وقيل معنى إذا تثاوب إذا أراد أن يتثاوبَ، وجوَّز الكرماني أن يكون الماضي بمعنى المضارع (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ) بالهمز مصححًا عليه في الفرع (ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) حقيقة أو مجازًا عن الرِّضا به، والأصل الأول إذ لا ضرورة تدعو إلى العدول عن الحقيقة، وفي رواية ابن عجلان (( فإذا قال آه، ضحك منه الشَّيطان ) ). وفي حديث أبي سعيدٍ عند مسلم (( فإن الشَّيطان يدخل ) )، وفي لفظ له (( إذا تثاوبَ أحدكم في الصَّلاة فليكظمْ ما استطاع فإنَّ الشَّيطان يدخل ) )هكذا قيَّده بحالة الصَّلاة. وكذا أخرجه التِّرمذي من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( التَّثاوب في الصَّلاة من الشَّيطان، فإذا تثاوبَ أحدكُم، فليكظمْ ما استطاع ) ). وفي رواية التِّرمذي والنَّسائي من طريق محمد بن عجلان عن سعيدٍ المقبُريِّ عن إبراهيم نحوه، ورواه ابنُ ماجه من طريق عبد الله بن سعيد المقبُري عن أبيه بلفظ (( إذا تثاوبَ أحدكُم فليضعْ يده على فيه، ولا يعوي فإنَّ الشَّيطان يضحك منه ) ).

قال الشَّيخ زين الدِّين العراقي في «شرح الترمذي» أكثر روايات (( الصَّحيحين ) )فيهما إطلاق التَّثاوب،

ج 26 ص 234

ووقع في الرِّواية الأخرى تقييده بحالة الصَّلاة، فيحتمل أن يحملَ المطلق على المقيَّد، وللشيطان غرضٌ قويٌّ في التَّشويش على المصلِّي في صلاته، ويحتمل أن يكون كراهته في الصَّلاة أشدُّ ولا يلزم من ذلك أن لا يُكره في غير حالة الصَّلاة، وقد قال بعضُهم إنَّ المطلق إنَّما يُحمل على المقيَّد في الأمر لا في النَّهي، ويؤيِّد كراهته مطلقًا كونه من الشَّيطان، وبذلك صرَّح النَّووي، وقال ابنُ العربي ينبغِي كظم التَّثاوب في كلِّ حالٍ، وإنَّما خصَّ الصَّلاة؛ لأنَّها أولى الأحوال بدفعه لما فيه من الخروج عن اعتدالِ الهيئة واعوجاج الخلقة.

وأمَّا قوله في رواية أبي سعيد عند ابن ماجه (( ولا يعوي ) )فإنَّه بالعين المهملة شبَّه التَّثاوب الذي يسترسل معه بعواء الكلب تنفيرًا عنه واستقباحًا له، فإنَّ الكلب يرفعُ رأسه، ويفتح فاهُ ويعوي، والمتثاوب إذا أفرطَ في التَّثاوب شابهه، ومن هنا يظهرُ النُّكتة في كونه يضحكُ منه؛ لأنَّه صيَّره ملعبةً له بتشويه خِلْقتهِ في تلك الحالة.

وأمَّا قوله في رواية مسلمٍ (( فإنَّ الشَّيطان يدخل ) )فيحتمل أن يرادَ به الدُّخول حقيقةً وهو وإن كان يجري من الإنسان مجرى الدَّم، لكنَّه لا يتمكَّن منه ما دام ذاكرًا لله تعالى، والمتثاوب في تلك الحالة غير ذاكرٍ فيتمكَّن الشَّيطان من الدُّخول فيه حقيقةً، ويحتمل أن يكون أطلق الدُّخول، وأراد التَّمكُّن منه؛ لأنَّ من شأن من دخل في شيءٍ أن يكون تمكَّن منه، وأمَّا الأمر بوضع اليد على الفم فلم يتعرَّض لأيِّ اليدين يضعها.

ووقع في «صحيح أبي عوانة» أنَّه قال عقب الحديث ووضع سُهيل يعني راويه عن أبي سعيد عن أبيه يده اليسرى على فيه، وهو محتملٌ لإرادة التَّعليم خوف إرادة وضع اليمنى بخصوصها.

وقد تقدَّم أنَّ في معنى وضع اليد على الفم وضعُ الثوب ونحوه ممَّا يحصلُ به المقصود، ولا فرق في هذا الأمر بين المصلِّي وغيره، بل يتأكَّد في حالة الصَّلاة لما تقدَّم، ويستثنى ذلك من النَّهي عن وضع المصلِّي يدهُ على فمه،

ج 26 ص 235

وممَّا يؤمر به المتثاوب إذا كان في الصَّلاة أن يمسك عن القراءة حتَّى يذهبَ عنه لئلَّا يتغيَّر نظم قراءته، وأسند ابن أبي شيبة ذلك عن مجاهدٍ وعكرمة التَّابعيين المشهورين.

ومن الخصائص النَّبوية ما أخرجه ابن أبي شيبة والبُخاري في «التَّاريخ» من مرسل يزيد بن الأصم، قال (( ما تثاءب النَّبي صلى الله عليه وسلم قطُّ ) ). وأخرج الخطابيُّ من طريق مسلمة بن عبد الملك بن مروان، قال (( ما تثاءب نبيٌّ قط ) ).

ومسلمة أدرك بعض الصَّحابة وهو صدوقٌ، ويؤيِّد ذلك ما ثبت أنَّ التَّثاؤب من الشَّيطان، ووقع في (( الشِّفاء ) )لابن سَبُع أنَّه صلى الله عليه وسلم كان لا يتمطَّى؛ لأنَّه من الشَّيطان، والله سبحانه وتعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ عموم الرَّدِّ يشمل وضع اليد على الفم، وقد روى مسلم وأبو داود من طريق سُهيل بن أبي صالح عن عبد الرحمن بن أبي سعيدٍ الخدريِّ عن أبيه بلفظ (( إذا تثاوب أحدكُم فليمسك بيده على فمه ) ).

وقد مضى الحديث عن قريبٍ في باب (( ما يستحب من العطاس ) ) [خ¦6223] .

خاتمة اشتمل (( كتاب الأدب ) )من الأحاديث المرفوعة على مائتين وستة وخمسين حديثًا. المعلق منها خمسة وسبعون والبقيَّة موصولةٌ المكرر منها فيه، وفيما مضى مائتا حديث، وحديث وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عبد الله بن عَمرو في عقوق الوالدين [خ¦5973] ، وحديث أبو هريرة (( من سرَّه أن يبسطَ له في رزقه ) ) [خ¦5985] ، وحديثه (( الرَّحم شجنة ) ) [خ¦5988] . وحديث ابن عَمرو (( ليس الواصل بالمكافئ ) ) [خ¦5991] ، وحديث أبي هريرة (( قام أعرابيٌّ، فقال اللَّهمَّ ارحمنا ) ) [خ¦6010] . وحديث أبي شريح (( من لا يأمن جاره ) ) [خ¦601] ، وحديث جابر (( كلُّ معروفٍ صدقة ) ) [خ¦6021] ، وحديث أنسٍ (( لم يكن فاحشًا ) ) [خ¦6031] ، وحديث عائشة (( ما أظنُّ فلانًا وفلانًا يعرفان ديننا ) ) [خ¦6067] ، وحديث أنسٍ (( إن كانت الأمة ) ) [خ¦6072] ، وحديث حذيفة (( إنَّ أشبه النَّاس دلًا وسمتًا ) ) [خ¦6097] ، وحديث ابن مسعودٍ (( إنَّ أحسن الحديث كتاب الله ) ) [خ¦6098] ، وحديث أبي هريرة (( إذا قال الرَّجل يا كافر ) ) [خ¦6103] ، وحديث ابن عمر فيه [خ¦6104] ،

ج 26 ص 236

وحديث أبي هريرة (( لا تغضب ) ) [خ¦6116] ، وحديث ابن عمر (( لأن يمتلئ ) ) [خ¦6154] ، وحديث ابن عباس في ابن صيَّاد [خ¦6172] ، وحديث سعيد بن المسيب عن أبيه في اسم الحزن [خ¦6190] ، وحديث ابن أبي أوفى في إبراهيم ابن النَّبي صلى الله عليه وسلم [خ¦6194] .

وفيه من الآثار عن الصَّحابة فمن بعدهم أحد عشر أثرًا، بعضها موصولٌ، وبعضها معلَّقٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت