فهرس الكتاب

الصفحة 9262 من 11127

6227 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ) أي ابن أعين، أبو زكريا البُخاري البيكندي، بكسر الموحدة مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) أي ابن همام بن نافع الحافظ الصَّنعاني (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، هو ابنُ راشد البصري (عَنْ هَمَّامٍ)

ج 26 ص 237

بفتح الهاء وتشديد الميم، ابن منبه الصَّنعاني (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) أي على صورة آدم لأنَّه أقرب؛ أي خلقه في أوَّل الأمر بشرًا سويًّا كامل الخلقة طويلًا.

(طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا) ولم يبيِّن عرضه هنا، وجاء أنَّ عرضه كان سبعة أذرع لم يتغيَّر عن حاله إلى أن أُهبِط، وإلى أن مات بخلاف غيره، فإنَّه يكون أوَّلًا نطفةً، ثمَّ علقةً، ثمَّ مضغةً، ثمَّ جنينًا، ثمَّ طفلًا، ثمَّ رجلًا حتَّى يتمَّ طوله فله أطوار، وفيه دفعٌ لتوهُّم من يتوهَّم أنَّه لما كان في الجنَّة كان على صفةٍ أخرى أو ابتدأ خلقه كما وجدَ لم ينتقل في النَّشأة، كما ينتقلُ ولده من حالةٍ إلى حالة.

وقال ابن بطَّال أفاد صلى الله عليه وسلم بذلك إبطال قول الدُّهريَّة إنَّه لم يكن قط إنسانٌ إلَّا من نطفةٍ ولا نطفةٍ إلَّا من إنسان ولا أوَّل لذلك، فبيَّن أنَّه خلق من أوَّل الأمر على هذه الصُّورة، وقيل أفاد صلى الله عليه وسلم إبطال قول الطَّبائعيين الزَّاعمين أنَّ الإنسان قد يكون من فعل الطَّبع وتأثيره.

وقيل أفاد الرَّدَّ على القدريَّة الزَّاعمين أنَّ صفات آدم على نوعين ما خلقها الله تعالى، وما خلقها آدم بنفسه. وقيل إنَّ لهذا الحديث سببًا حذف من هذه الرِّواية، وإنَّ أوله قصَّة الَّذي ضرب عبده في وجهه لطمًا، فنهاه النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال له (( إنَّ الله خلقَ آدم على صورته ) )فالهاء كنايةٌ عن المضروب وجهه. وقد تقدَّم بيان ذلك في (( كتاب العتق ) ) [خ¦2559] .

وللبخاري في «الأدب المفرد» وأحمد من طريق ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( لا تقولنَّ قبَّح الله وجهك، ووجهَ من أشبه وجهك، فإنَّ الله خلقَ آدم على صورته ) )وهو ظاهرٌ في عود الضَّمير على المقول له ذلك، وقيل الضَّمير لله وتمسَّك قائل ذلك بما وردَ في بعض طرقه على صورة الرَّحمن، والمراد بالصُّورة الصِّفة؛ أي على صفته من العلم والحياة والسَّمع والبصر، وغير ذلك، وإن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيءٌ، وهذا كما يقال عرفني

ج 26 ص 238

صورة هذا الأمر؛ أي صفته، أو هو إضافة تشريف نحو بيت الله وروح الله؛ لأنَّه ابتدعها لا على مثالٍ سابقٍ بل بمحض الاختراع فشرَّفها بالإضافة إليه، وإلَّا فالصُّورة هي الهيئة، وذلك لا يصحُّ إلَّا على الأجسام.

وقال التُّوربشتي وأهل الحقِّ في ذلك على طبقتين إحداهما المتنزِّهون عن التَّأوُّل مع نفي التَّشبيه وإحالة العلم إلى علم الله تعالى الَّذي أحاط بكلِّ شيءٍ علمًا، وهذا أسلم الطَّريقين.

والطَّبقة الأخرى يقولون الإضافة فيها إضافة تكريمٍ وتشريفٍ، وذلك أنَّ الله تعالى خلق آدم على صورةٍ لم يشاكلها شيءٌ من الصُّور في الجمال والكمال وكثرة ما احتوت عليه من الفوائد الجليلة.

وقال الطِّيبي تأويل الخطَّابي في هذا المقام حسنٌ يجبُ المصير إليه؛ لأنَّ قوله طوله ... إلى آخره، بيان لقوله على صورته، كأنَّه خلقَ آدم على ما عرف من صورته الحسنة، وهيئتهِ من الجمال والكمال وطول القامة، وإنَّما خصَّ الطُّول منها؛ لأنَّه لم يكن متعارفًا بين النَّاس.

ثمَّ إنَّ قوله ستُّون ذراعًا يحتمل أن يريدَ بقدر ذراع نفسه أو الذِّراع المتعارف يومئذٍ عند المخاطبين، والأوَّل أظهر لأنَّ ذراع كلِّ أحدٍ ربعه، فلو كان بالذِّراع المعهود كانت يده قصيرةً في جنب طول جسده. والله تعالى أعلم.

(فَلَمَّا خَلَقَهُ، قَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ) عدَّةٌ من الرِّجال ثلاثة إلى عشرة، فيه إشعارٌ بأنَّهم كانوا على بعد.

قال الطِّيبي وتخصيص السَّلام بالذِّكر؛ لأنَّه فتح باب المودَّات، وتأليف القلوب المؤدِّي إلى استكمالِ الإيمان، كما ورد (( لا تدخلوا الجنَّة حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا ) )إلى قوله (( أفشوا السَّلام ) ).

والسَّلام هو اسم الله، فالمعنى اسم الله عليك؛ أي أنت في حفظه، وقيل السَّلامة؛ أي السَّلامة عليك؛ أي مستعليةٌ عليك ملازمة لك. وفي رواية أبي ذرٍّ بالجر في الرِّواية ويجوز الرفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف. وقال الحافظُ العسقلاني ويجوز النَّصب

ج 26 ص 239

ولا وجه له إلَّا بتكلُّفٍ.

(مِنَ الْمَلاَئِكَةِ جُلُوسٌ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على تعيينهم، واستدلَّ به على إيجاب ابتداء السَّلام لورود الأمر به، وهو بعيدٌ بل ضعيفٌ لأنَّها واقعة حالٍ لا عموم لها. وقد نقلَ ابن عبد البرِّ الإجماع على أنَّ الابتداء بالسَّلام سنَّة، لكن في كلام المازري ما يقتضِي إثبات خلافٍ في ذلك، فإنَّه قال (( ابتداء السَّلام سنَّةٌ وردُّه واجبٌ ) )هذا هو المشهور عند أصحابنا، وهو من عبادات الكفاية. وأشار بقوله المشهور إلى الخلاف في وجوب الرَّدِّ، هل هو فرضُ عينٍ أو كفايةٍ؟ وقد صرَّح بعد ذلك بخلاف أبي يوسف.

نعم وقع في كلام القاضي عبد الوهَّاب فيما نقله عنه القاضي عياض، قال لا خلاف أنَّ ابتداء السَّلام سنَّةٌ أو فرضٌ على الكفاية، فإن سلَّم واحدٌ من الجماعة أجزأ عنهم.

قال القاضي عياض معنى قوله فرضٌ على الكفاية مع نقل الإجماع على أنَّه سنَّةٌ أنَّ إقامة السُّنن وإحياءها فرضٌ على الكفاية.

(فَاسْتَمِعْ) وفي رواية الكُشميهني (مَا يُحَيُّونَكَ) كذا في رواية الأكثر بالمهملة من التَّحية، وكذا تقدَّم في (( خلق آدم ) )عن عبد الله بن محمد عن عبد الرَّزَّاق [خ¦3326] . وكذا عند أحمد ومسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرَّزَّاق. وفي رواية أبي ذرٍّ هنا بكسر الجيم وسكون التَّحتية بعدها موحدة من الجواب وكذا هو في «الأدب المفرد» للمصنَّف عن عبد الله بن محمد بالسند المذكور.

(فَإِنَّهَا) أي الكلمات الَّتي يحيُّون أو يجيبون بها (تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ) أي من جهة الشَّرع أو المراد بالذُّريَّة بعضهم، وهم المسلمون، وقد أخرج البُخاري في «الأدب المفرد» وابن ماجه وصحَّحه ابن خُزيمة من طريق سُهيل بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا (( ما حسدتكُم اليهود على شيءٍ ما حسدوكُم على السَّلام والتَّأمين ) )وهو يدلُّ على أنَّه شرع لهذه الأمة دونهم، وفي حديث أبي ذرٍّ الطَّويل في قصَّة إسلامه،

ج 26 ص 240

قال (( وجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ) )فذكر الحديث، وفيه (( فكنت أوَّل من حيَّاه بتحيَّة الإسلام، فقال وعليك ورحمة الله ) )أخرجه مسلم. وأخرج الطَّبراني والبيهقي في «الشعب» من حديث أبي أُمامة رفعه (( جعل الله السَّلام تحيَّةً لأمَّتنا وأمانًا لأهل ذمَّتنا ) ). وعند أبي داود من حديث عمران بن حُصين (( كنَّا نقول في الجاهليَّة أنعمْ الله بك عينًا وأنعم صباحًا، فلمَّا جاء الإسلام نهينا عن ذلك ) )ورجاله ثقاتٌ لكنَّه منقطعٌ. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن مقاتل بن حيان، قال (( كانوا في الجاهليَّة يقولون حييت مساء حييت صباحًا، فغير الله ذلك بالسَّلام ) ).

(فَقَالَ) لهم آدم عليه السَّلام (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ) قال ابن بطَّال يحتمل أن يكون الله علَّمه كيفية ذلك تنصيصًا، ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله له فسلِّم.

قال الحافظُ العسقلاني ويحتمل أن يكون ألهمَه ذلك، ويؤيِّده ما تقدَّم في باب (( حمد العاطس ) )في الحديث الَّذي أخرجه ابن حبَّان من وجهٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( إنَّ آدم لما خلقه الله عطس فألهمه ربُّه أن قال الحمد لله ) )الحديث [خ¦6224] ، فلعلَّه ألهمَه أيضًا صفة السَّلام.

واستدلَّ به على أنَّ هذه الصِّيغة هي المشروعة لابتداء السَّلام لقوله فهي تحيَّتك وتحيَّة ذريَّتك، وهذا فيما لو سَلَّم على جماعةٍ فلو سَلَّم على واحدٍ، فسيأتي حكمه بعد أبواب [خ¦6235] .

ولو حذف اللام فقال سلامٌ عليكم، جاز قال الله تعالى {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ*سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الرعد 23 - 24] ، وقال تعالى {فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام 54] ، وقال تعالى {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} [الصافات 79] إلى غير ذلك، لكن باللام أولى؛ لأنَّها للتَّفخيم والتَّكبير، وثبت في حديث التَّشهُّد (( السَّلام عليك أيها النَّبي ) ) [خ¦831] .

قال القاضي عياض ويكره أن يقول في الابتداء عليك السَّلام.

وقال النَّووي في «الأذكار» إذا قال المبتدئ وعليكم السَّلام، بالواو لا يكون سلامًا ولا يستحقُّ جوابًا؛ لأنَّ هذه الصِّيغة لا تصلحُ للابتداء، قاله

ج 26 ص 241

المتولِّي. فلو قال بغير واو، فهو سلامٌ قَطَعَ بذلك الواحديُّ وهو ظاهرٌ.

قال النَّووي ويحتمل أن لا يُجزئ كما قيل به في التَّحلُّل من الصَّلاة، ويحتمل أن لا يعدَّ سلامًا ولا يستحقُّ جوابًا لما في (( سنن ) )أبي داود والتِّرمذي وصحَّحه وغيرهما بالأسانيد الصَّحيحة عن أبي جُرَيٍّ _ بالجيم والراء _ مصغَّرًا الهُجيمي، قال (( أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت عليك السَّلام، يا رسول الله قال لا تقل عليك السَّلام، فإنَّ عليك السَّلام تحيَّة الموتى ) ).

قال ويحتمل أن يكون ورد لبيان الأفضل الأكمل. وقد قال الغزالي في «الإحياء» يكره للمبتدئ أن يقول (( عليكم السَّلام ) ).

وعن بعض الشَّافعيَّة فيما نقله ابنُ دقيق العيد أنَّ المبتدئ لو قال عليكم السَّلام لم يجز؛ لأنَّها صيغة جواب قال والأولى الجواز لحصول مسمَّى السَّلام. وقال النَّووي والمختار أنَّه لا يُكره ويجب الجواب؛ لأنَّه سلامٌ.

قال الحافظُ العسقلاني وقوله بالأسانيد الصَّحيحة يُوهم أنَّ له طرقًا إلى الصَّحابي المذكور وليس كذلك، فإنَّه لم يروه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم غير أبي جُرَيٍّ، ومع ذلك فمداره عند جميع من أخرجه على أبي تميمة الهُجيمي راويه عن أبي جري. وقد أخرجه أيضًا أحمد وصحَّحه الحاكم.

وقد اعترض هو على ما دلَّ عليه الحديث بما أخرجه مسلمٌ من حديث عائشة رضي الله عنها في خروج النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى البقيع، وفيه (( فقلت كيف أقول؟ قال قولي السَّلام على أهل الدِّيار من المؤمنين ... ) )الحديث.

قال الخطابي فيه أنَّ السَّلام على الأموات والأحياء سواءٌ بخلاف ما كانت عليه الجاهليَّة. وقال ابن العربي السَّلام على أهل البقيع لا يعارض النَّهي في حديث أبي هريرة لاحتمال أن يكون الله تعالى أحياهم لنبيه فسلَّم عليهم سلام الأحياء، كذا قال، ويردُّه حديث عائشة رضي الله عنها المذكور قال ويحتمل أن يكون النَّهي مخصوصًا بمن يرى أنَّها تحيَّة الموتى، وبمن يتطيَّر بها من الأحياء، فإنَّها كانت من عادة أهل الجاهليَّة وجاء الإسلام

ج 26 ص 242

بخلاف ذلك.

وقال القاضي عياض، وتبعه ابن القيِّم في (( الهدي ) )فنقَّح كلامه فقال كان من هدي النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يقول في الابتداء السَّلام عليكم، ويكره أن يقول عليكم السَّلام. فذكر حديث أبي جُرَيٍّ وصحَّحه ثمَّ قال أشكل هذا على طائفةٍ وظنُّوه معارضًا لحديث عائشة رضي الله عنها وأبي هريرة رضي الله عنه، وليس كذلك، وإنَّما معنى قوله (( عليك السَّلام تحية الموتى ) )، إخبارٌ عن الواقع لا عن الشَّرع؛ أي أنَّ الشُّعراء ونحوهم يحيون الموتى به، واستشهد بما أخرج ابنُ سعد وغيره أنَّ الجنَّ رثت عمر بن الخطَّاب رضي الله عنها بأبيات منها

~عَلَيْكَ السَّلَامُ مِنْ أَمِيْرٍ وَبَارَكَتْ يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْأَدِيْمِ الْمُمَزَّقِ

وفيه ما فيه. قال فكره النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يُحيَّى بتحيَّة الأموات.

وقال القاضي عياض أيضًا كانت عادة العرب في تحيَّة الموتى تأخير الاسم، وكقولهم عليه لعنه الله وغضبه، وكذا عند الذَّمِّ، وكقوله تعالى {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [الحجر 35] وتُعُقِّب بأنَّ النَّصَّ في الملاعنة ورد بتقديم اللَّعنة والغضب على الاسم. وقال القرطبي يحتمل أن يكون حديث عائشة رضي الله عنها لمن زار المقبرة فسلَّم على جميع من بها، وحديث أبي جُرَيٍّ إثباتًا ونفيًا في السَّلام على الشَّخص الواحد.

وتعقَّبه ابن دقيق العيد عن بعض الشَّافعيَّة أنَّ المبتدئ لو قال عليكم السَّلام لم يجز؛ لأنَّها صيغة جواب، ولأنَّهم قالوا إنَّ المصلِّي ينوي بإحدى التَّسليمتين الرَّدَّ على من حضر، وهي بصيغة الابتداء، ثمَّ حكى عن أبي الوليد بن رشد أنَّه يجوز الابتداء بلفظ الرَّدِّ وعكسه.

(فَقَالُوا) أي الملائكة له (السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشميهني

وفيه مشروعيَّة الزِّيادة في الرَّدِّ على الابتداء، وهو مستحبٌّ اتِّفاقًا، قال الله تعالى {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء 86] فلو زاد المبتدئ (( رحمة الله ) )استحبَّ أن يزاد (( وبركاته ) )، فلو زاد (( وبركاته ) )فهل تشرع الزِّيادة في الرَّدِّ؟ وكذا لو زاد المبتدئ

ج 26 ص 243

على (( وبركاته ) )هل يشرع له ذلك؟ أخرج مالك في «الموطأ» عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال انتهى السَّلام إلى البركة. وأخرج البيهقيُّ في «الشعب» من طريق عبد الله بن بَابَيْه، قال جاء رجلٌ إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال حسبك إلى وبركاته، انتهت إلى وبركاته. ومن طريق زهرة بن معبد قال قال عمر رضي الله عنه انتهى السَّلام إلى وبركاته. ورجاله ثقاتٌ. وجاء عن ابن عمر الجواز فأخرج مالك أيضًا في «الموطأ» عنه أنَّه زاد في الجواب والغاديات والرائحات.

وأخرج البُخاري في «الأدب المفرد» من طريق عَمرو بن شعيب عن سالم مولى ابن عمر قال كان ابنُ عمر يزيد إذا ردَّ السَّلام فأتيته مرَّة، فقلت السَّلام عليكم، فقال والسَّلام عليكم ورحمة الله، ثمَّ أتيته فزدت وبركاته، فرد وزادني وطيِّب صلاته. ومن طريق زيد بن ثابت أنَّه كتب إلى معاوية السَّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ومغفرته وطيِّب صلاته.

ونقل ابنُ دقيق العيد عن أبي الوليد بن رُشد أنَّه يُؤخذ من قوله تعالى {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا} [النساء 86] الجواز في الزِّيادة على البركة إذا انتهى إليها المبتدئ، وأخرج أبو داود والتِّرمذي والنَّسائي بسندٍ قويٍّ عن عمران بن حصين، قال (( جاء رجلٌ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال السَّلام عليكم، فردَّ عليه، وقال عشر، ثمَّ جاء آخر فقال السَّلام عليكم ورحمة الله فرد عليه وقال عشرون، ثمَّ جاء آخر فزاد وبركاته، فردَّ وقال ثلاثون ) ).

وأخرج البُخاري في «الأدب المفرد» من حديث أبي هريرة وصحَّحه ابن حبَّان، وقال (( ثلاثون حسنة ) )وكذا فيما قبلها صرَّح بالمعدود، وعند أبي نُعيم في (( عمل يوم وليلة ) )من حديث علي رضي الله عنه (( أنَّه هو الَّذي وقع له مع النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك ) ).

وأخرج الطَّبراني من حديث سهل بن حُنيف بسندٍ ضعيفٍ رفعه (( من قال السَّلام عليكم كتب له عشر حسنات، ومن زاد ورحمة الله، كتب له عشرون حسنة، ومن زاد وبركاته، كتب له ثلاثون حسنة ) ). وأخرج أبو داود من حديث سهل بن معاذ

ج 26 ص 244

بن أنس الجُهني عن أبيه بسندٍ ضعيفٍ نحو حديث عمران وزاد في آخره، ثمَّ جاء آخر فزاد (( ومغفرته، فقال أربعون، وقال هكذا تكون الفضائل ) ).

وأخرج ابنُ السُّني في كتابه بسندٍ واهٍ من حديث أنس رضي الله عنه قال (( جاء رجلٌ يمرُّ فيقول السَّلام عليك يا رسول الله، فيقول له وعليك السَّلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه ) ). وأخرج البيهقي في «الشعب» بسندٍ ضعيفٍ أيضًا من حديث زيد بن الأرقم (( كنَّا إذا سلَّم علينا النَّبي صلى الله عليه وسلم قلنا وعليك السَّلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ) ). وهذه الأحاديث الضَّعيفة إذا انضمَّت قوي ما اجتمعت عليه من مشروعيَّة الزِّيادة على (( وبركاته ) ).

قيل والأفضل الأكمل في الرَّدِّ أن يقول وعليكم السَّلام ورحمة الله وبركاته، بالواو. وقال النَّووي فلو حذفها جاز، وكان تاركًا للأفضل، ولو اقتصر على (( وعليكم السَّلام ) )جاز ولو اقتصرَ على (( عليكم ) )لم يجزه ولو قال (( وعليكم ) )بالواو. قال النَّووي ففي إجزائه وجهان لأصحابنا.

واتَّفق العلماء على أنَّ الرَّدَّ واجبٌ على الكفاية، وجاء عن أبي يوسف، أنَّه قال يحب الرَّدَّ على كلِّ فردٍ فرد. واحتجَّ له بحديث الباب لأنَّ فيه فقال (( السَّلام عليك ) )وتُعُقِّب بجواز أن يكون نُسِب إليهم والمتكلِّم به بعضهم، واحتجَّ له أيضًا بالاتِّفاق على أنَّ من سلم على جماعةٍ فردَّ عليه واحدٌ من غيرهم لم يُجزئ عنهم، وتُعُقِّب بظهور الفرق، واحتجَّ للجمهور بحديث عليٍّ رضي الله عنه رفعه (( يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلِّم أحدهم، ويجزئُ عن الجلوس أن يردَّ أحدُهم ) )أخرجه أبو داود والبزَّار وفي سنده ضعفٌ، لكن له شاهدٌ من حديث الحسن بن عليٍّ عند الطَّبراني، وفي سنده مقالٌ، وآخر مرسل في «الموطأ» عن زيد بن أسلم.

واحتجَّ ابن بطَّال بالاتِّفاق على أنَّ المبتدئ لا يشترط في حقِّه تكرير السَّلام بعدد من في المجلس لِمَا في حديث الباب من سلام آدم عليه السَّلام، وفي غيره من الأحاديث، قال فكذلك لا يجب الرَّدُّ على كلِّ فردٍ فردٍ إذا سلم الواحد على الجماعة، وأقلُّ السَّلام ابتداءً وردًا أن يُسمِع صاحبه

ج 26 ص 245

ولا يجزئه دون ذلك، ويشترط كون الرَّدِّ على الفور، فإن أخَّره ثمَّ ردَّ لم يعدَّ جوابًا وكان آثمًا بتركه.

ولو أتاه سلامٌ من غائبٍ مع رسولٍ أو في ورقة وجب الرَّدُّ على الفور، ويستحبُّ أن يردَّ على المبلِّغ أيضًا فيقول وعليك وعليه السَّلام. ولو كان السَّلام على أصم فينبغي الإشارة مع التَّلفُّظ ليحصل الإفهام، وإلَّا فلا يستحقُّ جوابًا، وكذا إذا سلَّم عليه الأصمُّ، وأراد الرَّدَّ عليه فيتلفَّظ باللِّسان ويشير بالجواب. ولو سلم على الأخرس فأشار الأخرس باليد سقط عنه الفرض، وكذا لو سلَّم عليه الأخرس بالإشارة استحق الجواب. وقال الحَليمي إنَّما كان الرَّدُّ واجبًا؛ لأنَّ السَّلام معناه الأمان، فإذا ابتدأ به المسلم أخاه فلم يجبه فإنَّه يتوهَّم منه الشَّرَّ فيجب عليه دفع ذلك التَّوهُّم عنه، انتهى.

ويؤخذ من كلامه موافقة القاضي حسين حيث قال لا يجب ردُّ السَّلام على من سلَّم عند قيامه من المجلس إذا كان سلَّم حين دخل. ووافقه المتولِّي وخالفه المستظهري، فقال السَّلام سنَّةٌ عند الانصراف، فيكون الجواب واجبًا. قال النَّووي وهذا هو الصَّواب، والله تعالى أعلم.

(فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) هو مرتَّبٌ على ما سبق من قوله (( خلق الله آدم على صورته ) )فالفاء فصيحة، وفي رواية أبي ذرٍّ وكأنَّ لفظ (( الجنَّة ) )سقط من راويه فزاد فيه ، وهو مبتدأٌ خبره قوله (عَلَى صُورَةِ آدَمَ فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ) من طوله وجماله (بَعْدُ) أي بعد آدم عليه السَّلام.

(حَتَّى الآنَ) فإذا دخلوا الجنَّة عادوا إلى ما كان عليه أبوهم من الحسن والجمال وطول القامة، قيل وقوله (( فلم يزل ... إلى آخره ) )معنى قوله {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التِّين 4 - 5] ، وفيه الإشعار بجواز فناء العالم كلِّه كما جاز فناء بعضه. قال المهلَّب في هذا الحديث أنَّ الملائكة يتكلَّمون بالعربيَّة ويتحيَّون بتحيَّة الإسلام، وفي الأوَّل نظرٌ؛ لاحتمال أن يكون بغير اللِّسان العربيِّ، ثمَّ لمَّا خلق العرب [1] ترجم بلسانهم.

ومن المعلوم أنَّ من ذكرت قصصهم

ج 26 ص 246

في القرآن من غير العرب نقل كلامهم بالعربيِّ، فلم يتعيَّن أنَّهم تكلموا بما نقل عنهم بالعربي، بل الظَّاهر أنَّ كلامهم تُرجم بالعربي، وفيه الأمر بتعلُّم العلم من أهله، والأخذ بالنُّزول مع إمكان العلو، والاكتفاء في الخبر بما دون القطع مع إمكان القطع.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله (( فسلِّمْ على أولئك النَّفر من الملائكة ) )، فإنَّ فيه البدء بالسَّلام. وقد سبق الحديث في (( بدء الخلق ) ) [خ¦3326] ، وأخرجه مسلم.

[1] في هامش الأصل في نسخة حكي للعرب. كما في الفتح والمثبت موافق لإرشاد الساري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت