فهرس الكتاب

الصفحة 9277 من 11127

6235 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) هو ابنُ سعيد، قال (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) بالشين المعجمة المفتوحة والتَّحتية السَّاكنة والموحدة وبعد الألف نون، هو أبو إسحاق سليمان بن فيروز الكوفي الحافظ (عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ) بمعجمة ثم مهملة ثم مثلثة، واسم أبيه سليم بن أسود (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ) بالقاف المفتوحة وكسر الراء المشددة، كذا في رواية الأكثر، وخالفهم جعفر بن عون، فقال عن الشَّيباني، عن أشعث، عن سويد بن غَفَلة، عن البراء، وهي روايةٌ شاذَّةٌ أخرجها الإسماعيلي.

(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) رضي الله عنهما، وسقطَ في رواية أبي ذرٍّ (( بن عازب ) )، أنَّه (قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ) أي بسبع خصالٍ أو نحو ذلك فحذف مميِّز العدد (بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ) مصدر مضاف إلى مفعوله كاللَّواحق (وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) افتعال من تبع يتبع (وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ) بالمعجمة ويجوز بالمهملة بأن يقول له يرحمك الله إذا حمد (وَنَصْرِ الضَّعِيفِ) وفي باب (( تشميت العاطس ) ) (( ونصر المظلوم ) ) [خ¦6222] ؛ أي إعانته ومنعه من الظَّالم (وَعَوْنِ الْمَظْلُومِ) قال الحافظُ العسقلاني والَّذي يظهرُ لي أنَّ نصرَ الضَّعيف المراد به عون المظلوم.

قال العيني إنَّ (( نصرَ الضَّعيف ) )المذكور في هذه الرِّواية ذكر عوض (( إجابة الدَّاعي ) )المذكور في (( الجنائز ) ) [خ¦1239] ، فإنَّ الضَّعيف أيضًا داع والنَّصر إجابة، فليتأمَّل [1] .

(وَإِفْشَاءِ السَّلاَمِ) وتقدم في (( الجنائز ) )بلفظ [خ¦1239] (( ورد السَّلام ) )ولا مغايرةَ في المعنى؛ لأنَّ ابتداء

ج 26 ص 269

السَّلام وردَّه متلازمان، وإفشاء السَّلام ابتداء يستلزم إفشاءه جوابًا، وقد جاء (( إفشاء السَّلام ) )من حديث البراء رضي الله عنه بلفظٍ آخر أخرجه المصنِّف في «الأدب المفرد» ، وصحَّحه ابن حبَّان من طريق عبد الرحمن بن عوسجة عنه رفعه (( أفشوا السَّلام فسلِّموا ) )، وله شاهدٌ من حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه مثله عند الطَّبراني.

ولمسلمٍ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( ألا أدلُّكم على ما تحابُّون به؟ أفشوا السَّلام بينكم ) ). قال ابنُ العربي فيه أنَّ من فوائد السَّلام حصول المحبَّة بين المتسالمين، وكان ذلك لما فيه من ائتلاف الكلمة، فتعمُّ المصلحة بوقوع المعاونة على إقامة شرائعِ الدِّين، وإخزاء الكافرين، وهي كلمةٌ إذا سُمِعت أخلصتِ القلبَ الواعي لها عن النُّفور إلى الإقبال على قائلها. وعن عبد الله بن سلام رفعه (( أطعموا الطَّعام وأفشوا السَّلام ... ) )الحديث وفيه (( تدخلوا الجنَّة بسلام ) )، أخرجه البُخاري في «الأدب المفرد» ، وصححه التِّرمذي والحاكم، وللأولين وصحَّحه ابن حبَّان من حديث عبد الله بن عَمرو رفعه (( اعبدوا الرَّحمن، وأفشوا السَّلام ... ) )الحديث، وفيه (( تدخلوا الجنان ) ).

والأحاديث في إفشاء السَّلام كثيرة منها عند البزَّار من حديث الزُّبير، وعند أحمد من حديث عبد الله بن الزُّبير، وعند الطَّبراني من حديث ابن مسعودٍ، وأبي موسى، وغيرهم رضي الله عنهم.

ومن الأحاديث في إفشاء السَّلام ما أخرجه النَّسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( إذا قعد أحدكُم فليسلم، وإذا قام فليسلم، فليست الأُولى أحقُّ من الآخرة ) ). وأخرج ابنُ أبي شيبة من طريق مجاهدٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال إن كنتُ لأخرج إلى السُّوق وما لي حاجةٌ إلَّا أن أسلِّم ويُسلَّم عليَّ.

وأخرج البُخاري في «الأدب المفرد» من طريق الطُّفيل بن أُبي بن كعب عن ابن عمر رضي الله عنهما نحوه. لكن ليس فيها شيءٌ على شرط البُخاري، فاكتفى بما ذكره من حديث البراء رضي الله عنه، واستدلَّ بالأمر بإفشاء السَّلام

ج 26 ص 270

على أنَّه لا يكفي السَّلام سرًّا، بل يشترطُ الجهر، وأقلُّه أن يسمعَ في الابتداء، أو في الجواب، ولا تكفي الإشارة باليد ونحوها.

وقد أخرج النَّسائي بسندٍ جيِّدٍ عن جابرٍ رضي الله عنه رفعه (( لا تسلِّموا تسليم اليهود، فإنَّ تسليمهم بالرُّؤوس والأكف ) ). ويستثنى من ذلك حالة الصَّلاة، فقد وردت أحاديث جيِّدة أنَّه صلى الله عليه وسلم ردَّ السَّلام وهو يصلِّي إشارة منها حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنَّ رجلًا سلَّم على النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهو يصلِّي فردَّ عليه إشارة.

ومن حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه نحوه، وكذا من كان بعيدًا بحيث لا يسمع التَّسليم يجوزُ السَّلام عليه إشارة، ويتلفَّظ مع ذلك بالسَّلام. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال يكره السَّلام باليد، ولا يكره بالرَّأس. وقال ابن دقيق العيد استدلَّ بالأمر بإفشاء السَّلام مَنْ قال بوجوب الابتداء بالسَّلام.

وفيه نظرٌ، إذ لا سبيل إلى القول بأنَّه فرض عينٍ على التَّعميم من الجانبين، وهو أن يجبَ على كلِّ أحدٍ أن يسلِّم على كلِّ من لقيه؛ لما في ذلك من الحرج والمشقَّة، فإذا سقطَ من جانبي العمومين سقط من جانبي الخصوصين، إذ لا قائلَ يجب على واحدٍ دون الباقين، ولا يجب السَّلام على واحدٍ دون الباقين.

قال وإذا سقط على هذه الصُّورة لم يسقط الاستحباب؛ لأنَّ العموم بالنِّسبة إلى كلا الفريقين ممكن. انتهى.

وهذا البحث ظاهرٌ في حقِّ من قال إنَّ ابتداء السَّلام فرض عينٍ، وأمَّا من قال فرض كفايةٍ، فلا يَرِدُ عليه إذا قلنا إنَّ فرضَ الكفاية ليس واجبًا على واحدٍ بعينه. قال ويستثنى من الاستحباب من ورد الأمر بترك ابتدائه بالسَّلام كالكافر.

قال الحافظُ العسقلاني ويدلُّ عليه قوله في الحديث المذكور قبل (( إذا فعلتموه تحاببتُم ) )والمسلم مأمورٌ بمعاداة الكافر، فلا يشرعُ له فعل ما يستدعي محبَّته وتوادده. وقد اختلف أيضًا في مشروعيَّة السَّلام على الفاسق، وعلى الصَّبيِّ، وفي سلام الرَّجل على المرأة وعكسه، وإذا جمع المسلم كافرًا ومسلمًا هل يشرعُ السَّلام مراعاةً لحقِّ المسلم، أو يسقطُ من أجل الكافر، وقد ترجم

ج 26 ص 271

المصنِّف لذلك كلِّه.

وقال النَّووي يستثنى من العموم بابتداء السَّلام من كان مشتغلًا بأكل، أو شربٍ، أو جماعٍ، أو كان في الخلاء، أو الحمام، أو نائمًا، أو ناعسًا، أو مصليًا، أو مؤذِّنًا ما دام متلبِّسًا بشيءٍ ممَّا ذكر، فلو لم يكن اللُّقمة في فم الآكل مثلًا شرع السَّلام عليه، ويشرع في حقِّ المتبايعين، وسائر المعاملات.

واحتجَّ له ابن دقيق العيد بأنَّ النَّاس يكونون غالبًا في أشغالهم، فلو رُوِعي ذلك لم يحصل امتثال الإفشاء.

وقال ابن دقيق العيد احتجَّ من منع السَّلام على من في الحمام بأنَّه بيت الشَّيطان، وليس موضع التَّحيَّة لاشتغال من فيه بالتَّنظيف. قال وليس هذا المعنى بالقويِّ في الكراهة، بل يدلُّ على عدم الاستحباب، وقد تقدَّم في (( كتاب الطَّهارة ) )من البُخاري [خ¦183 قبل] إن كان عليهم إزارٌ فسلَّم، وإلَّا فلا.

وقد ثبت في «صحيح مسلم» عن أمِّ هانئٍ أتيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يغتسلُ وفاطمة تستره فسلَّمت عليه ... الحديث.

قال النَّووي وأمَّا السَّلام حال الخطبة في الجمعةِ، فيكره للأمر بالإنصاتِ، فلو سلَّم لم يجب الرَّدُّ عند من قال الإنصات واجبٌ، ويجبُ عند من قال إنَّه سنَّةٌ، وعلى الوجهين لا ينبغِي أن يردَّ أكثر من واحدٍ. وأمَّا المشتغل بقراءة القرآن؛ فقال الواحديُّ الأولى ترك السَّلام عليه، فإن سلَّم عليه كفاهُ الرَّد بالإشارة، وإن ردَّ لفظًا استأنفَ الإستعاذة وقرأ.

قال النَّووي وفيه نظرٌ، والظَّاهر أنَّه يُشرع السَّلام ويجبُ عليه الرَّدُّ، ثمَّ قال وأمَّا من كان مشتغلًا بالدُّعاء مستغرقًا فيه مستجمع القلب، فيحتمل أن يقالَ هو كالقارئ. والأظهرُ عندي أنَّه يكره السَّلام عليه؛ لأنَّه يتنكَّد به، ويشقُّ عليه أكثر من مشقَّة الأكل، وأمَّا الملبِّي في الإحرام، فيكره أن يسلم عليه؛ لأنَّ قطعه التَّلبيه مكروهٌ، ويجب عليه الرَّدُّ مع ذلك لفظًا أن لو سلم عليه. قال ولو تبرَّع واحدٌ من هؤلاء بردِّ السَّلام إن كان مشتغلًا بالبول ونحوه فيُكره، وإن كان آكلًا ونحوه، فيستحبُّ في الموضع الَّذي لا يجبُ، وإن كان مصلِّيًا لم يجز أن يقولَ بلفظ المخاطبة، كعليك السَّلام، أو عليك

ج 26 ص 272

فقط.

وذكر بعض الحنفيَّة أنَّ من جلسَ في المسجد للقراءة، أو التَّسبيح، أو لانتظار الصَّلاة لا يشرع السَّلام عليهم، وإن سلَّم عليهم لم يجب الجواب. وقال وكذلك الخصم إذا سلَّم على القاضِي لا يجب عليه الرَّدُّ، وكذلك الأستاذ إذا سلَّم عليه تلميذُه لا يجب عليه الرَّد، كذا قال.

وهذا الأخير لا يوافقُ عليه، ويدخلُ في عموم إفشاءِ السَّلام السَّلام على النَّفس لمن دخل مكانًا ليس فيه أحدٌ؛ لقوله تعالى {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور 61] الآية. وأخرج البُخاري في «الأدب المفرد» وابنُ أبي شيبة بسندٍ حسنٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما يستحبُّ إذا لم يكن في البيت أحدٌ أن يقول السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين.

وأخرج الطَّبري عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، ومن طريق كلٍّ من علقمةَ وعطاء ومجاهد نحوه. ويدخل فيه من مرَّ على من يظن أنَّه إذا سلَّم عليه لا يردُّ عليه، فإنَّه يشرعُ له السَّلام، ولا يتركه لهذا الظَّنِّ؛ لأنَّه قد يخطئ.

قال النَّووي وأمَّا قولُ من لا تحقيق عنده، أنَّ ذلك يكون سعيًا لتأثيم الآخر فهو غباوةٌ، فإنَّ المأمورات الشَّرعيَّة لا تُترك بمثل هذا، ولو أعملنا هذا لبطل إنكار كثيرٍ من المنكرات. قال وينبغي لمن وقع له ذلك أن يقولَ له بعبارةٍ لطيفةٍ ردُّ السَّلام واجبٌ، فينبغِي أن تردَّ ليسقطَ عنك الفرض، وينبغِي إذا تمادى على التَّرك أن تُحلِّله من ذلك؛ لأنَّه حقٌّ آدميٌّ.

ورجَّح ابن دقيق العيد في «شرح الإلمام» المقالة الَّتي زيَّفها النَّووي بأنَّ مفسدة تَوريط المسلم في المعصية أشدُّ من ترك المصلحة وهي السَّلام عليه، ولا سيَّما وإفشاء السَّلام قد يحصل مع غيره، والله تعالى أعلم.

(وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ) أي ومن المأمورات، وهو سابعها إبرار المُقسِم _ بضم الميم وكسر السين _ اسم فاعل من أقسم؛ أي إبرار يمين المُقْسِم، والمراد بالأمر هنا المطلق في الإيجاب والنَّدب؛ لأنَّ بعضها إيجابٌ وبعضها ندبٌ، وليس ذلك من استعمال اللَّفظ في حقيقته ومجازه؛ لأنَّ ذلك إنَّما هو في صيغة أفعل، أما لفظ الأمر فيُطلق عليهما

ج 26 ص 273

حقيقة على المرجَّح؛ لأنَّه حقيقةٌ في القول المخصوص (وَنَهَى) صلى الله عليه وسلم (عَنِ الشُّرْبِ فِي) إناء (الْفِضَّةِ) فالذَّهب من باب الأولى، والتَّعبير بالشُّرب خرجَ مخرجَ الغالب (وَنَهَانَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (عَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ) لبسًا، وكذا اتِّخاذًا (وَعَنْ رُكُوبِ الْمَيَاثِرِ) بالمثلثة جمع مِيْثرة _ بكسر الميم وسكون التَّحتية من غير همز _. قال الجوهريُّ ميثرة السَّرج غير مهموزة، والجمع مياثرة ومواثر. انتهى.

والميثرة وطاء في السَّرج من الحرير والدِّيباج.

(وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ) وهو ما غلُظ وثخنَ من ثياب الحرير (والقَسِّي) بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة، ثيابٌ مضلَّعة بالحرير تعملُ بالقسِّ، قريةٌ من تنِّيس ببلاد مصر، وقيل غير ذلك، وقد مرَّ في (( كتاب اللِّباس ) ) [خ¦5849] (وَالإِسْتَبْرَقِ) بهمزة قطع مكسورة. قال أبو البقاء أصلُ استبرق فعل من استفعل، فلمَّا سمِّي به قطعت همزته، وهو غليظُ الدِّيباج.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( وإفشاء السَّلام ) ).

وقد مضى الحديث في (( الأدب ) ) [خ¦6222] ، و (( الجنائز ) ) [خ¦1239] ، و (( المظالم ) ) [خ¦2445] ، و (( اللباس ) ) [خ¦5838] ، و (( الطب ) ) [خ¦5650] ، و (( الأشربة ) ) [خ¦5635] ، و (( النُّذور ) ) [خ¦6654] .

[1] في هامش الأصل قال الكرماني نصر الضعيف من جملة إجابة الداعي، لأنه قد يكون ضعيفًا، وإجابته نصرة، أو أنه لا مفهوم للعدد المذكور، وهو السبع، فتكون المأمورات ثمانية. وقال العسقلاني والذي يظهر أن إجابة الداعي سقطت من هذه الرواية، وأن نصر الضعيف المراد به عون المظلوم الذي ذكره في غير هذه الطريق. فتأمل. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت