6243 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير بن عيسى المكي، المنسوب إلى أحد أجداده، حُميد مصغَّر حمد، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) هو عبدُ الله، وطاوس هو ابنُ كَيسان اليماني (عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ (( قال ) ) (لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ) يريد به ما في قوله تعالى {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم 32] .
(مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، اللَّمم _ بفتح اللام المشددة _ ما يَلمُّ به الشَّخص من شهوات النَّفس. وقيل هو صغائر الذُّنوب كالنَّظرة والقبلة واللَّمسة والغمزة. قيل وأصل اللَّمم ما قلَّ وصغر، وقيل أن يلمَّ بالشَّيء من غير أن يرتكبه، يقال ألمَّ بكذا؛ أي قاربه ولم يخالطه. وقال سعيد بن المسيِّب ما لَمَّ على القلب؛ أي خطر.
هكذا اقتصر البُخاري من هذا الحديث على هذا القدر موقوفًا عن أبي هريرة من طريق سفيان، ثمَّ عطف عليه رواية مَعمر عن ابن طاوس، فساقهُ مرفوعًا بتمامه.
وكذا صنع الإسماعيلي وأخرجهُ من طريق ابن أبي عمر عن سفيان، ثمَّ عطف عليه رواية مَعمر، وهذا يوهم أنَّ سياقهما سواء وليس كذلك، فقد أخرجه أبو نُعيم من طريق بشر بن موسى عن الحميدي، ولفظه سُئل ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن اللَّمم فقال لم أرَ شيئًا أشبه به من قول أبي هريرة (( كُتِب على ابن آدم حظُّه من الزِّنا ... ) )وساق الحديث موقوفًا، فعُرِفَ من هذا أنَّ رواية سفيان موقوفةٌ، ورواية مَعمر مرفوعة.
(ح) تحويلٌ من سندٍ إلى آخر (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وسقط (( الواو ) )في رواية غير أبي ذرٍّ، وهو الأظهر (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غيلان، قال (أَخْبَرَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابنُ همام، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني رضي الله عنه.
وقد أفرد المصنِّف عن محمود في (( كتاب القدر ) ) [خ¦6612] ، وعلقه فيه لورقاء عن ابن طاوس، فلم يذكر فيه ابن عبَّاس بين طاوس وأبي هريرة كأنَّ طاوسًا سمعه من أبي هريرة بعد ذكر ابن عبَّاسٍ له.
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 26 ص 285
إِنَّ اللَّهَ) تعالى (كَتَبَ) أي قدَّر (عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الظاء المعجمة؛ أي نصيبه ممَّا قُدِّر عليه (مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ) بفتح الميم والحاء المهملة واللام المخففة؛ أي لا حيلة له في التَّخلُّص من إدراك ما كُتِب عليه ولا بدَّ له منه.
(فَزِنَا الْعَيْنِ) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بالتَّثنيَّة (النَّظَرُ) بشهوة (وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ) بالميم، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بلا ميم؛ أي فيما يستلذُّ به من محادثة ما لا يحلُّ له. وفي حديث أبي الضُّحى عن ابن مسعودٍ عند ابن جرير قال زنا العين النَّظر، وزنا الشَّفتين التَّقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرِّجلين المشي.
(وَالنَّفْسُ تَمَنَّى) أي تتمنَّى، بحذف إحدى التَّاءين، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بالتَّاءين (وَتَشْتَهِي) قال ابن بطَّال سمَّى النَّظر والنُّطق زنا؛ لأنَّه يدعو إلى الزِّنا الحقيقي، والمراد بزنا العين ما زاد على النَّظرة الأولى التي لا يملكها، فالمراد النَّظرة على سبيل اللذَّة والشَّهوة كما مرَّ، وكذلك زنا المنطق فيما يلتذُّ به، وزنا النَّفس تمنِّي ذلك وتشهِّيه، وهذا كلُّه يسمَّى زنى؛ لأنَّه من دواعي زنا الفرج.
ولذا قال (وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بكلمة (( أو ) )فإن قيل التَّصديق والتَّكذيب من صفات الأخبار، فما معناهما هنا؟
فالجواب أنَّه لما كان التَّصديق هو الحكمُ بمطابقة الخبر للواقع، والتَّكذيب الحكم بعدمها، فكأنَّه هو الموقع أو الرَّافع [1] فهو تشبيهٌ، أو لمَّا كان الإيقاع مستلزمًا للحكم بها عادةً فهو كنايةٌ.
وقال المهلَّب كلُّ ما كتبه الله عزَّ وجلَّ على ابنِ آدم، فهو سابقٌ في علم الله تعالى لا بدَّ أن يدركه المكتوب له، وأنَّ الإنسان لا يملك دفع ذلك عن نفسهِ غير أنَّ الله تعالى تفضَّل على عباده، وجعل ذلك لممًا، وصغائر لا يطالب بها عباده إذا لم يكن للفرج تصديقٌ لها، فإذا صدَّقها الفَرْجُ كان ذلك من الكبائر.
وقال ابن بطَّال استدلَّ أشهب بقوله (( والفرج يصدِّق ذلك ويكذِّبه ) )على أنَّ القاذف إذا قال لرجلٍ زنا يدُك أو رجلُك لا يُحَدُّ. وخالفه ابن القاسم فقال يحدُّ،
ج 26 ص 286
وهو قول الشَّافعي، وخالفه بعض أصحابه، واحتجَّ للشَّافعي فيما ذكر الخطَّابي بأنَّ الأفعال تُضاف إلى الأيدي، كقوله تعالى {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى 30] ، وقوله تعالى {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج 10] ، وليس المراد في الآيتين جناية الأيدي فقط، بل جميع الجنايات اتِّفاقًا، فكأنَّه إذا قال زنت يدُك وصف ذاته بالزِّنى؛ لأنَّ الزِّنى لا يتبعَّض. انتهى.
وفي التَّعليل الأخير نظرٌ، والمشهور عند الشَّافعيَّة أنَّه ليس صريحًا، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله فزنى العين. .. إلى آخره.
[1] كذا في منحة الباري، وفي الإرشاد والكواكب (( الواقع ) )وفي العمدة (( الدفع ) ).