6282 - 6283 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس
ج 26 ص 364
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ) عمِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءٍ) بالمد والصَّرف (يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ) بالحاء المهملة والراء، الرُّميصاء (بِنْتِ مِلْحَانَ) بكسر الميم وسكون اللام وفتح الحاء المهملة وبعد الألف نون. قال الدَّاودي كانت أمُّ سُليم وأم حرام، وأخوهما حرام أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرَّضاعة [1] .
وقال ابنُ وهب أمُّ حرام خالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل من الرَّضاعة.
(فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) ظاهره أنَّها كانت حينئذٍ زوجته، لكن سبق في باب (( غزوة المرأة في البحر ) ) [خ¦2877] من رواية أبي طَوَالة عن أنسٍ رضي الله عنه قال دخل النَّبي صلى الله عليه وسلم على ابنة ملحان، فذكر الحديث إلى أن قال فتزوَّجت عبادة بن الصَّامت، وتقدَّم أيضًا في باب (( ركوب البحر ) ) [خ¦2894] من طريق محمد بن يحيى بن حبَّان عن أنسٍ رضي الله عنه فتزوَّج بها عبادة بَعْدُ. وجمع بأنَّ المراد بقوله هنا (( وكانت تحت عبادة ) )، الإخبار عمَّا آل إليه الحال بعد ذلك.
(فَدَخَلَ) صلى الله عليه وسلم عليها، وزاد القعنبيُّ عن مالك (( عليها ) )، أخرجه أبو داود (يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ) .
قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على تعيين ما أطعمته يومئذٍ، وزاد في باب (( الدُّعاء ) )إلى (( الجهاد ) )وجعلت تُفلي رأسه [خ¦2788] ؛ أي تفتش ما فيه.
(فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ورُوِي أنَّه كان وقت القائلة، ففي رواية حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد في (( الجهاد ) ) [خ¦2894] أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قَالَ يومًا في بيتها، وفي رواية مسلم من هذا الوجه أتانا النَّبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عندنا.
(ثُمَّ اسْتَيْقَظَ) حال كونه (يَضْحَكُ) إعجابا وفرحًا بما رأى من المنزلة الرفيعة (قَالَتْ) أمُّ حرام (فَقُلْتُ مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا) على البناء للمفعول (عَلَيَّ) بتشديد التَّحتية (غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ) عزَّ وجلَّ. وفي رواية حمَّاد بن زيد فقال (( عجبت من قومٍ من أمَّتي ) ) [خ¦2894] وفي رواية مسلم من هذا الوجه (( أُريت قومًا من أمَّتي ) ).
ج 26 ص 365
(يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ) بفتح المثلثة والموحدة والجيم. قال الخطَّابي هو البحر وظهره. وقال الأصمعي ثبج كلِّ شيءٍ وسطه. وقال أبو علي في «أماليه» قيل ظهره، وقيل معظمه، وقيل هوله. قال أبو زيد ضرب ثبجَ الرَّجل بالسَّيف؛ أي وسطه. وقيل ما بين كتفيه، والرَّاجح أنَّ المراد هنا ظهره كما وقع التَّصريح به في رواية مسلم (( يركبون ظهر البحر ) )، والمراد أنَّهم يركبون السُّفن الَّتي تجري على ظهره، ولمَّا كان جري السُّفن غالبًا إنَّما يكون في وسطه. قيل المراد وسطه، وإلَّا فلا اختصاصَ لوسطه بالرُّكوب، وفي رواية أبي طَوَالة (( يركبون البحرِ الأخضر في سبيل الله ) ) [خ¦2877] . فقال الكرمانيُّ هي صفةٌ لازمةٌ للبحر لا مخصَّصة. انتهى.
وقال الحافظُ العسقلاني ويحتمل أن تكون مخصَّصة؛ لأنَّ البحر يُطلق على الملح والعذب، فجاء لفظ (( الأخضر ) )؛ لتخصيصِ الملح بالمراد، والماء في الأصل لا لون له، وإنَّما ينعكسُ الخضرة من انعكاسِ الهواء وسائرِ مقابلاته إليه. وقيل إنَّ الَّذي يقابله السَّماء، وقد أطلقوا عليها الخضراء لحديث (( ما أظلَّت الخضراءُ، ولا أقلَّت الغبراءُ ) )، والعرب تطلقُ الأخضر على كلِّ لونٍ ليس بأبيض ولا أحمر. قال الشَّاعر
~وَأَنَا الأَخْضَرُ مَنْ يَعْرِفُنِي أَخْضَرُ الحِلْبَةِ مِنْ نَسْلِ الْعَرَبْ
يعني أنَّه ليس بأحمر كالعجم، والأحمر يُطلقونه أيضًا على كلِّ من ليس بعربيٍّ، ومنه (( بعثت إلى الأسود والأحمر ) ).
(مُلُوكًا) نصب بنزع الخافض؛ أي مثل ملوك، وفي رواية أبي ذرٍّ بالرفع؛ أي هم ملوك (عَلَى الأَسِرَّةِ) أي في الجنَّة، ورؤياه صلى الله عليه وسلم وحيٌ، قال الله تعالى في صفة أهل الجنَّة {عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الصافات 44] . وقال {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} [المطففين 35] ، وقال {عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} [يس 56] ، والأرائك السُّرر في الحجال.
(أَوْ قَالَ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ، شَكَّ) وفي رواية أبي ذرٍّ بلفظ المضارع (إِسْحَاقُ) هو ابنُ عبد الله بن أبي طلحة المذكور، وفي رواية اللَّيث وحمَّاد (( كالملوكِ على الأسرَّة ) )من غير شكٍّ، وفي رواية أبي طَوَالة (( مثل الملوك على الأسرة ) ) [خ¦2877] بغير شكٍّ أيضًا، وهذا الشَّكُّ من إسحاق بن عبد الله يشعر بأنَّه كان يحافظ على تأديةِ الحديث بلفظه، ولا يتوسَّع في تأديته بالمعنى كما توسَّع غيره.
ج 26 ص 366
قال ابنُ عبد البر إنَّه رأى الغزاة في البحر من أمته ملوكًا على الأسرَّة في الجنَّة.
وقال القاضي عياض هذا يُحتَمل، ويُحتمل أن يكون أيضًا خبرًا عن حالهم في الغزو من سعة أحوالهم، وقوام أمرهم، وكثرة عَدَدهم، وجودة عُدَدهم، فكأنَّهم الملوك على الأسرة.
قال الحافظُ العسقلاني وفي هذا الاحتمال بعد، والأوَّل أظهر، لكن الإتيان بالتَّمثيل في معظم طرقه يدلُّ على أنَّه رأى ما يؤول إليه أمرهم، لا أنَّهم نالوا ذلك في تلك الحالة، أو موضع التَّشبيه أنَّهم فيما هم من النَّعيم الَّذي أُثيبوا به على جهادهم مثل ملوك الدُّنيا على أسرَّتهم، والتَّشبيه بالمحسوسات أبلغ في نفس السَّامع.
(قُلْتُ) أي قال أمُّ حرام قلت، وفي رواية أبي ذرٍّ (ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا) لي فقال (( اللَّهمَّ اجعلها منهم ) ). وفي رواية حمَّاد بن زيد في (( الجهاد ) ) [خ¦2894] فقال (( أنتِ منهم ) )، وتقدَّم في أول (( الجهاد ) )بلفظ فدعا لها [خ¦2788] ، ومثله في رواية اللَّيث، وفي رواية عُمير بن الأسود فقلت يا رسول الله؟ أنا منهم؟ قال (( أنت منهم ) )، ويجمع بأنَّه دعا لها فأُجيب فأخبرها جازمًا بذلك (ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ) حال كونه (يَضْحَكُ، فَقُلْتُ مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ) وفي رواية اللَّيث ثم نام ثانيَّة ففعل مثلها، فقالت مثل قولها فأجابها مثلها، وفي رواية حمَّاد بن زيد فقال ذلك مرتين أو ثلاثًا، وكذا في رواية أبي طَوالة عند أبي عَوانة من طريق الدَّراوردي عنه، وله من طريق إسماعيل بن جعفر عنه ففعل ذلك مرَّتين أخريين، وكلُّ ذلك شاذٌّ، والمحفوظ من طريق أنس ما اتَّفقت عليه روايات الجمهور أنَّ ذلك كان مرَّتين مرَّةً بعد مرَّةٍ، وأنَّه قال لها في الأولى أنتِ منهم، وفي الثَّانيَّة لستِ منهم.
ويؤيِّده ما في رواية عُمير بن الأسود حيث قال في الأولى (( يغزون هذا البحر ) )وفي الثَّانيَّة (( يغزون مدينة قيصر ) )فيدلُّ على أنَّ الثَّانية إنَّما غزت البرَّ،
ج 26 ص 367
فيحتمل أن يكون بعض العسكر الَّذي غزا مدينة قيصر ركبوا البحر إليها.
وقال القرطبيُّ الأُولى في أوَّل من غزا البحر من الصَّحابة، والثَّانية في أوَّل من غزا البحر من التَّابعين. وقال الحافظُ العسقلاني بل كان في كلٍّ منهما من الفريقين، لكن معظم الأولى من الصَّحابة والثَّانية بالعكس.
وقال القاضي عياض والقرطبي في السِّياق دليلٌ على أنَّ رؤياه الثَّانية غير رؤياه الأولى، وأنَّ في كلِّ نومةٍ عرضت طائفةٌ من الغزاة، كما يدلُّ عليه قوله
(فَقُلْتُ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ) وزاد في رواية الدَّراوردي عن أبي طَوَالة (( ولست من الآخرين ) )وفي رواية عُمير بن الأسود في الثَّانية فقلت يا رسول الله أنا منهم؟ قال (( لا ) ) (فَرَكِبَتِ) أي أم حرام (الْبَحْرَ زَمَانَ مُعَاوِيَةَ) وفي رواية أبي ذرٍّ أي ابن أبي سفيان حين كان على الشَّام في خلافة عثمان رضي الله عنهما. وفي رواية اللَّيث (( فخرجت مع زوجها عبادة بن الصَّامت غازيًا أوَّل ما ركبَ المسلمون مع معاوية رضي الله عنه ) ) [خ¦2799] . وفي رواية حمَّاد [خ¦2894] فتزوَّج بها عبادة فخرج بها إلى الغزو، وأنَّه كان في سنة ثمان وعشرين، وكان عمر رضي الله عنه ينهى عن ركوب البحر، فلمَّا ولي عثمان رضي الله عنه استأذنه معاوية في الغزو في البحر فأذن له.
ونقل أبو جعفر الطَّبري من طريق خالد بن معدان قال أوَّل من غزا البحر معاوية رضي الله عنه في زمن عثمان رضي الله عنه، وكان استأذن عمر رضي الله عنه فلم يأذن له، فلم يزل بعثمان رضي الله عنه حتَّى أذن له. وقال لا تنتخب أحدًا بل من اختار الغزو فيه طائعًا فَأَعِنْه، فَفَعَلَ.
وأخرج الطَّبري من طريق الواقدي أنَّ معاوية رضي الله عنه غزا الرُّوم في خلافة عثمان إلى جزيرة قبرس، فصالح أهلها بعد فتحها على سبعة آلاف دينار كلَّ سنة.
(فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ) أي ماتت، وفي رواية اللَّيث في (( الجهاد ) )فلمَّا انصرفوا من غزوهم قافلين إلى الشَّام قُرِّبت إليها دابَّةٌ
ج 26 ص 368
لتركبها، فصرعت عنها فماتت [خ¦2799] . وفي رواية حمَّاد بن زيد عند أحمد فوقصتها بغلة لها شهباء، فوقعت فماتت. وفي رواية عنه فوقعت فاندقَّت عنقها [خ¦2894] .
والحاصل أنَّ البغلة الشَّهباء قُرِّبت إليها لتركبها فشرعت لتركب فسقطت فاندقَّت عنقها فماتت، وظاهر رواية اللَّيث أنَّ وقعتها كانت بساحل الشَّام لمَّا خرجت من البحر بعد رجوعهم من غزاة قبرس، لكن أخرج ابنُ أبي عاصم في كتاب (( الجهاد ) )عن هشام بن عمَّار عن يحيى بن حمزة في باب (( قتال الرُّوم ) )، وفيه وعبادة نازلٌ بساحل حمص. قال هشام بن عمَّار رأيتُ قبرها بساحل حمص، وجزم جماعةٌ بأنَّ قبرها بجزيرة قبرس.
وقال ابن حبَّان بعد أن أخرج الحديث من طريق اللَّيث بن سعدٍ بسنده قبر أمِّ حرام بجزيرة في بحر الرُّوم يقال لها قبرس بين بلاد المسلمين. وجزم ابنُ عبد البرِّ بأنَّها حين خرجت من البحر إلى جزيرة قبرس قُرِّبت إليها دابتها فصرعتها.
وأخرج الطَّبري أنَّه لما أرادوا الخروج منها بعد فتحها قُرِّبت لأمِّ حرام دابَّة لتركبها، فسقطت فماتت، فقبرها هناك يستسقون بها، ويقولون قبرُ المرأة الصَّالحة. قيل فعلى هذا لعلَّ مراد هشام بن عمَّار بقوله رأيت قبرها بالسَّاحل؛ أي ساحل جزيرة قبرس، وكأنَّه توجَّه إلى قبرس لمَّا غزاها الرَّشيد في خلافته، وفيه نظرٌ، والله تعالى أعلم.
وفي الحديث التَّرغيب في الجهاد، والحضُّ عليه، وبيان فضيلة المجاهد، وفيه جواز ركوب البحر الملح للغزو، وكان عمر رضي الله عنه يمنع منه، ثمَّ أذن فيه عثمان رضي الله عنه.
قال أبو بكر ابن العربي ثمَّ منع منه عمر بن عبد العزيز، ثمَّ أذن فيه من بَعْده واستقرَّ الأمر عليه، ونقل عن عمر رضي الله عنه إنَّما منع ركوبه لغير الحجِّ والعمرة ونحو ذلك.
ونقل ابن عبد البرِّ أنَّه يحرمُ ركوبه عند ارتجاجه اتِّفاقًا، وكره مالك ركوب النِّساء البحر لما يخشى من اطِّلاعهنَّ على عورات الرِّجال فيه، إذ يتعسَّر الاحتراز من ذلك، وخصَّ أصحابه ذلك بالسُّفن الصَّغار، وأمَّا الكبار التي يمكنهنَّ
ج 26 ص 369
فيها الاستتار بأماكن تخصهنَّ، فلا حرج فيه.
وفي الحديث جواز تمنِّي الشَّهادة، وأنَّ من يموت غازيًا يلحقُ بمن يقتلُ في الغزو، كذا قال ابن عبد البرِّ وهو ظاهر القصَّة، لكن لا يلزم من الاستواء في أصلِ الفعل الاستواء في الدَّرجات.
وفيه مشروعيَّة القائلة لِمَا فيها من الإعانةِ على قيام اللَّيل، وفيه جواز إزالةِ ما يُؤذي البدن من القُمَّل ونحوه عنه، وفيه مشروعيَّة الجهاد مع كلِّ إمامٍ لتضمُّنه الثَّناء على من غزا مدينة قيصر، وكان أمير تلك الغزوة يزيد بن معاوية، ويزيدُ يزيد، وثبوت فضل الغازي إذا صلحت نيَّته. وقيل فيه فضل المجاهدين إلى يوم القيامة لقوله فيه (( ولست من الآخرين ) )ولا نهاية للآخرين إلى يوم القيامة. والَّذي يظهر أنَّ المراد بالآخرين في الحديث الفرقة الثَّانية.
نعم يُؤخذ منه فضل المجاهدين في الجملة، وفيه ضروبٌ من إخبار النَّبي صلى الله عليه وسلم بما سيقع، فوقع كما أخبر وذلك معدودٌ من أعلام النُّبوَّة منها إعلامه ببقاء أمَّته بعده، وأنَّ فيهم أصحاب قوَّةٍ وشوكةٍ ونكايةٍ في العدوِّ، وأنَّهم يتمكَّنون من البلاد حتَّى يغزوا البحر، وأنَّ أم حرام تعيش إلى ذلك الزَّمان، وأنَّها تكون مع من يغزو البحر، وأنَّها لا تدرك زمان الغزوة الثَّانية. وفيه جواز الفرح بما يحدث من النِّعم، والضَّحك عند حصول السُّرور؛ لضحكه صلى الله عليه وسلم إعجابًا بما رأى من امتثال أمَّته أمره لهم بجهاد العدوِّ، وما أثابهم الله تعالى على ذلك، وما وردَ في بعض الطُّرق بلفظ التَّعجُّب محمول على ذلك.
وفيه جواز قائلة الضَّيف في غير بيتهِ بشرطه كالإذن وأمن الفتنة، وجواز خدمة المرأة الأجنبيَّة للضيفِ بإطعامه، والتَّمهيد له ونحو ذلك، وإباحةِ ما قدَّمته المرأة للضَّيف من مالِ زوجها؛ لأنَّ الأغلب أنَّ الَّذي في بيت المرأة هو من مال الرَّجل، كذا قال ابن بطَّال. قال وفيه أنَّ الوكيلَ والمؤتمن إذا علم أنَّه يَسُرُّ صاحبه ما يفعله من ذلك جازَ له فعله، ولا شكَّ أنَّ عبادة رضي الله عنه كان يَسُرُّه أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم ممَّا قدَّمته له امرأته، ولو كان بغير إذنٍ خاصٍّ منه،
ج 26 ص 370
وتعقَّبه القرطبيُّ بأنَّ عبادة حينئذٍ لم يكن زوجها كما تقدَّم.
وقال الحافظُ العسقلاني لكن ليس في الحديث ما ينفي أنَّها كانت حينئذٍ ذات زوجٍ إلَّا أنَّ في كلام ابن سعدٍ ما يقتضي أنَّها كانت حينئذٍ عزبًا، واستشكلَ فلي أمِّ حرام رأسه صلى الله عليه وسلم. وأُجيب بأنَّها كانت من محارمه صلى الله عليه وسلم كما تقدَّم. وقيل كان النَّبي صلى الله عليه وسلم معصومًا يملك إربَه عن زوجتهِ، فكيف عن غيرها ممَّا هو منزَّهٌ عنه، وهو المبرَّأ عن كلِّ فعلٍ قبيحٍ، وقولِ رفثٍ فيكون ذلك من خصائصه، ويحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب وردَّ بأنَّ ذلك كان بعد الحجاب جزمًا، فإنَّه قد تقدَّم أنَّ ذلك كان بعد حجَّة الوداع. وردَّ القاضي عياض الأول بأنَّ الخصائصَ لا تثبت بالاحتمال وثبوت العصمة مسلمٌ، لكنَّ الأصل عدم الخصوصيَّة، وجواز الاقتداء به في أفعاله حتَّى يقومَ على الخصوصيَّة دليلٌ.
وقال الدِّمياطي أنَّه ليس في الحديث ما يدلُّ على الخلوة بأمِّ حرام ولعلَّ ذلك كان مع ولد، أو خادمٍ أو زوجٍ أو تابع. قال الحافظُ العسقلاني وهو احتمالٌ قويٌّ لكنَّه لا يدفع الإشكال من أصله لبقاء الملامسة في تفلية الرَّأس، وكذا النَّوم في الحِجْر.
وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصيَّة ولا يردُّها كونها لا تثبت إلَّا بدليلٍ؛ لأنَّ الدَّليل على ذلك واضحٌ.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
وقد مضى في (( الجهاد ) )في مواضع، في باب (( فضل من يصرع في سبيل الله ) ) [خ¦2799] ، وفي باب (( غزو المرأة في البحر ) ) [خ¦2877] ، وفي باب (( ركوب البحر ) ) [خ¦2894] .
تتمة واختلف في الحديث فمنهم من جعله من مسند أنسٍ، ومنهم من جعله من مسند أم حرام، والتَّحقيق أنَّ أوَّله من مسند أنسٍ، وقصَّة المنام من مسند أمِّ حرام، فإنَّ أنسًا رضي الله عنه إنَّما حمل قصَّة المنام عنها، والله تعالى أعلم.
[1] في هامش الأصل قال يحيى بن إبراهيم وذلك لأنَّ أم عبد المطلب جده صلى الله عليه وسلم كانت من بني النجار، وقال ابنُ الجوزي سمعتُ بعض الحفاظ يقول كانت أم سُليم أخت آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرَّضاعة. وقال ابنُ عبد البر أظنُّ أنَّ أم حرام أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأختها أم سُليم، فصارت كل واحدة منهما أمه أو خالته من الرَّضاعة، فلذلك كان ينامُ عندها، وتنال منه ما يجوز للمَحْرَم أن يناله من محارمه.