6289 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ) بفتح الصاد المهملة وتشديد الموحدة وآخره حاء مهملة العطار، من أهل البصرة، مات بها سنة إحدى وخمسين ومائتين وهو شيخ مسلمٍ أيضًا، قال (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) هو التَّيمي (قَالَ سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طَرْخان (قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (يَقُوْلُ) وفي نسخة (أَسَرَّ إِلَيَّ) بتشديد الياء (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِرًّا) وفي رواية ثابتٍ عن أنسٍ رضي الله عنه عند مسلم في أثناء حديث فبعثني في حاجةٍ فأبطأت على أمِّي فلمَّا جئت قالت ما حبسكَ؟ وفي رواية أحمد وابن سعد من طريق حميد عن أنس قال فأرسلني في رسالة فقالت أمُّ سُليم ما حبسك؟
(فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدَهُ) أي بعد وفاته صلى الله عليه وسلم (وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي أُمُّ سُلَيْمٍ) هي أم أنس رضي الله عنه عن ذلك (فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ) وهذه مبالغةٌ في الكتمان؛ لأنَّه لما كتم عن أمه فعن غيرها بالطَّريق الأولى. وفي رواية ثابت فقالت ما حاجته؟ قلت إنَّها سرٌّ، قالت لا تخبر بسرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا. وفي رواية حميد عن أنسٍ رضي الله عنه فقالت احفظ سرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية ثابت والله لو حدَّثت به أحدًا لحدَّثتُك يا ثابت. قال بعض العلماء كان هذا السِّرُّ يختصُّ بنساء النَّبي صلى الله عليه وسلم وإلَّا فلو كان من العلم ما وسَّع أنسًا كتمانه.
وقال ابن بطَّال الَّذي عليه أهل العلم أنَّ السِّرَّ لا يُباح به إذا كان على صاحبه منه مضرَّةٌ كما سبق عن المهلَّب. وقال الحافظُ العسقلاني الَّذي يظهر انقسام كتمان السِّرِّ بعد صاحبه إلى ما يباح، وقد يستحبُّ ذكره، ولو كرهه صاحبه كأن يكون فيه تزكيةٌ له من كرامةٍ أو منقبةٍ أو نحو ذلك، وإلى ما يكره مطلقًا، وقد يحرم وهو الَّذي
ج 26 ص 380
أشار إليه ابن بطَّال، وقد يكون فيه ما يجب ذكره كحق عليه كأن يُعذر بترك القيام به فيُرجى بعده إذا ذُكِر لمن يقوم به عنه أن يفعلَ ذلك، وأمَّا ذكر فاطمة رضي الله عنها ما أسرَّ إليها النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد موته مع كتمها إيَّاه عن عائشة رضي الله عنها في حياته، فإنَّه ما يُساء به، وهو موته صلى الله عليه وسلم وهو سببٌ لكتمانها، وقد اختلفت الرِّواية فيما أسرَّ إليها النَّبي صلى الله عليه وسلم ففي بعضها أنَّها أوَّل لحوقًا به، وفي الأخرى أنَّها سيِّدة نساء العالمين.
ومن الأحاديث الواردة في حفظ السِّرِّ حديث أنسٍ رضي الله عنه (( احفظ سرِّي تكن مؤمنًا ) )أخرجه أبو يَعلى والخرائطي، وفيه عليُّ بن زيدٍ، وهو صدوقٌ كثير الأوهام. وأخرج القضاعي في «مسند الشهاب» من حديث عليٍّ رضي الله عنه مرفوعًا (( المجالس بالأمانة ) )، وسنده ضعيفٌ. ولأبي داود من حديث جابرٍ رضي الله عنه مثله، وزاد (( إلَّا ثلاثة مجالسٍ ما سُفِك فيه دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطع فيه مال بغير حقٍّ ) ).
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجهُ مسلمٌ في (( الفضائل ) ).