فهرس الكتاب

الصفحة 9389 من 11127

6305 - (وَقَالَ مُعْتَمِرٌ) هو ابنُ سليمان التَّيمي، كذا في رواية الأكثر، وبه جزمَ الإسماعيلي والحُميدي، لكن عند الأَصيلي وكريمة في أوَّله فعلى هذا هو متَّصل، وقد وصله أيضًا مسلم فقال حدَّثنا محمَّد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن أنس بن مالك أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال، فذكر الحديث.

وخليفة هذا هو ابنُ خيَّاط أبو عَمرو العصفري البصري.

(سَمِعْتُ أَبِي) سليمان (عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلُّ نَبِيٍّ سَأَلَ سُؤْلًا) بضم السين وسكون الهمزة؛ أي مطلوبًا (أَوْ قَالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ) في حقِّ أمَّته هكذا وقع في الشَّك من الرَّاوي (دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ) له في الدُّعاء، وفي نسخة بزيادة تاء التَّأنيث في آخره (فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي) المجابة جزمًا (شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .

قال ابن الجوزي هذا من حسن تصرُّفه صلى الله عليه وسلم حيث اختار أن تكون فيما يبقى، ومن كثرة كرمه أن آثر أمَّته على نفسه، ومن صحَّة نظره أن جعلها للمذنبين؛ لكونهم أحوج إليها من الطَّائعين.

وقد أخرج هذا الحديث

ج 26 ص 414

ابنُ منده من طريق الحسن بن الربيع ومسدَّد وغيرهما عن مُعتمر بالشَّك ولفظه (( كلُّ نبيٍّ قد سأل سؤالًا ) )أو قال (( لكلِّ نبيٍّ دعوةٌ قد دعا بها ... ) )الحديث. ولفظ قتادة عند مسلمٍ (( لكلِّ نبيٍّ دعوةٌ دعاها لأمَّته ) )فذكره، ولم يشكَّ، وقد استشكلَ ظاهر الحديث بما وقع لكثيرٍ من الأنبياء من الدَّعوات المجابة، ولا سيَّما نبينا صلى الله عليه وسلم، وظاهره أنَّ لكلِّ نبيٍّ دعوة مجابةٌ فقط.

وأجيب بأنَّ المراد بالإجابة في الدَّعوة المذكورة القطعُ بها، وما عدا ذلك من دعواتهم على رجاء الإجابة، وقيل معنى قوله (( إنَّ لكلِّ نبيٍّ دعوةٌ ) )أنَّ لكلٍّ منهم دعوةٌ عامَّة مستجابةٌ في أمَّته إمَّا بإهلاكهم، وإمَّا بنجاتهم، وأمَّا الدَّعوات الخاصَّة فمنها ما يستجابُ، ومنها ما لا يستجابُ، وفيه أنَّه لا يحسن أن يقال في حقِّ نبيٍّ من الأنبياء أن يقال أنَّ من دعواته ما لا يُستجاب، والمعنى الَّذي يليق بحالهم أن يقال من دعواتهم ما يستجابُ في الحال، ومنها ما يؤخَّر إلى وقت إرادة الله تعالى.

وقيل المعنى لكلٍّ منهم دعوةٌ تخصُّه لدنياه أو لنفسه، كقول نوح عليه السَّلام {لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ} [نوح 26] . .. إلى آخره، وقول زكريا عليه السَّلام {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا*يَرِثُنِي} [مريم 5 - 6] ، وقول سليمان عليه السَّلام {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص 35] حكاه ابن التِّين.

وقال بعضُ شراح «المصابيح» ما لفظه اعلم أنَّ جميع دعوات الأنبياء عليهم السَّلام مستجابةٌ، والمراد بهذا الحديث أنَّ كلَّ نبيٍّ دعا على أمته بالإهلاك إلَّا أنا، فلم أدعُ فأُعطيتُ الشَّفاعة عِوضًا عن ذلك صبرًا على أذاهم، والمراد بالأمَّة أمَّة الدَّعوة لا أمَّة الإجابة.

وتعقَّبه الطِّيبي بأنَّه صلى الله عليه وسلم دعا على أحياءٍ من العرب، ودعا على ناسٍ من قريش بأسمائهم، ودعا على رعل وذكوان، ودعا على مضر، قال والأولى أن يقال إنَّ الله تعالى جعل لكلِّ نبيٍّ دعوةٌ مستجابة في حقِّ أمَّته، فنالها كلٌّ منهم في الدُّنيا، وأمَّا نبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه لمَّا دعا على بعض أمَّته

ج 26 ص 415

نزل عليه {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [آل عمران 128] ، فبقي تلك الدَّعوة المستجابة مدَّخرة للآخرة، وغالب من دعا عليهم لم يُرِد إهلاكهم، وإنَّما أراد ردعهم ليتوبوا.

وأمَّا جزمه أولًا بأنَّ جميعَ أدعيتهم مستجابةٌ، ففيه غفلةٌ عن الحديث الصَّحيح (( سألتُ الله ثلاثًا فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة ... ) )، الحديث.

وقال ابن بطَّال في هذا الحديث بيان فضيلة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، حيث آثر أمَّته على نفسه وأهل بيته بدعوتهِ المجابة، ولم يجعلها أيضًا دعا عليهم بالهلاك، كما وقع لغيره ممَّن تقدَّم، وفي رواية مسلم من رواية أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه (( وإنِّي اختبأتُ ) )وزاد (( فهي نائلةٌ إن شاء الله تعالى من مات من أمَّتي لا يشرك بالله شيئًا ) ).

وقوله (( من مات ) )في محلِّ نصب على المفعولية، و (( لا يشرك بالله ) )في محلِّ نصب على الحال، والتَّقدير شفاعتي نائلةٌ من مات غير مشركٍ، وفيه دليلٌ لأهل السُّنة أنَّ من مات غير مشركٍ لا يخلد في النَّار، ولو مات مصرًّا على الكبائر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت