6317 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفي المعروف بالمسنَدي، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ) الأحول خال عبد الله بن أبي نَجيح، مات بمكَّة سنة خمسٍ أو ست ومائة (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) أنَّه قال (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ) حال من الضَّمير في (( قام ) )؛ أي يصلي.
وقال ابن التِّين أي سهر، وهو من الأضداد، يقال هجد
ج 26 ص 458
وتهجَّد إذا نام وهجد وتهجَّد إذا سهر، قاله الجوهري، وقال الهروي تهجَّد إذا سهر وألغى [1] الهجود، وهو النَّوم عن نفسهِ وهجد نام.
وقال النَّحاس التَّهجد عند أهل اللغة السَّهر، والهجود النَّوم، وقال ابنُ فارس الهاجد النَّائم، والمتهجِّد المصلِّي ليلًا، وقيل التَّهجد التَّيقظ من النَّوم، فمعناه التَّجنب عن النَّوم.
(قَالَ) في موضع نصبِ خبر (( كان ) )؛ أي كان صلى الله عليه وسلم عند قيامه متهجدًا يقول (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ) وفي رواية مالك عن ابن الزُّبير عن طاوس (( إذا قام إلى الصَّلاة من جوف اللَّيل ) ).
وظاهر السِّياق أنَّه كان يقول أوَّل ما يقوم إلى الصَّلاة، و (( الحمدُ ) )الوصف بالجميل، والألف واللام فيه للاستغراق.
(أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) منوِّرهما (وَ) منور (مَنْ فِيهِنَّ) بنور هدايتك، وعبر بـ (( من ) )دون ما؛ تغليبًا للعقلاء على غيرهم (وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ) القيم والقَيَّام والقَيُّوم معناها واحدٌ، وهو القائمُ بتدبير الخلق المُعطي له ما به قوامه، فلا يتصوَّر وجود موجودٍ إلَّا به (وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ الْحَقُّ) أي المتحقق الوجود الثَّابت بلا شكٍّ فيه.
(وَوَعْدُكَ حَقٌّ) ثابتٌ لا يدخله شكٌّ في وقوعه وتحقيقه، وفي رواية أبي ذرٍّ بالتَّعريف (وَقَوْلُكَ حَقٌّ) أي مدلوله ثابتٌ، وفي رواية أبي ذرٍّ بالتَّعريف كسابقه (وَلِقَاؤُكَ) بعد الموت في القيامة (حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ) وهو قيامها (حَقٌّ) فلا بدَّ منه، وهو ممَّا يجب الإيمان به، فمنكره كافرٌ ثبتنا الله على ذلك، وعلى تصديقِ كلِّ ما جاءت به الرسل عليهم الصَّلاة والسَّلام.
(وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ) لا يجوز إنكار واحدٍ منهم (وَمُحَمَّدٌ) صلى الله عليه وسلم (حَقٌّ) عطفه عليهم إيذانًا بالتَّغاير؛ لأنَّه فائقٌ عليهم بخصوصيات اختصَّ بها دونهم، وجرَّده عن ذاته كأنَّه غيره، ووجب عليه الإيمان به، وتصديقه مبالغةً في إثبات نبوَّته، هذه كلها وسائل قُدِّمت؛ لتحقيقِ المطلوب من قوله
(اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ) أي انقدت لأمرك ونهيك (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي فوضتُ أمري إليك قاطعًا النَّظر عن الأسباب العادية
ج 26 ص 459
(وَبِكَ آمَنْتُ) أي صدقت بك وبما أنزلتَ (وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ) أي رجعتُ إليك مقبلًا بالقلبِ عليك (وَبِكَ) أي بما أعطيتني من البرهان والسِّنان (خَاصَمْتُ) الخصم المعاند وقمعته بالحجة والسَّيف (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) من المحاكمة، وهي رفع القضيَّة إلى الحاكم؛ أي كل من جحد الحقَّ جعلتك الحاكم بيني وبينه لا غيرك ممَّا كانت الجاهليَّة تحاكم إليه من صنمٍ أو كاهن.
(فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ) أي ما أخفيت وما أظهرت، أو ما تحرَّك به لساني، أو حدَّثت به نفسي، قال ذلك مع القطع له بالمغفرة تواضعًا وتعظيمًا لله تعالى وتعليمًا وإرشادًا للأمَّة (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ) لي في البعث يوم القيامة (وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) لي في البعث في الدُّنيا، (لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ _ أَوْ لاَ إِلَهَ غَيْرُكَ _) شكٌّ من الرَّواي، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بإسقاط الألف من (( أو ) )، ووقع في رواية الطَّبراني في آخره (( ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العليِّ العظيم ) ).
وقد مضى الحديث في أوَّل باب (( التَّهجد بالليل ) )في آخر (( كتاب الصَّلاة ) ) [خ¦1120] .
ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ.
[1] في هامش الأصل في نسخة وألقى.