6321 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) العامري الأويسي الفقيه، قال (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ) بفتح الغين المعجمة وتشديد الراء، واسمه سلمان الجهني المدني (وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوفٍ رضي الله عنه كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَتَنَزَّلُ) كذا في رواية الأكثر على وزن يتفعَّل مشددًا، وفي رواية النَّسفي والكُشميهني بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر الزاي (رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) هذا من المتشابهات، وحظ السَّلف من الرَّاسخين في العلم أن يقولوا {آمنَّا به كلٌّ من عند ربِّنا} [آل عمران 7] . ونقله البيهقي وغيره عن الأئمَّة الأربعة والسُّفيانَين والحمادَين والأوزاعي واللَّيث، ومنهم
ج 26 ص 473
من أوَّله على وجهٍ يليقُ مُسْتَعمَلٌ في كلام العرب، ومنهم من أفرط في التَّأويل حتَّى كاد أن يخرجَ إلى نوعٍ من التَّحريف.
ومنهم من فصَّل بين ما يكون تأويله قريبًا مستعملًا في كلام العرب، وبين ما يكون بعيدًا مهجورًا، فأوَّل في بعضٍ وفوَّض في آخر، ونقل هذا عن مالك. قال البيهقيُّ وأسلمها الإيمان بلا كيف والسُّكوت عن المراد، إلَّا أن يرد ذلك عن الصَّادق فيُصار إليه، ونقل عن مالكٍ أنَّه أوَّل النُّزول هنا بنزول رحمته تعالى وأمره، أو ملائكته، كما يقال فعل الملك كذا؛ أي أتْباعُه بأمره، ومنهم من أوَّله على الاستعارة، والمعنى الإقبالُ على الدَّاعي باللُّطف والإجابة.
وقال البيضاوي لما ثبت بالقواطع أنَّه سبحانه وتعالى منزَّه عن الجسميَّة والتَّحيُّز امتنع عليه النُّزول على معنى الانتقال من موضعٍ إلى موضع أخفضَ منه، فالمراد دنوُّ رحمته؛ أي ينتقلَ من مقتضى صفة الجلال الَّتي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام الَّتي تقتضي الرَّحمة والرَّأفة.
وقد تقدَّم الكلام في ذلك أيضًا في (( الصَّلاة ) )، في باب (( الدُّعاء في الصَّلاة من آخر اللَّيل ) )من أبواب التَّهجد [خ¦1145] ، وسيأتي ما بقي في (( كتاب التَّوحيد ) )إن شاء الله تعالى [خ¦7494] .
(حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ) بكسر الخاء المعجمة وبالرفع صفة للثُّلث. قال ابن بطَّال ترجَم بنصف الليل، وساق في الحديث أنَّ التَّنزل يقعُ ثلث الليل، لكن المصنِّف عوَّل على ما في الآية، وهو قوله تعالى {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا*نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ} [المزمل 2 - 3] ، فأخذ التَّرجمة من دليل القرآن، وذكر المصنِّف فيه يدلُّ على تأكيد المحافظة على وقت التَّنزل قبل دخوله ليأتي وقت الإجابة والعبد مرتقبٌ له مستعدٌّ للقائه.
وقال الكرماني لفظ الخبر (( حين يبقى ثلث اللَّيل ) )، وذلك يقعُ في النِّصف الثَّاني، وقال الحافظ العسقلاني والَّذي يظهر لي أنَّ البخاري جرى على عادته، فأشار إلى الرِّواية الَّتي وردت بلفظ (( النِّصف ) )، فقد أخرج أحمد عن يزيد بن هارون عن محمَّد بن عَمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( ينزلُ الله تعالى إلى السَّماء الدُّنيا نصف الليل الآخر ) ). وأخرجه الدَّارقطني في كتاب «الرؤيا»
ج 26 ص 474
من رواية عبيد الله العمري عن سعيد المقبُري عن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه، ومن طريق حبيب بن ثابت عن الأغر عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( شطر الليل ) )من غير تردُّد.
وقد اختلفت الرِّوايات في تعيين الوقت على ستَّة الثُّلث الآخر كما هنا، أو الثلث الأول، أو الإطلاق، فيحمل المطلق على المقيَّد على رأي، والَّذي بأو إن كان للشَّك، فالمجزوم به مقدَّم على المشكوك فيه، وإن كان للتَّردد بين حالين، فيجمعُ بذلك بين الرِّوايات بأنَّ ذلك يقع بحسب اختلاف الأحوال لكون أوقات اللَّيل تختلف في الزَّمان والأوقات باختلاف تقدُّم دخول الليل عند قومٍ، وتأخُّره عند قومٍ، أو يكون النزول يقع في الثُّلث الأول، والقول يقع في النِّصف، وفي الثلث الثَّاني، أو أنَّه يقع في جميع الأوقات الَّتي وردت به، ويحمل على أنَّه أعلم بأحدها في وقتٍ فأخبر به، ثمَّ بالآخر في آخر، فأخبر به، فنقلت الصَّحابة ذلك عنه.
(يَقُولُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ) أي فأجيب دعاءه (مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ) سؤله (وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) ذنوبه، وقوله (( فأستجيبَ ) )و (( فأعطَيه ) )و (( فأغفرَ ) )نصب جواب الاستفهام، ويجوز الرفع على تقدير مبتدأ؛ أي فأنا أغفرُ، فأنا أستجيبُ، فأنا أعطيه.
وفي الحديث أنَّ الدُّعاء في هذا الوقت مجابٌ، ولا يعكِّر عليه تخلُّفه عن بعض الدَّاعين، فقد يكون لخللٍ في شرطٍ من شروط الدُّعاء كالاحترازِ في المطعومِ والمشروب والملبوس، أو لاستعجالِ الدَّاعي، أو يكون الدُّعاء بإثمٍ، أو قطيعةِ رحم، أو تحصل الإجابة، ويتأخَّر وجود المطلوب لمصلحة العبد، أو لأمرٍ يريده الله تعالى.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد سبق الحديث في (( الصَّلاة ) ) [خ¦1145] ، وسيأتي في (( كتاب التَّوحيد ) )إن شاء الله تعالى [خ¦7494] .