فهرس الكتاب

الصفحة 9478 من 11127

6361 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر المصري، المعروف بابن الطَّبراني، كان أبوه من أهل طبرستان، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ) الفاء جزائيَّة وشرطها محذوف يدلُّ عليه السِّياق؛ أي إن كنت سببت مؤمنًا. وقد روى مسلم من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمِّه بهذا الإسناد بلفظ (( اللَّهمَّ إني اتَّخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه، فأيُّما مؤمنٍ سببته أو جلدتُه ) ). ويروى بلفظ (( اللَّهمَّ إنَّما أنا بشرٌ، فأيُّما رجلٍ من المسلمين سببته، أو لعنته، أو جلدته فاجعلها له زكاةً وصلاةً وقربةً تقرِّبه بها إليك يوم القيامة ) ). ومن طريق سالم

ج 26 ص 549

عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( اللَّهمَّ إنَّما محمدٌ بشرٌ يغضبُ كما يغضبُ البشر، وإنِّي قد اتَّخذت عندك عهدًا ... ) )الحديث، وفيه (( فأيُّما مؤمنٍ آذيته ) ).

وأخرج من حديث عائشة رضي الله عنها قالت (( دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فكلَّماه بشيءٍ لا أدري ما هو فأغضباهُ، فسبَّهما ولعنهما، فلمَّا خرجا قلت له فقال أوما علمتِ ما شارطتُ عليه ربِّي، قلت اللَّهمَّ إنَّما أنا بشرٌ فأيُّ المسلمين لعنته، أو شتمتَه، أو سببته فاجعله له زكاة وأجرًا ) ). وأخرجه من حديث جابرٍ رضي الله عنه بلفظ يقول سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إنَّما أنا بشرٌ، وإنِّي شرطتُ على ربِّي أيَّ عبدٍ من المسلمين سببته أو شتمته أن يكون ذلك له زكاةً وأجرًا ) ). وأخرجه من حديث أنسٍ رضي الله عنه، وفيه تقييدُ المدعوِّ عليه بأن يكون ليس لذلك بأهلٍ، وسيجيءُ بلفظه.

(فَاجْعَلْ ذَلِكَ) السَّبَّ أو غيره ممَّا ذكر (لَهُ قُرْبَةً) تقرِّبه بها (إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي رواية ابن أخي الزُّهري (( فاجعلْ ذلك له كفَّارةً يوم القيامة ) ). وفي رواية أبي صالحٍ، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( فاجعلها له زكاةً ورحمةً ) )، وفي رواية الأعرج (( فاجعلْها له صلاةً وزكاةً وقربة تقرِّبه بها إليك يوم القيامة ) )، وفي حديث عائشة رضي الله عنها (( فاجعله له زكاةً وأجرًا ) ). وفي حديث أنس رضي الله عنه عند مسلمٍ (( إنَّما أنا بشرٌ أرضى كما يرضى البشر، وأغضبُ كما يغضبُ البشر، فأيُّما أحدٍ دعوتُ عليه من أمَّتي بدعوةٍ ليس لها بأهلٍ أن تجعلَها له طهورًا وزكاةً وقربة تقرِّبه بها منك يوم القيامة ) ).

قال المازري إن قيل كيف يدعو صلى الله عليه وسلم بدعوةٍ على من ليس لها بأهل؟

فالجواب أنَّ المراد بقوله (( ليس لها بأهلٍ ) )؛ أي عندك في باطن أمره لا في ظاهرِ ما يقتضيه حاله حين دعائي عليه، فكأنَّه يقول من كان باطن أمره عندك ممَّن ترضى عنه فاجعلْ دعوتي عليه الَّتي اقتضاها ما ظهرَ لي من مقتضى حاله حينئذٍ طهورًا وزكاة.

قال وهذا معنى صحيح لا إحالة فيه؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان متعبَّدًا بالظَّواهر، وحساب النَّاس في البواطنِ إلى الله تعالى،

ج 26 ص 550

انتهى.

وهذا مبنيٌّ على قول من قال إنَّه كان يجتهدُ في الأحكام، ويحكم بما أدَّى إليه اجتهاده، وأما على قول من قال كان لا يحكم إلَّا بالوحي فلا يتأتَّى منه هذا الجواب، فافهم.

ثمَّ قال المازري فإن قيل ما معنى قوله (( وأغضبُ كما يغضب البشر ) )، فإنَّ هذا يشير إلى أنَّ تلك الدَّعوة وقعت بحكم سورة الغضب، لا أنَّها على مقتضى الشَّرع فيعود السُّؤال.

فالجواب أنَّه يحتمل أنَّه أراد أنَّ دعوته عليه، أو سبَّه، أو جلده كان ممَّا خُيِّر بين فعله له عقوبةً للجاني، أو تركه، والزَّجرُ له بما سوى ذلك، فيكون الغضب لله تعالى بعثه على لعنه أو جلده، ولا يكون ذلك خارجًا عن شرعه. قال ويحتمل أن يكون خرج مخرجَ الإشفاق، وتعليم أمَّته الخوف من تعدِّي حدود الله تعالى، فكأنَّه أظهرَ الإشفاق من أن يكون الغضب يحملُ على زيادة في عقوبةِ الجاني لولا الغضب ما وقعت، أو إشفاقًا من أن يكون الغضب يحمله على زيادة يسيرة في عقوبة الجاني لولا الغضب ما زادت فيكون من الصَّغائر على قول من يجوزها، ويحتمل أن يكون اللَّعن والسَّب يقعُ منه من غير قصدٍ إليه، فلا يكون ذلك كاللَّعنة الواقعة رغبةً إلى الله، وطلبًا للاستجابة.

وأشار القاضي عياض إلى ترجيحِ هذا الاحتمال الأخير، فقال يحتمل أن يكون ما ذكره من سبٍّ ودعاءٍ غير مقصودٍ ولا منويٍّ، لكن جرى على عادة العربِ في كلامها وخطابها عند الحرج، والتَّأكيد للعيبِ لا على نيَّة وقوع ذلك كقولهم (( عقرى حلقى ) ) [خ¦1561] ، و (( تربت يمينك ) ) [خ¦130] ، فأشفق من موافقة أمثالها القدر فعاهد ربَّه، ورغبَ إليه أن يجعلَ ذلك القول رحمةً وقربةً، انتهى.

وهذا الاحتمال حسنٌ إلَّا أنَّه يرد عليه قوله (( جلدته ) )، وهذا الجواب لا يتمشَّى فيه إذ لا يقعُ الجلد من غير قصدٍ، وقد ساقَ الجميع مساقًا واحدًا.

ثمَّ أبدى القاضي احتمالًا آخر فقال كان صلى الله عليه وسلم لا يقول ولا يفعلُ في حال غضبه إلَّا الحقَّ، لكن غضبه لله قد يحمله على تعجيلِ معاقبة مخالفه، وترك الإغضاء والصَّفح، ويؤيِّده حديث عائشة رضي الله عنها (( ما انتقمَ لنفسه قط إلَّا أن تنتهك حرمات الله )

ج 26 ص 551

وهو في «الصَّحيح» [خ¦3560] فعلى هذا المعنى قوله (( ليس لها بأهلٍ ) )؛ أي من جهة تعيُّن التَّعجيل.

وفي الحديث كمال شفقتهِ صلى الله عليه وسلم على أمَّته، وجميل خلقهِ، وكرم ذاته حيث قصدَ مقابلة ما وقع منه بالخير والتَّكريم.

قال الحافظُ العسقلاني وهذا كلُّه في حقِّ المعيَّن في زمنه واضحٌ، وأمَّا ما وقع منه بالتَّعميم لغير معيَّن حتَّى يتناول مَنْ لم يدرك منه صلى الله عليه وسلم فما أظنُّه أنَّه يشمله، انتهى.

جزاه الله عنَّا أفضلَ الجزاء بمنِّه وكرمه، وأماتنا على محبَّته وسنَّته.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من معناه، وقد أخرجه مسلم أيضًا في (( الأدب ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت