6368 - (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضم الميم وفتح العين واللام المشددة، قال (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) مصغَّر وهب، هو ابنُ خالد البصري (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ) تعليمًا لأمَّته أو عبوديَّةً منه.
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ) وهو الفتور عن الشَّيء مع القدرة على عمله إيثارًا لراحة البدن على التَّعب (وَ) من (الْهَرَمِ) وهو الزِّيادة في كبر السِّنِّ المؤدِّي إلى ضعف الأعضاء (وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ) أي الدَّين فيما لا يجوز، وأخرج النَّسائي من طريق سلمة بن سعيد بن عطية، عن معمر،
ج 26 ص 561
عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قلت يا رسول الله ما أكثر ما تتعوَّذ من المغرم؟ قال (( إنَّ من غرم حدَّث فكذب، ووعد فأخلف ) ).
(وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ) هي سؤال الملكَين (وَعَذَابِ الْقَبْرِ) وهو ما يترتَّب بعد فتنته على المجرمين، فالأول كالمقدمة للثاني وعلامة عليه (وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ) هي سؤال الخزنة على سبيل التَّوبيخ، وإليه الإشارة بقوله تعالى {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} [الملك 8] .
(وَعَذَابِ النَّارِ) بعد فتنتها (وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى) نحو الطُّغيان والبطر، وعدم تأدية الزَّكاة.
قال الكرماني صرَّح في (( فتنة الغنى ) )بذكر الشَّرِّ إشارةً إلى أنَّ مضرَّته أكثر من مضرَّة غيره، أو تغليظًا على الأغنياء حتَّى لا يغتروا بما هم فيه، ولا تغفلوا عن مفاسده، أو إيماءً إلى أنَّ صورة أحزابه؛ أي أخواته لا سيما الفقر لا يكون فيها خيرٌ، بخلاف صورتها فإنَّها قد تكون خيرًا.
وتعقَّبه الحافظ العسقلاني بأنَّ كلَّ هذا غفلة عن الواقع، فإنَّ الَّذي ظهر لي أنَّ لفظ (( الشَّر ) )في الأصل ثابتٌ في الموضعين، وإنَّما اختصره بعض الرُّواة، فسيأتي بعد قليل في باب (( الاستعاذة من أرذل العمر ) ) [خ¦6375] من طريق وكيع وأبي معاوية مفرقًا عن هشام بسنده هذا بلفظ (( وشرِّ فتنة الغنى، وشرِّ فتنة الفقر ) ). ويأتي بعد أبواب أيضًا من رواية سلام بن أبي مطيع، عن هشام بإسقاط شرِّ في الموضعين [خ¦6376] .
والتَّقييد في الغنى والفقر بالشَّرِّ لا بدَّ منه؛ لأنَّ كلًّا منهما فيه خيرٌ باعتبار، والتَّقييد في الاستعاذة منه بالشَّرِّ يخرج ما فيه من الخير سواءٌ قلَّ أو كثر انتهى.
وتعقَّبه العيني فقال هذا غفلةٌ منه حيث يدَّعي اختصار بعض الرُّواة بغير دليلٍ على ذلك، وأمَّا قوله فسيأتي بَعْدُ بلفظ (( شر فتنة الغنى، وشرِّ فتنة الفقر ) ) [خ¦6375] فلا يساعده فيما قاله؛ لأنَّ للكرماني أن يقول يحتمل أن يكون لفظ (( شر ) )في (( فتنة الفقر ) )مدرجًا من بعض الرُّواة على أنَّه لم ينفِ مجيء لفظ (( شر ) )في غير الغنى، ولا يلزمه هذا؛ لأنَّه في صدر بيان هذا الموضع الَّذي وقع هنا خاصَّةً انتهى وأنت خبيرٌ بما فيه فتأمل.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ) لأنَّه ربَّما يحمله على مباشرة ما لا يليق بأهل الدِّين والمروءة، ويهجم على أيِّ حرامٍ كان ولا يُبالي،
ج 26 ص 562
وربَّما يحمله على التَّلفُّظ بكلماتٍ تؤدِّيه إلى الكفر.
قال الغزالي فتنة الغنى هي الحرص على جمع المال وحبُّه حتَّى يَكْسبه من غير حلِّه، ويمنعه من واجبات إنفاقه وحقوقه، وفتنة الفقر يراد بها الفقر المدقع الَّذي لا يصحبه خيرٌ، ولا ورع حتَّى يتورَّط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الدِّين والمروءة، ولا يبالي بسبب فاقته على أيِّ حرامٍ وثب، ولا في أيِّ حباله تورَّط.
وقيل المراد فقر النَّفس الَّذي لا يردُّه مُلْك الدُّنيا بحذافيرها، وليس فيه ما يدلُّ على تفضيل الفقر على الغنى ولا عكسه.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) (( المَسِيح ) )بفتح الميم وكسر السين وبكسرهما مع تشديد السين وآخره حاء مهملة، فمن شدد فهو ممسوح العين عنده، ومن خفف فهو من السِّياحة عنده؛ لأنَّه يسيح في الأرض، أو لأنَّه ممسوح العين اليمنى؛ أي أعور، كذا قال العيني وفيه نظرٌ.
وقال ابن فارس المسيح الَّذي أحد شقَّي وجهه ممسوحٌ لا عين له، ولا حاجب، والدَّجَّال بتشديد الجيم من الدَّجل وهو التَّغطية؛ لأنَّه يغطِّي الأرض بالجمع الكثير، أو لتغطيته الحقَّ بالكذب، وقيل قيل له المسيح؛ لأنَّه يقطع الأرض؛ يعني أنَّ المسيح حينئذٍ يكون من المساحة، وهذه الفتنة وإن كانت من جملة فتنة المحيا لكن أُعيدت تأكيدًا لعظمها وكثرة شرِّها، أو لكونها تقع في محيا أناسٍ مخصوصين، وهم الَّذين في زمن خروجه، وفتنة المحيا عامَّةٌ لكلِّ أحدٍ فتغايرا.
(اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ) جمع خطيئة، وأصل (( خطاياي ) )خطائئ على وزن فعائل، ولما اجتمعت الهمزتان قلبت الثَّانيَّة ياء؛ لأنَّ قبلها كسرة، ثم استثقلت فقلبت الياء ألفًا، ثم قلبت الهمزة الأولى ياء لخفائها بين الألفين.
(بِمَاءِ الثَّلْجِ) بالمثلثة (وَالْبَرَدِ) بفتح الموحدة والراء هو حبُّ الغمام خصَّهما بالذِّكر مع أنَّ الماء الحار في العادة أبلغ في إزالة الوسخ؛ للإشارة إلى أنَّ الثَّلج والبرد ماءان طاهران لم تَمسَّسهما الأيدي، ولم يمتهنهما الاستعمال، فكان ذكرهما في هذا المقام أوكد في بيان ما أراده من التَّطهير
ج 26 ص 563
أشار إلى هذا الخطابي.
وقال الكرماني يحتمل أنَّه جعل الخطايا بمنزلة نار جهنم؛ لكونها مؤدِّيةٌ إليها، فعبَّر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدًا في إطفائها، وبالغ فيه باستعمال المبرَّدات ترقيًا عن الماء إلى أبرد منه وهو الثَّلج، ثمَّ إلى أبرد منه وهو البَرَد، بدليل أنَّه قد يجمد ويصير جليدًا بخلاف الثَّلج، فإنَّه قد يذوب، وقد سبق في باب (( ما يقول بعد التَّكبير ) )في أوائل (( صفة الصَّلاة ) )بالماء والثلج والبرد [خ¦744] .
قال التَّوربشتي ذَكَرَ أنواع المطهرات المنزَّلة من السَّماء التي لا يمكن حصول الطَّهارة الكاملة إلَّا بأحدها تبيانًا لأنواع المغفرة الَّتي لا يخلص من الذُّنوب إلَّا بها؛ أي طهِّرْنِي من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذُّنوب بمثابة هذه الأنواع الثَّلاثة في إزالة الأرجاس والأوضار، ورفع الجنابة والأحداث.
وقال الطيبي ويمكن أن يقال ذِكْرُ الثَّلج والبرد بعد ذكر الماء المطلوبِ منهما شمولَ أنواع الرَّحمة بعد المغفرة؛ لإطفاء حرارة النَّار الَّتي هي في غاية الحرارة؛ لأنَّ عذاب النَّار تقابله الرَّحمة فيكون التَّركيب من باب قوله متقلدًا سيفًا ورُمحًا؛ أي اغسل خطاياي بالماء؛ أي اغفرها وزد على الغفران شمول الرَّحمة.
(وَنَقِّ) بفتح النون وتشديد القاف المكسورة، أمر من نقَّى ينقي تنقية، وذكره للتَّأكيد، ومجازٌ عن إزالة الذُّنوب ومحو أثرها كالغسل (قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ) أي الوسخ، ونقَّيت بفتح المثناة الفوقية.
(وَبَاعِدْ) أي بعد (بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ) أي كتبعيدك (بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) أي حُلْ بيني وبينها حتَّى لا يبقى لها منِّي اقترابٌ بالكلية.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( والمأثم والمغرم ) )، والحديث من أفراده.
نعم قد روى التِّرمذي عن عروة، وقيَّده بالصَّلاة ولفظه (( كان يدعو في الصَّلاة ) )، ويروى أنَّه في (( الدُّعاء قبل السَّلام ) ).