فهرس الكتاب

الصفحة 9518 من 11127

6385 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَفَلَ) بقاف ثم فاء؛ أي رجع وزنًا ومعنى. ووقع عند مسلم وفي رواية علي بن عبد الله الأزدي، عن ابن عمر رضي الله عنهما من الزِّيادة في أوله (( وكان إذا استوى على بعيرهِ خارجًا إلى سفرٍ كبَّر ثلاثًا، ثمَّ قال {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} [الزخرف 13] فذكر الحديث إلى أن قال وإذا رجعَ قالهنَّ وزاد (( آيبون تائبون ) ). الحديث، وإلى هذه الرِّواية أشار المصنِّف في التَّرجمة بقوله (( إذا أراد سفرًا ) ).

(مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) ظاهر الاختصاص بهذه الثَّلاثة، وليس كذلك عند الجمهور، بل يشرعُ قول ذلك في كلِّ سفرٍ طاعة كصلة الرَّحم، وطلبِ العلم، وقيل يتعدَّى أيضًا إلى المباح؛ لأنَّ المسافر فيه لا ثوابَ له فلا يمتنعُ عليه فعل ما يحصل له الثَّواب.

وقيل يشرع في سفر المعصية أيضًا؛ لأنَّ مرتكب المعصية أحوجُ إلى تحصيل الثَّواب من غيره، وهذا التَّعليل متعقَّبٌ؛ لأنَّ الَّذي يخصُّه

ج 26 ص 584

بسفر الطَّاعة لا يمنعُ من يسافر في مباح ولا في معصية من الإكثار من ذكر الله، وإنَّما النِّزاع في خصوصِ هذا الذكر في هذا الوقت المخصوصِ، فذهب قوم إلى الاختصاص لكونها عبادات مخصوصة شرعَ لها ذكر مخصوص فيختصُّ به، كالذِّكر المأثور عقب الأذان وعقب الصَّلاة، وإنَّما اقتصرَ الصَّحابي على الثَّلاث؛ لانحصار سفر النَّبي صلى الله عليه وسلم فيها، ولهذا ترجم بالسَّفر، على أنَّه تعرَّض لما دلَّ عليه الظَّاهر، فترجمَ في أواخر (( أبواب العمرة ) )ما يقول إذا رجعَ من الغزو، أو الحج، أو العمرة [خ¦4116] .

(يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ) بفتح المعجمة والراء بعدها فاء، هو المكانُ المرتفع، ووقع عند مسلم من رواية عبد الله بن عمر العمري عن نافع بلفظ (( إذا أوفى ) )أي ارتفعَ على ثنيَّة _ بمثلثة ثم نون ثم تحتية ثقيلة _ هي العقبةُ، أو فَدفد _ بفتح الفاء بعدها دال مهملة ثم فاء ثم دال _، والأشهرُ تفسيره بالمكان المرتفعِ، وقيل هو الأرضُ المستوية، وقيل الفلاةُ الخالية من شجرٍ وغيره، وقيل غليظُ الأودية ذات الحصى.

(مِنَ الأَرْضِ ثَلاَثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ) يحتمل أن يقول عقب التَّكبير، وهو على المكان المرتفع وما بعده إن كان متَّسعًا أكمل الذِّكر المذكور فيه، وإلَّا فإذا هبطَ سبَّح كما دلَّ عليه حديث جابر رضي الله عنه، ويحتملُ أن يكملَ الذِّكر مطلقًا عقبَ التَّكبير، ثمَّ يأتي بالتَّسبيح إذا هبطَ.

قال القرطبيُّ وفي تعقيبِ التَّكبير بالتَّهليل إشارةٌ إلى أنَّه المنفرد بإيجادِ جميع الموجودات، وأنَّه المعبود في جميع الأماكن.

(لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ) بمدِّ الهمزة، جمع آيب؛ أي راجع وزنًا ومعنى، وهو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي نحنُ آيبون إلى الله تعالى، وليس المراد الإخبار بمجرَّد الرُّجوع، فإنَّه تحصيلُ الحاصل، بل الرُّجوع في حالةٍ مخصوصةٍ، وهي تلبُّسهم بالعبادة المخصوصة، والاتِّصاف بالأوصاف المذكورة وقوله

(تَائِبُونَ) فيه إشارةٌ إلى التَّقصير في العبادة، وقاله صلى الله عليه وسلم على سبيل التَّواضع، أو تعليمًا لأمَّته، أو المراد أمَّته،

ج 26 ص 585

وقد يستعملُ التَّوبة لإرادة الاستمرار على الطَّاعة، فيكون المراد أن لا يقعَ منهم ذنبٌ (عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) له، وقوله (( لربنا ) )متعلِّق لعابدون، أو لحامدون أو بهما، أو بالثلاثة السَّابقة، أو بالأربعة على طريق التَّنازع (صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ) أي فيما وعدَ به من إظهار دينه، وقوله {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً} [الفتح 20] وقوله {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} [النور 55] الآية، وهذا في سفر الغزو، ومناسبة لسفر الحج والعمرة، قوله تعالى {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ} [الفتح 27] .

(وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمدًا صلى الله عليه وسلم (وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ) أي من غير فعل أحدٍ من الآدميين، واختلف في المراد بالأحزاب هنا، فقيل هم كفَّار قريشٍ ومن وافقهم من العرب واليهود الَّذي تحزَّبوا؛ أي اجتمعوا لحربِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق، ونزلتْ في شأنهم سورة الأحزاب، وقيل المراد أعمُّ من ذلك.

وقال النَّووي المشهورُ الأول، وقيل فيه نظرٌ؛ لأنَّه يتوقَّف على أنَّ هذا الذِّكر إنَّما شرع من بعد الخندق. وأُجيب بأنَّ غزوات النَّبي صلى الله عليه وسلم التي خرج فيها بنفسه محصورةٌ، والمطابق منها لذلك غزوة الخندق؛ لظاهر قوله تعالى في سورة الأحزاب {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} [الأحزاب 25] وقوله تعالى {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب 9] الآية.

والأصل في الأحزاب أنَّه جمع حزب، وهو القطعةُ المجتمعة من النَّاس، فاللام إمَّا جنسية، والمراد كلُّ من تحزَّب من الكفَّار، وإمَّا عهديَّة فالمراد من تقدَّم وهو الأقرب.

قال القرطبيُّ ويحتمل أن يكون هذا الخبر بمعنى الدُّعاء؛ أي اللَّهمَّ اهزم الأحزاب، والأول أظهر.

ومطابقة الحديث للجزء الثَّاني من التَّرجمة ظاهرة، وأمَّا الجزء الأول من التَّرجمة فإشارةٌ إلى نحو ما وقع عند مسلم من رواية علي بن عبد الله الأزدي، عن ابن عمر رضي الله عنهما في أوله (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبر ثلاثًا وقال سبحان الَّذي سخَّر لنا هذا ) ). الحديث

ج 26 ص 586

وفيه (( وإذا رجع قالهنَّ ) )وزاد (( آيبون تائبون. .. إلى آخره ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت