فهرس الكتاب

الصفحة 9540 من 11127

6399 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) العنزي الزَّمِنُ، قال (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) بضم العين مصغَّرًا (ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) بالميم والجيم، هو أبو علي الحنفي البصري مشهورٌ من رجال الصَّحيحين. وقال الكرماني عبد الحميد _ بتقديم الحاء المهملة على الميم _ وهو خطأ، والصَّحيح هو الأول، كذا قال الحافظُ العسقلاني والعيني.

قال (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) هو ابنُ يونس، قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (أَبُو إِسْحَاقَ) هو السَّبيعي جدُّ إسرائيل (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى وَ) أخيه (أَبِي بُرْدَةَ) أي ابن أبي موسى (أَحْسِبُهُ عَنْ) أبيهما (أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) رضي الله عنه، وسقط لفظ (( الأشعري ) )في رواية أبي ذرٍّ.

(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي) بكسر الجيم (وَخَطَايَ) هكذا بالإفراد في رواية الكُشميهني، وكذا أخرجه البُخاري في «الأدب المفرد» بالسَّند الَّذي هو في الصَّحيح، وهو المناسب لقوله (( وعمدي ) )، وفي رواية غيره (( خطاياي ) )بالجمع، ويروى (( خطاي ) )بغير همز.

(وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ) المذكور (عِنْدِي) وهذا طريقٌ آخر في الحديث السَّابق، قال الحافظُ العسقلاني لم أرَ في شيء من طرقه محلُّ الدُّعاء بذلك. وقد وقع في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاة اللَّيل ) ). ووقع في حديث عليٍّ رضي الله عنه عند مسلم (( أنَّه كان يقول في آخر الصَّلاة ) ). واختلفت الرِّواية هل كان يقوله قبل السَّلام أو بعده؟ ففي رواية لمسلم (( ثمَّ يكون من آخر ما يقول بين التَّشهُّد والسَّلام اللهم اغفر لي ما قدَّمت وما أخَّرت، وما أسررت وما أسرفت وما أعلنت، وما أنت أعلم به منِّي، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر لا إله إلا أنت ) ).

وفي رواية له (( وإذا سلَّم قال اللهم اغفر لي ما قدَّمت ... إلى آخره ) )ويجمع بينهما بحمل الرواية الثَّانية

ج 26 ص 604

على إرادة السَّلام؛ لأنَّ مخرج الطَّريقين واحد. وأورده ابن حبان في «صحيحه» بلفظ (( كان إذا فرغ من الصَّلاة وسلَّم ) )وهذا ظاهرٌ في أنَّه بعد السَّلام. ويحتمل أنَّه كان يقول ذلك قبل السَّلام وبعده، ووقع في حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما نحو ذلك.

قال الطَّبري بعد أن استشكل صدور هذا الدُّعاء من النَّبي صلى الله عليه وسلم مع قوله تعالى {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح 2] ما حاصله أنَّه صلى الله عليه وسلم امتثل ما أمره الله تعالى به من تسبيحه وسؤاله المغفرة {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر 1] قال وزعم قومٌ أنَّ استغفاره عمَّا يقع بطريق السَّهو والغفلة، أو بطريق الاجتهاد ممَّا لا يصادف نفس الأمر.

وتُعُقِّب بأنَّه لو كان كذلك للزم منه أنَّ الأنبياء عليهم السَّلام يُؤاخذون بمثل ذلك، فيكونون أشدُّ حالًا من أممهم، وأُجيب بالبراءة.

وقال المحاسبي الملائكة والأنبياء أشدُّ خوفًا ممن دونهم، وخوفهم خوف إجلالٍ وإعظام، واستغفارهم من التَّقصير لا من الذَّنب المحقق.

وقال القاضي عياض يحتمل أن يكون قوله (( اغفرْ لي خطيئتي ) )، وقوله (( اغفرْ لي ما قدمت وما أخَّرت ) )على سبيل التَّواضع، والاستكانة، والخضوع، والشُّكر لربِّه لما علم أنَّه قد غفر له، وقيل هو محمولٌ على ما صدر من غفلةٍ أو سهوٍ، وقيل على ما مضى قبل النُّبوَّة، وقال قومٌ وقوع الصَّغيرة جائزٌ منهم، فيكون الاستغفار من ذلك، وقيل هو مثل ما قال بعضهم في آية الفتح {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ} [الفتح 2] أي من ذنب أبيك آدم، وما تأخَّر من ذنوب أمَّتك.

وقال القرطبي في «المفهم» وقوع الخطيئة من الأنبياء جائزٌ؛ لأنَّهم مكلفون، فيخافون وقوع ذلك ويتعوَّذون منه، وقيل قاله على سبيل التَّواضع والخضوع لحق الرُّبوبيَّة؛ ليُقتدى به في ذلك.

تكميل نقل الكرماني تبعًا لمغلطاي عن القرافي أنَّ قول القائل في دعائه (( اللَّهمَّ اغفر لجميع المسلمين ) )دعاء بالمُحال؛ لأنَّ صاحبَ الكبيرة قد يدخل النَّار، ودخول النَّار ينافي

ج 26 ص 605

الغفران، وتُعُقِّب بالمنع، وأنَّ المنافي للغفران التَّخليد في النَّار، وأمَّا الإخراج بالشَّفاعة أو العفو فهو غفرانٌ في الجملة.

وتُعُقِّب أيضًا بالمعارضة بقول نوح عليه السَّلام {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [نوح 28] وقال إبراهيم عليه السَّلام {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم 41] وأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أُمِر بذلك في قوله تعالى {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد 19] .

والتَّحقيق أنَّ السُّؤال بلفظ التَّعميم لا يستلزم طلب ذلك لكلِّ فردٍ بطريق التَّعيين، فلعلَّ مراد القرافي منع ما يشعر بذلك لا منع أصل الدُّعاء بذلك.

قال الحافظُ العسقلاني لا يظهر لي ذكر هذه المسألة في هذا الباب.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ وجه المناسبة في ذلك أظهر من كلِّ شيءٍ، وقد يظهر لغيره من أصحاب التَّحقيق ما لم يظهر له لقصور تأمله، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت