فهرس الكتاب

الصفحة 9560 من 11127

6410 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المدينيُّ، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عُيينة (قَالَ حَفِظْنَاهُ) أي الحديث (مِنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان، وفي رواية الحميديِّ في «مسنده» عن سفيان (( حدَّثنا أبو الزِّناد ) ) (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) حال كونه (رِوَايَةً) أي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعند الحميديِّ (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )، وكذا في رواية مسلم عن عَمرو النَّاقد عن سفيان، وللبخاريِّ في «التَّوحيد» من رواية شعيب عن أبي الزِّناد بسنده (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) [خ¦7392] .

(قَالَ لِلَّهِ) عزَّ وجلَّ (تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا) بالنَّصب على التمييز، و «تسعةٌ» مبتدأ قُدِّم خبره (مِائَةٌ) رفعٌ على البدل (إِلاَّ وَاحِدًا) بالتَّذكير، وفي رواية أبي ذرٍّ بالتَّأنيث.

قال ابن بطَّال ولا يجوز في العربية، ووجهها ابنُ مالك باعتبار معنى التَّسمية أو الصِّفة أو الكلمة، وذكر هذه الجملة لأن يتقرَّر ذلك في نفس السَّامع جمعًا بين جهة الإجمال والتَّفصيل، ودفعًا للتَّصحيف خطًا لاشتباه تسعة وتسعين بسبعةٍ وسبعين.

وقال في «فتوح الغيب» قوله (( مائةٌ إلَّا واحدًا ) )، تأكيدًا وفذلكةً؛ لئلَّا يزاد على ما ورد كقوله تعالى {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة 196] .

(لاَ يَحْفَظُهَا) أي لا يقرأها (أَحَدٌ) عن ظهر قلبه، فيكون كنايةً، والحفظُ يستلزم التِّكرار؛ أي تكرار مجموعها، كذا رواه علي بن المدينيِّ ووافقه الحميديُّ وكذا عَمرو النَّاقد عند مسلم. وقال ابن أبي عمر، عن سفيان (( من أحصاها ) )أخرجه مسلم والإسماعيلي من طريقه، وكذا قال شعبة عن أبي الزِّناد كما تقدَّم في «الشُّرط» [خ¦2736] ، ويأتي في «التَّوحيد» [خ¦7392] .

قال الخطَّابي الإحصاء في هذا يحتمل وجوهًا

أحدها أن يعدَّها حتَّى يستوفيها يريد أن لا يقتصرَ على بعضها

ج 27 ص 28

لكن يدعو الله بكلِّها ويثني عليه بجميعها، فيستوجبُ الموعود عليها من الثَّواب.

ثانيها المراد بالإحصاءِ الإطاقة كقوله تعالى {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} [المزمل 20] . ومنه حديث (( استقيموا ولن تحصوا ) )أي تبلغوا كُنْه الاستقامة، والمعنى من أطاقَ القيام بحقوق هذه الأسماء والعملِ بمقتضاها، وهو أن يعتبرَ معانيها فيلزم نفسه بواجبها، فإذا قال الرَّزَّاق، وَثِق بالرِّزق، وكذا سائر الأسماء.

ثالثها المراد الإحاطةُ بمعانيها من قول العرب فلانٌ ذو حصاة؛ أي ذو عقلٍ ومعرفةٍ، انتهى ملخصًا.

وقال القرطبيُّ المرجوُّ من كرم الله تعالى أنَّ من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحَّة النِّيَّة أن يدخله الله الجنَّة، وهذه المراتب الثَّلاثة للسَّابقين والصِّدِّيقين وأصحاب اليمين.

وقال غيره معنى أحصاهَا عرفها؛ لأنَّ العارف بها لا يكون إلَّا مؤمنًا والمؤمن يدخل الجنَّة، وقيل معناه اعتقدها؛ لأنَّ الدَّهري لا يعترفُ بالخالق، والفلسفي لا يعترفُ بالقادر، وقيل أحصاها يريد بها وجه الله تعالى وإعظامه، وقيل معنى أحصاها عمل بها، فإذا قال الحكيم، سلَّم لجميع أوامره؛ لأنَّ جميعها على مقتضى الحكمة، وإذا قال القدُّوس، استحضر كونه منزَّهًا عن جميع النَّقائص، وهذا اختيار أبي الوفاء ابن عقيل.

وقال ابن بطَّال طريق العمل بها أنَّ الَّذي يسوغ الاقتداء به فيها كالرَّحيم والكريم، فإنَّ الله يحبُّ أن يرى حلاها على عبدهِ، فليمرِّن العبد نفسه على أن يصحَّ له الاتِّصاف بها، وما كان يختصُّ بالله تعالى كالجبَّار والعظيم فيجبُ على العبد الإقرار بها والخضوع لها وعدم التَّحلي بصفةٍ منها، وما كان فيه معنى الوعد يقفُ فيه عند الطَّمع والرَّغبة، وما كان فيه معنى الوعيد يقفُ منه عند الخشية والرَّهبة، فهذا معنى أحصاها وحفظها. ويؤيِّده أنَّ من حفظها عدًّا أو أحصاها سردًا ولم يعمل بها يكون كمن حفظَ القرآن ولم يعمل بما فيه، وقد ثبتَ الخبر في الخوارج (( أنَّهم يقرؤون القرآن ولا يجاوزُ حناجرهم ) ) [خ¦3344] .

قال الحافظ العسقلانيُّ والَّذي ذكره مقام الكمال، ولا يلزم من ذلك أن لا يَرِد الثَّواب

ج 27 ص 29

لمن حفظها وتعبَّد بتلاوتها والدُّعاء بها، وإن كان متلبِّسًا بمعصيةٍ غير ما يتعلَّق بالقراءة بل يُثاب على تلاوته عند أهل السُّنَّة، فليس ما بحثه ابن بطَّالٍ بدافعٍ قول من قال إنَّ المراد حفظها سردًا، والله أعلم.

قال النَّووي قال البخاريُّ وغيره من المحقِّقين معناها حفظَها، وهذا هو الأظهرُ لثبوته نصًّا في الخبر. وقال في «الأذكار» وهو قول الأكثرين، وقال ابن الجزريِّ لما ثبت في طرق الحديث (( من حفظها ) )بدل (( أحصاها ) )أخبر بأنَّ المراد العد؛ أي من عدَّها ليستوفيها حفظًا.

قال الحافظ العسقلانيُّ فيه نظرٌ بل يحتملُ الحفظ المعنوي، وقيل المراد بالحفظِ حفظ القرآن لكونه مستوفيًا فمَن تلاه ودعا بما فيه من الأسماء حصلَ المقصود. قال النَّووي وهذا ضعيفٌ، وقيل المرادُ مَنْ تتبَّعها من القرآن. وقال ابنُ عطيَّة معنى أحصاها عدَّها وحفظها، ويتضمَّن ذلك الإيمان بها والتَّعظيم لها والرَّغبة فيها والاعتناء بمعانيها.

وقال الأَصيليُّ ليس المراد بالإحصاء عدَّها فقط؛ لأنَّه قد يعدُّها الفاجر، وإنَّما المراد العمل بها. وقال أبو نُعيم الأصبهاني الإحصاءُ المذكور في الحديث ليس هو التِّعداد، وإنَّما هو العلمُ والعقل بمعاني الأسماء والإيمان بها.

وقال أبو عَمرو الطَّلمنكي من تمام المعرفةِ بأسماء الله تعالى وصفاته الَّتي يستحقُّ بها الدَّاعي والحافظ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المعرفة بالأسماء والصِّفات وما تتضمَّن من الفوائد، وتدلُّ عليه من الحقائق، وما لم يعلم ذلك فليس عالمًا لمعاني الأسماء ولا مستفيدًا بذكرها ما يدلُّ عليه من المعاني.

وقال أبو العبَّاس بن مَعْدٍ وللإحصاء معانٍ أُخر منها الإحصاء الفقهيُّ وهو العلم بمعانيها من اللُّغة، وتنزيلها على الوجوه الَّتي تحتملها الشَّريعة، ومنها الإحصاء النَّظري وهو أن يعلمَ معنى كلِّ اسمٍ بالنَّظر في الصَّنعة، ويستدلُّ عليه بأثره السَّاري في الوجود، فلا تمرُّ على موجودٍ إلَّا ويظهر لك فيه معنى من معاني تلك الأسماء، وتعرف خواصَّ بعضها وتجري بمقتضى كلِّ اسمٍ، قال وهذا أرفعُ مراتب الإحصاء قال وتمام ذلك أن تتوجَّه إلى الله تعالى من العمل الظَّاهر والباطن بما يقتضيه كلُّ اسمٍ من الأسماء، فتعبد الله بما يستحقُّه من الصِّفات المقدَّسة الَّتي وجبت لذاتهِ، قال فمَن حصلتْ له جميع مراتب الإحصاء حصلَ على الغاية، ومن منحَ منحًا من مباحثها، فثوابه بقدرهَا، قال والله سبحانه وتعالى أعلم.

(إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ) ذكر الجزاء بلفظ الماضي تحقيقًا لوقوعه وتنبيهًا على أنَّه وإن لم يقع فهو في حكم الواقع؛ لأنَّه كائنٌ لا محالة (وَهْوَ) تعالى (وِتْرٌ) بفتح الواو وكسرها وقُرئ بهما؛ أي فردٌ، ومعناه في حقِّ الله تعالى أنَّه الواحد الَّذي لا نظير له في ذاتهِ ولا انقسام (يُحِبُّ الْوَتْرَ) من كلِّ شيءٍ، أو في كلِّ وترٍ شرعه وأثاب عليه.

قال القاضي عياض معناه أنَّ للوتر في العددِ فضلًا على الشَّفع في أسمائه؛ لكونه أدلُّ على الوحدانيَّة في صفاته. وتعقِّب بأنَّه لو كان المراد به الدَّلالة على الوحدانيَّة لما تعدَّدت الأسماء، بل المراد أنَّ الله يحبُّ الوتر من كلِّ شيءٍ، وإن تعدَّد ما فيه الوترُ.

وقال التُّوربشتي أي يثيبُ على العمل الَّذي أُتِيَ به وترًا، ويقبل من عامله لما فيه من التَّنبيه على معاني الفردانيَّة قلبًا ولسانًا وإيمانًا وإخلاصًا، ثمَّ إنَّه أدعى إلى معاني التَّوحيد، وقيل هو منصرفٌ إلى من يعبد الله بالوحدانيَّة والتَّفرد على سبيل الإخلاص، وقيل لأنَّه أمر بالوتر في كثيرٍ من الأعمال والطَّاعات كما في الصَّلوات الخمس ووتر اللَّيل وأعداد الطَّهارة والطَّواف سبعًا وتكفين الميِّت، وفي كثيرٍ من المخلوقات كالسَّماوات والأرض.

وقال القرطبيُّ الظَّاهر أنَّ الوتر هنا للجنس إذ لا معهود جرى ذكره حتَّى يُحمل عليه، فيكون معناه إنَّه وترٌ [يحب كل وتر] شرعه، ومعنى محبَّته له أنَّه أمر به وأثاب عليه، ويصلحُ ذلك لعموم ما خلقه وترًا من مخلوقاته أو معنى محبَّته له أنَّه خصَّصه بذلك لحكمةٍ يعلمها، ويُحتمل أن يريدَ بذلك وترًا بعينه

ج 27 ص 30

وإن لم يجرِ له ذكر. ثمَّ اختلف فقيل المراد صلاة الوتر، وقيل صلاة الجمعة، وقيل يوم عرفة، وقيل آدم، وقيل غير ذلك قال والأشبه ما تقدَّم من حملهِ على العموم.

قال ويظهر لي وجهٌ آخر، وهو أنَّ الوترَ يُراد به التَّوحيد؛ أي أن يوحَّد ويعتَقدَ انفراده بالألوهيَّة دون خلقه، فيلتئم أوَّل الحديث وآخره، والله أعلم انتهى.

وقال الحافظ العسقلانيُّ لعلَّ مَنْ حَمَلَه على صلاة الوتر استند إلى حديث عليٍّ رضي الله عنه أنَّ الوتر ليس بحتمٍ كالمكتوبة، ولكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتر ثمَّ قال (( أوتروا يا أهلَ القرآن فإنَّ الله وترٌ يحبُّ الوتر ) )أخرجوه في السُّنن الأربعة وصحَّحه ابن خُزيمة واللَّفظ له، فعلى هذا التَّأويل تكون اللَّام في هذا الخبر للعهد؛ لتقدُّم ذكر الوتر المأمور به، لكن لا يلزم أن يحملَ الحديث الآخر على هذا بل العموم فيه أظهرُ كما أنَّ العموم في حديث عليٍّ رضي الله عنه محتمل أيضًا.

وقد طعنَ أبو زيدٍ البلخي في صحَّة الخبر بأنَّ دخول الجنَّة ثبت في القرآن مشروطًا ببذل النَّفس والمال فكيف يحصل بمجرَّد حفظ ألفاظ تعدُّ في أيسر مدَّةٍ؟ وتعقِّب بأنَّ الشَّرط المذكور ليس مطَّردًا ولا حصر فيه، بل قد يحصل الجنَّة بغير ذلك، كما ورد في كثيرٍ من الأعمال غير الجهاد أنَّ فاعله يدخل الجنَّة.

وأمَّا دعوى أنَّ حفظها يحصلُ في أيسر مدَّةٍ، فإنَّما يَرِدُ على مَن حمل الحفظَ والإحصاء على معنى أن يسردَهَا عن ظهرِ القلب، فأمَّا من أوَّله على بعضِ الوجوه المتقدِّمة فإنَّه يكون في غاية من المشقَّة، ويمكن الجواب عن الأوَّل بأنَّ الفضل واسعٌ.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلم في الدَّعوات، وأخرجه التِّرمذي فيه أيضًا ولفظه (( إنَّ لله تسعةٌ وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنَّة هو الله الَّذي لا إله إلَّا هو الرَّحمن الرَّحيم ... ) )الحديث وعدَّها كلَّها، ثمَّ قال هذا حديثٌ غريبٌ. ولم يقع في شيءٍ من طرق الحديث سرد الأسماء إلَّا في رواية الوليد عند التِّرمذي، وفي رواية زهيرٍ بن محمد عن موسى بن عقبة عند ابن ماجه، والطَّريقان يرجعان إلى رواية

ج 27 ص 31

الأعرج وفيها اختلافٌ شديدٌ في سرد الأسماء والزِّيادة والنَّقص.

ووقع سرد الأسماء أيضًا في طريقٍ ثالثةٍ أخرجها الحاكم في «المستدرك» ، وجعفر الفريابي في «الذكر» من طريق عبد العزيز بن الحصين عن أيُّوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه، واختلف العلماء في سردِ الأسماء هل هو مرفوعٌ أو مدرجٌ في الخبر من بعض الرُّواة؟ فمشى كثيرٌ منهم على الأوَّل واستدلُّوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يَرِد في القرآن بصيغة الاسم؛ لأنَّ كثيرًا من هذه الأسماء كذلك، وذهب آخرون إلى أنَّ التَّعيين مدرجٌ لخلوِّ أكثر الرِّوايات عنه ونقله عبد العزيز النَّخشبي عن كثيرٍ من العلماء.

قال الحاكم بعد تخريج الحديث من طريق صفوان بن صالحٍ عن الوليد بن مسلم صحيحٌ على شرط الشَّيخين ولم يخرجاه بسياق الأسماء، والعلَّة فيه عندهما تفرَّد الوليد بن مسلم، قال ولا أعلم خلافًا عند أهل الحديث أنَّ الوليد أوثقُ وأحفظُ وأجل وأعلم من بشير بن شُعيبٍ وعليِّ بن عبَّاسٍ وغيرهما من أصحاب شعيب يشير إلى أنَّ بشيرًا وعليًّا وأبا اليمان رووه عن شُعيب بدون سياق الأسماء، ورواية بشير عند البيهقيِّ، وليست العلَّة عند الشيخين تفرَّد الوليد فقط بل الاختلاف عليه والاضطراب وتدليسه واحتمال الإدراج.

وقال البيهقيُّ يحتمل أن يكون التَّعيين وقع من بعض الرُّواة في الطَّريقين معًا، ولهذا وقع الاختلاف الشَّديد بينهما، ولهذا الاحتمال ترك الشَّيخان تخريج التَّعيين.

وقال التِّرمذي بعد أن أخرجَه من طريق الوليد هذا حديثٌ غريبٌ، حدَّثنا به غير واحدٍ عن صفوان ولا نعرفه إلَّا من حديث صفوان، وهو ثقةٌ. وقد روي من وجهٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولا نعلم في كثير شيءٍ من الرِّوايات ذكر الأسماء إلَّا في هذه الطَّريق، وقد روي بإسنادٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه ذكر الأسماء وليس له إسنادٌ صحيحٌ، انتهى.

وقد أطال الحافظ العسقلانيُّ [1] في هذا الباب

ج 27 ص 32

إلى أن قال وإذا تقرَّر رجحان أنَّ سردَ الأسماء ليس مرفوعًا فقد اعتنى جماعةٌ بتتبُّعها من القرآن من غير تقييدٍ بعددٍ، فروِّينا في كتاب «المائتين» لأبي عثمان الصَّابوني بسنده إلى محمد بن يحيى الذُّهلي أنَّه استخرجَ الأسماء من القرآن.

وكذا أخرج أبو نُعيمٍ عن الطَّبراني عن أحمد بن عَمرو الخلال عن ابن أبي عمر حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين سألتُ أبي جعفرَ بن محمد الصَّادق عن الأسماء الحسنى، فقال هي في القرآن.

قال وروِّينا في «فوائد تمام» من طريق أبي الطَّاهر بن السَّرَّاج عن حبَّان بن نافع عن سفيان بن عيينة الحديث يعني (( إنَّ لله تسعة وتسعين اسمًا ) )قال فوعدنا سفيان أن يخرجَها من القرآن فأبطأ فأتينا أبا زيدٍ فأخرجها لنا فعرضناهَا على سفيان فنظر فيها أربع مرَّاتٍ، وقال نعم هي هذه، وقد سردها سورة فسورة، وبيَّن الاختلاف فيها، طوينا ذكرها خوفًا من الإملال.

وقال الغزاليُّ في «شرح الأسماء» له لا أعرفُ أحدًا من العلماء عني بطلب الأسماء وجمعها سوى رجلٌ من حفَّاظ العرب يقال له علي بن حزمٍ، فإنَّه قال صحَّ عندي قريبٌ من ثمانين اسمًا يشتمل عليها كتاب الله والصِّحاح من الأخبار فليطلب البقيَّة من الأخبار الصَّحيحة.

قال الغزاليُّ وأظنُّه لم يبلغْه الحديث يعني الَّذي أخرجه التِّرمذي أو بلغه، واستضعف إسناده.

قال الحافظ العسقلانيُّ الثَّاني هو مراده فإنَّه ذكر نحو ذلك، وقال الأحاديث الواردة في سرد الأسماء ضعيفةٌ لا يصحُّ منها شيءٌ أصلًا، وجميع ما تتبَّعه من القرآن ثمانية وستُّون، فإنَّه اقتصرَ على ما ورد فيه بصورة الاسم لا ما يُؤخذ من الاشتقاق كالباقي من قوله تعالى {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن 27] ولا ما ورد مضافًا كالبديع من قوله تعالى {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة 117] .

وقد استَضعفَ الحديث أيضًا جماعةٌ فقال الدَّاودي لم يثبت أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم عيَّن الأسماء المذكورة.

ثمَّ إنَّه قد اختلف في هذا العدد هل المراد به حصر الأسماء الحسنى في هذه العدة، أو أنَّها أكثر من ذلك، ولكن اختصَّت بأنَّ من أحصاها دخل الجنَّة، فذهب

ج 27 ص 33

الجمهور إلى الثَّاني، ونقل النَّووي اتِّفاق العلماء عليه، فقال ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى فيه وليس معناه أنَّه ليس له اسمٌ غير هذه التِّسعة والتِّسعين، وإنَّما مقصود الحديث أنَّ هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنَّة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنَّة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء فيها، ويؤيِّده قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه الَّذي أخرجه أحمد وصحَّحه ابن حبَّان (( أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك سمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ) ). وعند مالك عن كعب الأحبار في دعاءٍ (( وأسألك بأسمائك الحسنى كلِّها ما علمتُ منها وما لم أعلم ) )، وأورد الطَّبري عن قتادة نحوه. ومن حديث عائشة رضي الله عنها أنَّها دعت بحضرة النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وسيأتي في الكلام على الاسم الأعظم.

وقال الخطَّابي في هذا الحديث إثبات هذه الأسماء المخصوصة بهذا العدد، وليس فيه منع ما عداها من الزِّيادة، وإنَّما التَّخصيص لكونها أكثر الأسماء وأثبتها مَعاني، وخبر المبتدأ في الحديث هو قوله (( من أحصاهَا ) )لا قوله (( لله ) )، وهو كقولك ولزيدٍ ألف درهمٍ أعدَّها للصَّدقة، أو لعمر مائة ثوب من زاره ألبسه إيَّاها، وقال القرطبيُّ في «المفهم» نحو ذلك.

ونقل ابن بطَّال عن القاضي أبي بكر ابن الطيِّب قال ليس في الحديث دليلٌ على أنَّه ليس لله من الأسماء إلَّا هذه العدة، وإنَّما معنى الحديث أنَّ من أحصاها دخل الجنَّة، فيدلُّ على عدم الحصر أنَّ أكثرها صفات، وصفاتُ الله تعالى لا تتناهَى. وقيل إنَّ المراد الدُّعاء بهذه الأسماء، وأنَّ الحديث مبنيٌّ على قوله {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف 180] فذكر النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّها تسعة وتسعون فيدعى بها ولا يدعى بغيرها حكاهُ ابن بطَّال عن المهلَّب.

قال الحافظ العسقلانيُّ وفيه نظرٌ؛ لأنَّه ثبت في أخبارٍ صحيحة الدُّعاء بكثيرٍ من الأسماء الَّتي لم ترد في القرآن،

ج 27 ص 34

كما في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما في «قيام اللَّيل» [خ¦1120] (( أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر ) )وغير ذلك وفيه نظرٌ.

وقال الفخر الرَّازي لمَّا كانت الأسماء من الصِّفات، وهي إمَّا ثبوتيَّة حقيقية كالحي، أو إضافية كالعظيم، وإمَّا سلبيَّة كالقدُّوس، وإمَّا حقيقية وإضافية [كالقدير، أو من سلبية كالأول والآخر، وإما من حقيقيه وإضافية] كما الفتح وعنه ينقل المؤلف وسلبية كالملك والشَّكور وهي غير متناهيةٍ، لأنَّه عالمٌ بلا نهايةٍ، قادرٌ على ما لا نهاية له، فيلزم أن لا يمتنعَ أن يكون له أسماء لا نهاية لها.

وحكى القاضي أبو بكرٍ ابن العربي عن بعضهم أنَّ لله ألف اسمٍ، قال ابنُ العربي وهذا قليل فيها. ونقل الفخر الرَّازي أنَّ لله أربعة آلاف اسمٍ استأثرَ الله بعلم ألفٍ منها، وأعلم الملائكة بالبقيَّة، والأنبياء بألفين منها، وسائر النَّاس بألف، وهذه دعوى تحتاج إلى دليلٍ، والله تعالى أعلم.

ثمَّ الحكمة في القصر على العدد المخصوص، فذكر الفخر الرَّازي أنَّه تعبُّد لا يعقل معناه كما قيل في عدد الصَّلوات وغيرها، وقيل الحكمة فيه أنَّ معنى الأسماء ولو كانت كثيرةً جدًا موجود في التِّسعة والتِّسعين، وقيل الحكمة فيه أنَّ العدد زوجٌ وفرد، والفرد أفضل من الزَّوج، ومنتهى الأفراد من غير تكرارٍ تسعة وتسعون؛ لأنَّ مائة وواحدًا يتكرَّر فيه الواحد، وإنَّما كان الفردُ أفضل من الزَّوج؛ لأنَّ الوتر أفضل من الشَّفع؛ لأنَّ الوتر صفةٌ من صفات الخالق، والشَّفع من صفة المخلوق، والشَّفع يحتاجُ إلى الوتر من غير عكسٍ، وقيل الكمال في العدد حاصلٌ في المائة؛ لأنَّ الأعداد ثلاثة أجناسٍ آحاد وعشرات ومئات والألف مبتدأ لآحاد أُخر فأسماءُ الله تعالى مائة استأثرَ الله منها بواحدٍ، وهو الاسمُ الأعظم فلم يطلع عليه أحدًا، فكأنَّه قيل مائة لكن واحد منها عند الله.

وجزم السُّهيلي بأنَّ الأسماء الحسنى مائة على عددِ درجات الجنَّة، والَّذي يكمِّل المائة الله، ويؤيِّده قوله تعالى {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف 180] فالتِّسعة والتِّسعون لله، فهي زائدةٌ عليه وبه يكملُ المائة.

واستدلَّ بهذا الحديث أبو القاسم القُشيري على أنَّ الاسم هو المسمَّى إذ لو كان غيره لكانت الأسماء لغيره، وقال غيره إذا كان الاسم غير المسمَّى لزم من قوله (( لله تسعةٌ وتسعون اسمًا ) )الحكم بتعدُّد الآلهة.

والجواب أنَّ المراد من الاسم هنا اللَّفظ، ولا خلاف

ج 27 ص 35

في ورودِ الاسم بهذا المعنى، إنَّما النِّزاع في أنَّه هل يطلقُ ويُراد به المسمَّى عينه، ولا يلزم من تعدُّد الأسماء تعدد المسمَّى.

وجوابٌ آخر أنَّ كل واحدٍ من الألفاظ المطلقة على الله تعالى يدلُّ على ذاته باعتبار صفةٍ حقيقية أو غير حقيقيَّة، وذلك يستدعي التَّعدد في الاعتبارات والصِّفات دون الذَّات ولا استحالة في ذلك، ثمَّ قال ذلك المستدلُّ والمَخْلَص من ذلك أنَّ المرادَ بالاسم هنا التَّسمية.

وقال الفخر الرَّازي المشهور من قول أصحابنا أنَّ الاسمَ نفس المسمَّى وغير التَّسمية، وعند المعتزلة الاسم نفس التَّسمية وغير المسمَّى، واختار الغزالي أنَّ الثَّلاثة أمور متنافيةٌ، وهو الحقُّ عندي، لأنَّ الاسم إن كان عبارة عن اللَّفظ الدَّال على الشَّيء بالوضع، وكان المسمَّى عبارةٌ عن نفس ذلك الشَّيء، فالعلم الضَّروري حاصلٌ بأنَّ الاسم غير المسمَّى، وهذا ممَّا لا يمكن وقوع النِّزاع فيه.

وقال أبو العبَّاس القرطبي في «المفهم» الاسم في العرف العام هو الكلمة الدَّالة على شيءٍ وبهذا الاعتبار لا فرقَ بين الاسم والفعل والحرف، إذ كلُّ واحدٍ منها يصدق عليه ذلك، وإنَّما التَّفرقة بينها باصطلاح النُّحاة وليس ذلك من غرض البحث هنا، وإذا تقرَّر هذا عُرف غلطُ من قال إنَّ الاسم هو المسمَّى حقيقةً كما زعم بعضُ الجهلة وألزمَ ليست أنَّ من قال نارٌ احترقَ، فلم يقدر على التَّخلص من ذلك.

وأمَّا من قال إنَّ الاسم هو المسمَّى، فمرادُهُ أنَّه هو من حيث لا يدلُّ إلَّا عليه ولا يُقصَد به إلَّا هو فإن كان ذلك الاسم [من الأسماء الدالة على ذات المسمى دل عليها من غير مزيدًا مرٍ آخر، وإن كان] [2] من الأسماء الدَّالة على معنى زائد على الذَّات دلَّ على أنَّ تلك الذَّات منسوبة إلى ذلك الزَّائد خاصَّةً دون غيره، وبيان ذلك أنَّك إذا قلتَ زيد مثلًا فهو يدلُّ على ذاتٍ مشخَّصة في الوجود من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ، فإذا قلت العالم دلَّ على أنَّ تلك الذَّات منسوبة إلى العلم، ومن هذا صحَّ عقلًا أن تتكثَّر الأسماء المختلفة على ذاتٍ واحدةٍ، ولا يوجبُ تعددًا فيها ولا تكثيرًا، قال وقد خفيَ هذا على بعضِهم ففرَّ منه هربًا من لزوم تعدُّد في ذات الله تعالى، فقال إنَّ المرادَ بالاسم

ج 27 ص 36

التَّسمية، ورأى أنَّ هذا مخلصه من التَّكثُّر، وهذا فرارٌ من مفرٍّ إلى غير مفر، وذلك أنَّ التَّسمية إنَّما هي وضع الاسم وذكر الاسم فهي نسبة الاسم إلى مسمَّاه، فإذا قلنا لفلان تسميتان اقتضى أنَّ له اسمين تنسبهما إليه فبقي الإلزام على حالهِ من ارتكاب التَّعسف.

ثمَّ قال القرطبيُّ وقد يقال إنَّ الاسم هو المسمَّى على إرادة أنَّ هذه الكلمة الَّتي هي الاسم يُطلق ويراد بها المسمَّى، كما قيل ذلك في قوله تعالى {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} [الأعلى 1] فأريد بالاسم المسمَّى، وقال غيره التَّحقيق في ذلك أنَّك إذا سمَّيت شيئًا باسمٍ فالنَّظر في ثلاثة أشياء ذلك الاسم، وهو اللَّفظ [ومعناه قبل التسمية، ومعناه بعدها، وهو الذات التي أطلق عليها اللفظ، واللفظ] والذَّات وهما متغايران قطعًا، والخلاف في الأمر الثَّالث وهو معنى اللَّفظ قبل التَّلقيب فالمتكلِّمون يطلقون الاسم عليه، ثمَّ يختلفون في أنَّه الثَّالث أو لا، فالخلافُ حينئذٍ إنَّما هو في الاسم المعنوي هل هو المسمَّى أولًا لا في الاسم اللَّفظي، والنَّحويُّ لا يُطلق الاسم على غير اللَّفظ؛ لأنَّه محطُّ صناعتهِ والمتكلِّم لا ينازعه في ذلك، ومثال ذلك أنَّك إذا قلتَ جعفر لقُبه أنفُ النَّاقة، فالنَّحوي [يريد] باللَّقب لفظ أنف النَّاقة، والمتكلِّم يريد معناه وهو ما يُفهم منه من مدحٍ أو ذمٍّ، ولا يمنع ذلك قول النَّحوي اللَّقب لفظٌ يشعر بضَعَةٍ أو رفعةٍ؛ لأنَّ اللَّفظ يشعر بذلك لدَلالته على المعنى، والمعنى في الحقيقة هو المقتضي للصَّنعة والرَّفعة وذاتُ جعفر هي الملقَّبة عند الفريقين، وبهذا يظهرُ أنَّ الخلاف في أنَّ الاسم هو المسمَّى أو غيره خاصٌّ بأسماء الأعلام المشتقَّة.

ثمَّ قال القرطبيُّ فأسماء الله تعالى وإن تعدَّدت فلا تعدُّد في ذاته ولا تركيب لا محسوسًا كالجسيمات ولا عقليًّا كالمجردات [3] ، وإنَّما تعدَّدت الأسماء بحسب الاعتبارات الزَّائدة على الذَّات، فأسماء الله تعالى على أربعة أقسام

الأوَّل ما يدلُّ على ذاتٍ مجرَّدة كالجلالة، فإنَّه يدلُّ عليه دَلالةٌ مطلقةٌ غير مقيَّدة، وبه يُعرف جميع أسمائه، يُقال مثلًا الرَّحمن من أسماء الله تعالى، ولا يقال الله من أسماء الرَّحمن، ولهذا كان الأصح أنَّه اسم علمٍ غير مشتقٍّ وليس

ج 27 ص 37

بصفةٍ.

الثَّاني ما يدلُّ على الصِّفات الثَّابتة للذَّات كالعليمِ والقدير والسَّميع والبصير.

الثَّالث ما يدلُّ على إضافة أمرٍ ما إليه كالخالق والرَّازق.

الرَّابع ما يدلُّ على سلب شيءٍ عنه كالعليِّ والقدُّوس وهذه الأقسام الأربعة منحصرةٌ في النَّفي والإثبات.

ثمَّ إنَّه قد اختلف في الأسماء الحسنى هل هي توقيفيَّة بمعنى أنَّه لا يجوز لأحدٍ أن يشتقَّ من الأفعال الثَّابتة لله تعالى أسماء إلَّا إذا ورد نصٌّ بها في الكتاب أو السُّنة؟

فقال الإمام فخر الدِّين المشهور عن أصحابنا أنَّها توقيفيَّة، وقالت المعتزلة والكراميَّة إذا دلَّ العقلُ على أنَّ معنى اللَّفظ ثابتٌ في حقِّ الله تعالى جاز إطلاقه على الله تعالى. وقال القاضي أبو بكر والغزالي الأسماء توقيفيَّة دون الصِّفات، قال وهذا هو المختار، واحتجَّ الغزالي بالاتِّفاق على أنَّه لا يجوز لنا أن نسمِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمٍ لم يسمِّه به أبوه ولا سمَّى به نفسه، وكذا كلُّ كبير من الخلق، قال فإذا امتنع ذلك في المخلوق فامتناعه في حقِّ الله أولى.

واتَّفقوا على أنَّه لا يجوز أن يُطلق عليه اسمٌ ولا صفةٌ يوهم نقصًا، ولو ورد ذلك نصًّا، فلا يقال له ماهد ولا زارع ولا فالق ولا نحو ذلك، وإن ثبتَ في قوله {فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} [الذاريات 48] ، {أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة 64] ، {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام 95] ونحوها، ولا يقال له ماكر ولا بنَّاء، وإن ورد {وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران 54] ، {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا} [الذاريات 47] .

وقال الشَّيخ أبو القاسم القشيري في كتاب «مفاتيح الحجج ومصابيح النهج» أسماء الله تعالى تؤخذ توفيفًا من الكتاب والسُّنة والإجماع، فكلُّ اسمٍ ورد به نصٌّ في هذه الأصول وجبَ إطلاقه في وصفه تعالى، وما لا يردُ فيها لا يجوز إطلاقه في وصفه وإن صحَّ معناه.

وقال أبو إسحاق الزَّجَّاج لا يجوز لأحدٍ أن يدعو الله تعالى بما لا يصف به نفسه، ويقول يا رحيم لا يا رفيق، ويقول يا قوي لا يا جليد، والضَّابط أنَّ كل ما أذن الشَّرع أن يُدعى به سواء كان مشتقًّا أو غير مشتقٍّ فهو من أسمائه، وكلُّ ما جاز أن ينسب إليه سواء كان ممَّا يدخله التَّأويل أو لا

ج 27 ص 38

فهو من صفاته ويطلق عليه اسمًا أيضًا.

وقال الإمام قال أصحابنا ليس كلُّ ما صحَّ معناه جاز إطلاقه عليه سبحانه وتعالى، فإنَّه الخالق للأشياء كلِّها ولا يجوز أن يقال يا خالق الذِّئب والقردة، وورد {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة 31] ، {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء 113] ولا يجوز يا معلِّم قال ولا يجوز عندي يا محبُّ، وقد ورد {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة 54] .

فإن قيل ما ورد في «شرح السنة» عن أبي أميَّة قال إنَّه رأى الَّذي بظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال دعني أعالجه فإنِّي طبيب، فقال (( أنت رقيقٌ والله هو الطَّبيب ) )هل هو إذن منه صلى الله عليه وسلم [في تسمية الله تعالى] بالطَّبيب؟ فالجواب لا لوقوعه مقابلًا لقوله إنِّي طبيب مشاكلةً، وطباقًا للجواب على السُّؤال كقوله تعالى {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة 116] .

وقال الحَليميُّ الأسماء الحسنى تنقسمُ إلى العقائد الخمس

الأولى إثباتُ الباري ردًّا على المعطِّلين وهو الحيُّ والباقي والوارث وما في معناها.

الثَّانية توحيده ردًّا على المشركين، وهي الكافي والعليُّ والقادر ونحوها.

الثَّالثة تنزيهه ردًّا على المشبَّهة وهي القدُّوس والمجيد والمحيط وغيرها.

الرَّابعة اعتقاد أنَّ كلَّ موجودٍ من اختراعهِ على القول بالعلَّة والمعلولِ، وهي الخالقُ والبارئ والمصوِّر والقوي وما يلتحقُ بها.

الخامسة أنَّه مدبرٌ لما اخترع ومصرِّفه على ما يشاء، وهي القيُّوم والعليم والحكيم وشبَّهها.

وقال أبو العبَّاس بن مَعْدٍ من الأسماء ما يدلُّ على الذَّات عينًا وهو الله، وعلى الذَّات مع سلب كالقدُّوس والسَّلام، ومع إضافة كالعليِّ العظيم، ومع سلبٍ وإضافةٍ [كالملك والعزيز، ومنها مايرجع إلى صفة كالعليم والقدير، ومع إضافةٍ كالحليم والخبير، أو إلى القدرة مع إضافة كالقهار، وإلى الإدارة مع فعلٍ وإضافة] [4] كالرَّحمن والرَّحيم، وما يرجعُ إلى صفة فعلٍ كالخالق والبارئ، ومع دَلالةٍ على الفعل كالكريم واللَّطيف.

قال فالأسماء كلُّها لا تخرجُ عن هذه العشرة وليس فيها شيءٌ مترادف إذ لكل اسمٍ خصوصيَّة ما وإن اتَّفق بعضُها مع بعضٍ في أصل المعنى، انتهى كلامه. وكذا وُجِدَ في كلام الفخر الرَّازي في «شرح الأسماء الحسنى» . وقال الفخر أيضًا الألفاظ الدَّالة على الصِّفات ثلاثةٌ ثابتةٌ في حقِّ الله تعالى قطعًا وممتنعة قطعًا وثابتةٌ لكن مقرونة بكيفيَّةٍ.

فالقسم الأوَّل منه ما يجوز ذكره مفردًا ومضافًا وهو كثيرٌ جدًا

ج 27 ص 39

كالقادرِ والقاهر، ومنه ما يجوز مفردًا ولا يجوز مضافًا إلَّا بشرطٍ كالخالق، فيجوز خالق [ويجوز خالق] [5] كلِّ شيءٍ مثلًا، ولا يجوز خالقُ القردة، ومنه عكسه يجوز مضافًا، ولا يجوز مفردًا كالمنشئ فيجوز منشئُ الخلق، ولا يجوز منشئ مطلقًا [6] .

والقسم الثَّاني إن ورد السَّمع بشيءٍ منه أطلق وحمل على ما يليقُ به.

والقسم الثَّالث إن ورد السَّمع بشيءٍ منه أُطلق على ما وردَ منه، ولا يقاس عليه ولا يتصرَّف منه بالاشتقاق، كقوله تعالى {وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران 54] ، و {يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة 15] فلا يجوز ماكرٌ ومستهزئ.

تتمَّة وإذ قد جرى ذكر الاسم الأعظم في هذه المباحث، فالمناسب الإلمام بشيءٍ من الكلام عليه، وقد اختلف هل يجوز تفضيلُ بعض أسماء الله تعالى على بعضٍ أو لا؟ فمنع ذلك قومٌ كأبي جعفر الطبري وأبي الحسن الأشعري وجماعةٌ بعدهما كأبي حاتم ابن حبَّان والقاضي أبي بكرٍ الباقلاني، فقالوا لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعضٍ.

ونسب بعضُهم ذلك إلى مالك لكراهيته أن تُعادَ سورة أو تردَّد دون غيرها من السُّور لئلَّا يظنُّ أنَّ بعض القرآن أفضل من بعضٍ، فيؤذن ذلك باعتقاد نقصان المفضولِ عن الأفضل، وحملوا ما وردَ من ذلك على أنَّ المراد بالأعظم العظيم، وأنَّ أسماء الله تعالى كلَّها عظيمة.

وعبارة أبي جعفر الطبري اختلفت الآثار في تعيينِ الاسم الأعظم. والَّذي عندي أنَّ الأقوال كلَّها صحيحةٌ إذ لم يرد في خبرٍ منها أنَّه الاسم الأعظم ولا شيءَ أعظمُ منه، فكأنَّه يقول كلُّ اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم، فيرجعُ إلى معنى عظيم.

وقال ابن حبَّان الأعظميَّة الواردة في الأخبار إنَّما يراد مزيد ثواب الدَّاعي بذلك، كما أطلق ذلك في القرآن، والمراد به مزيد ثواب القارئ.

وقيل المراد بالاسم الأعظم كلُّ اسمٍ من أسماء الله تعالى دعا العبد ربَّه مستغرقًا بحيث لا يكون في فكره حينئذٍ غير الله، فإنَّ من تأتى له ذلك استجيبَ له، ونقل معنى هذا عن جعفر الصَّادق، وعن الجنيد وغيرهما. وقال آخرون استأثرَ الله تعالى بعلمِ الاسم الأعظم ولم يُطلع عليه أحدًا من خلقهِ،

ج 27 ص 40

وأثبته آخرون معيَّنًا واختلفوا في ذلك واضطربوا.

قال الحافظ العسقلانيُّ وجملة ما وقفت عليه من ذلك أربعة عشر قولًا

الأوَّل أنَّ الاسم الأعظم هو اسم هو، نقله الفخر الرَّازي عن بعض أهل الكشفِ، واحتجَّ بأنَّ من أراد أن يعبِّر عن كلامٍ معظَّم بحضرته لم يقل له أنت قلت كذا، وإنَّما يقول هو تأدُّبًا معه.

الثَّاني الله؛ لأنَّه اسمٌ لم يطلق على غيره، ولأنَّه الأصل في الأسماء الحسنى، ومن ثمَّة أضيفت إليه.

الثَّالث الله الرَّحمن الرَّحيم، ولعلَّ مستنده ما أخرجه ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها أنَّها سألت النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يعلِّمها الاسم الأعظم فلم يفعل، فصلَّت ودعت (( اللَّهمَّ إنِّي أدعوك الله، وأدعوك الرَّحمن، وأدعوك الرَّحيم، وأدعوك بأسمائك الحسنى كلِّها ما علمت منها وما لم أعلم ... ) )الحديث، وفيه أنَّه صلى الله عليه وسلم قال لها (( إنَّه لفي الأسماء الَّتي دعوت بها ) )وسنده ضعيفٌ وفي الاستدلال به نظرٌ لا يخفى.

الرَّابع الرَّحمن الرَّحيم الحيُّ القيوم؛ لما أخرج التِّرمذي من حديث أسماء بنت يزيد أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة 163] وفاتحة سورة آل عمران {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة 255] ) )أخرجه أصحاب السُّنن إلَّا النَّسائي وحسَّنه التِّرمذي وفي نسخةٍ صحَّحه، وفيه نظرٌ لأنَّه من رواية شهر بن حوشب.

الخامس الحي القيوم، أخرج ابنُ ماجه من حديث أبي أُمامة رضي الله عنه (( الاسمُ الأعظم في ثلاث سورٍ البقرة، وآل عمران، وطه ) ). قال القاسم الراوي عن أبي أمامة التمستُه فيها فعرفت أنَّه الحيُّ القيوم، وقوَّاه الفخر الرَّازي، واحتجَّ بأنَّهما يدلَّان من صفات العظمةِ بالرُّبوبيَّة ما لا يدلُّ على ذلك غيرهما كدَلالتهما.

السَّادس الحنَّان المنَّان بديع السَّماوات والأرض ذو الجلال والإكرام[الحي القيوم، ورد ذلك مجموعًا في حديث أنس عند أحمد والحاكم وأصله عند أبي داود والنسائي وصححه ابن حبان.

السابع بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام] [7] ، أخرجَه أبو يعلى من طريق [من طريق السري] [8] بن يحيى عن رجلٍ من طيٍّ وأثنى عليه، قال كنتُ أسأل الله أن يُريني الاسم الأعظم، فرأيته مكتوبًا في الكواكب في السَّماء.

ج 27 ص 41

الثامن ذو الجلال والإكرام، أخرج التِّرمذي من حديث معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه قال سمعَ النَّبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يقول يا ذا الجلال والإكرام، فقال (( استجيب لك فسل ) )واحتجَّ له الفخر بأنَّه يشمل جميع الصِّفات المعتبرة في الإلهيَّة؛ لأنَّ في الجلال إشارةٌ إلى جميع السُّلوب، وفي الإكرام إشارةٌ إلى جميع الإضافات.

التَّاسع الله لا إله إلَّا هو الأحد الصَّمد، [الذي] لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أخرجه أبو داود والتِّرمذي وابن ماجه وابن حبَّان والحاكم من حديث بُريدة، وهو أرجحُ من حيث السَّند من جميع ما ورد.

العاشر ربِّ ربِّ، أخرجَه الحاكم من حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه، وابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما بلفظ اسم الله الأكبر ربِّ، ربِّ. وأخرج ابنُ أبي الدُّنيا عن عائشة رضي الله عنها (( إذا قال العبد يا رب يا رب قال الله تعالى لبَّيك عبدِي سلْ تُعط ) )رواه مرفوعًا وموقوفًا.

الحادي عشر دعوة ذي النُّون عليه السَّلام، أخرج النَّسائي والحاكم عن فَضَالة بن عبيدٍ رفعه (( دعوة ذي النُّون في بطنِ الحوت لا إله إلَّا أنت سبحانك إنِّي كنت من الظَّالمين، لم يدعُ بها رجلٌ مسلمٌ قط إلَّا استجاب الله له ) ).

الثَّاني عشر نقل الفخر الرَّازي عن زين العابدين أنَّه سأل الله أن يعلِّمه الاسم الأعظم فرأى في النَّوم هو الله الله الله لا إله إلَّا هو ربُّ العرش العظيم.

الثَّالث عشر هو مخفيٌّ في الأسماء الحسنى، ويؤيِّده حديث عائشة رضي الله عنها المتقدِّم لما دعت ببعض الأسماء، وبالأسماء الحسنى، فقال لها صلى الله عليه وسلم (( إنَّه لفي الأسماء الَّتي دعوت بها ) ).

الرَّابع عشر كلمة التَّوحيد نقله القاضي عياض [كما تقدم] قبل هذا.

[1] وعنه نقل المؤلف هنا الكثير لاسيما في الصفحات العشر القادمة، ونقله عنه حرفي مع اختصارٍ أحيانًا، وسقط في بعضها.

[2] ما بين معقوفين زيادة من الفتح.

[3] في الفتح كالمحدودات.

[4] ما بين معقوفين زيادة من الفتح.

[5] ما بين معقوفين زيادة من الفتح.

[6] في هامش الأصل في نسخة فقط. كما الفتح.

[7] في هامش الأصل سقط القول السابع من أصل النسخة فليراجع، وما بين معقوفين مستدرك من الفتح.

[8] بياض في الأصل بدل ما بين معقوفين، والاستدراك من الفتح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت