فهرس الكتاب

الصفحة 9570 من 11127

6416 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو ابن المدينيِّ، قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْمُنْذِرِ الطُّفَاوِيُّ) بضم الطاء المهملة وتخفيف الفاء وبالواو،

ج 27 ص 54

نسبة إلى بني طُفاوة، وقيل الطُّفاوة موضعٌ بالبصرة. قال العينيُّ يُحتمل أنَّ بني طُفاوة نزلوا فيه فسمَّوا به (عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ) سقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ «سليمان» أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ) أنكر العقيليَّ قوله «حدَّثني مجاهد» ، وقال إنَّما رواه الأعمش بصيغةٍ عن مجاهد كذلك رواه أصحاب الأعمش عنه، وكذا أصحاب الطُّفاوي عنه، وتفرَّد ابن المديني بالتَّصريح قال ولم يسمعْه الأعمش عن مجاهد، وإنَّما سمعه من ليث بن أبي سُليمٍ عنه فدلَّسه.

وأخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» من طريق الحسين بن قَزَعة أخبرنا محمد بن عبد الرَّحمن الطُّفاوي، عن الأعمش، عن مجاهد بالعنعنة، وقال قال الحسين بن قزعة ما سألني يحيى بن معين إلَّا عن هذا الحديث.

وأخرجه ابن حبَّان في «روضة العقلاء» من طريق محمد بن أبي بكرٍ المقدَّمي، عن الطُّفاوي بالعنعنة أيضًا، وقال مكثت بمدَّة أظنُّ أنَّ الأعمش دلَّسه عن مجاهد، وإنَّما سمعَه من ليثٍ حتَّى رأيت علي بن المديني رواه عن الطُّفاوي فصرَّح بالتَّحديث، يشير إلى رواية البخاري الَّتي في الباب، وقد أخرجه أحمدُ والتِّرمذي من رواية سفيان الثَّوري عن ليث بن أبي سُليمٍ عن مجاهد.

وأخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» من طريق حمَّاد بن شعيبٍ عن أبي يحيى القتَّاب عن مجاهد، وليثٌ وأبو يحيى ضعيفان، والعمدة على طريق الأعمش، وللحديث طرقٌ أخرى أخرجه النَّسائي من رواية عبدةَ بن أبي لبابةَ عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا، وهذا ممَّا يقوِّي الحديث المذكور؛ لأنَّ رواته من رجال الصَّحيح، وإن كان اختلف في سماع عبدةَ من ابن عمر رضي الله عنهما.

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) وسقط في رواية أبي ذرٍّ «عبد الله» أنَّه (قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي) بكسر الكاف والموحدة وتخفيف التحتية، مجمَع العضد والكتف، وضبط في بعض الأصول بالتَّثنية، وفي رواية التِّرمذي (( أخذ ببعض جسدي ) )، ورواية البخاري تُعيِّن

ج 27 ص 55

هذا المبهم (فَقَالَ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) قال الطِّيبي ليس «أو» للشَّكِّ بل للتَّخيير والإباحة، والأحسن أن يكون بمعنى بل، فشبَّه النَّاسك السَّالك بالغريب الَّذي قدم بلدًا لا سكن له فيها يأويه، ولا سكنَ يسكنُه خاليًا عن الأهل والعيالِ والعلائق الَّتي هي سبب الاشتغال عن الخالق.

وقال الكرماني هذه كلمةٌ جامعةٌ لأنواع النَّصائح؛ إذ الغريب لقلَّة معرفته بالنَّاس قليل الحسد والعداوة والحقد والنِّفاق والنِّزاع وسائر الرَّذائل الَّتي منشأها الاختلاط بالخلائق، ولقلَّة إقامتهِ قليل الدَّار والبستان والمزرعة والأهل والعيال وسائر العلائق الَّتي هي منشأُ الاشتغال عن الخالق، ثمَّ ترقى وأضربَ عنه إلى عابر سبيل؛ لأنَّ الغريب قد يسكنُ في بلاد الغربة ويُقيم فيها، بخلاف عابر السَّبيل القاصد لبلدٍ شاسعٍ، وبينه وبينها أودية مردية ومفاوز مهلكةٌ، وهو بمرصَدٍ من قطَّاع طريق، فإنَّ من شأنه أن لا يقيم لحظةً ولا يسكن لمحةً، ومن ثمَّة عقَّبه بقوله

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (يَقُولُ) وفي رواية ليث (( وقال لي ابنُ عمر إذا أصبحت ... ) )الحديث (إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ) أي سر دائمًا ولا تفتر من السَّير ساعةً فإنَّك إن قصَّرت في السَّير انقطعت عن المقصود، وهلكت في تلك الأودية، هذا معنى المشبَّه به، وأمَّا المشبَّه فهو قوله

(وَخُذْ مِنْ) زمن (صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ) وفي رواية ليث بن أبي سُليمٍ عن مجاهد عند أحمد والتِّرمذي (( لسقمك ) )أي أنَّ العمر لا يخلو عن صحةٍ ومرضٍ، وإذا كنت صحيحًا فسرْ سير القصد في حال صحَّتك بل لا تقنع به، وزد عليه بقدر قوَّتك ما دامت فيك قوَّة، بحيث يكون ما بك من تلك الزِّيادة قائمًا مقام ما لعلَّه يفوت حالة المرض والضَّعف، أو المعنى اشتغل في الصِّحة بالطَّاعة بحيث لو حصل تقصير في المرض لانجبر بذلك.

وفي قوله (وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ) إشارةٌ إلى أخذ نصيب الموت وما يحصل فيه من الفتور من السُّقم؛

ج 27 ص 56

يعني لا تقعد في المرض من السَّير كلَّ القعود، بل ما أمكنك منه فاجتهد فيه حتَّى تنتهيَ إلى لقاء الله، وما عنده من الفلاح والنَّجاح وإلَّا خِبت وخسرت، وفي رواية ليث (( قبل موتك ) )، وزاد (( فإنَّك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدًا ) )أي هل يقال لك شقيٌّ أم سعيدٌ، أو يقال لك حيٌّ أو ميِّت، ولم يرد اسمه الخاص به فإنَّه لا يتغيَّر. وزاد في روايته أيضًا (( وعُدَّ نفسك في أهل القبور ) ).

وفي حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا أخرجه الحاكم أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لرجلٍ وهو يعظُه (( اغتنم خمسًا قبل خمسٍ شبابك قبل هرمك، وصحَّتك قبل سقمِك، وغناكَ قبل فقرك، وفراغكَ قبل شُغلك، وحياتك قبلَ موتك ) ).

وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» بسندٍ صحيحٍ من مرسل عَمرو بن ميمون، قال بعضُ العلماء كلام ابن عمر رضي الله عنهما منتزعٌ من الحديث المرفوع، وهو متضمِّنٌ لنهاية قصر الأمل، فإنَّ العاقل ينبغي له إذا أمسى لا ينتظر الصَّباح، وإذا أصبحَ لا ينتظر المساء، بل يظنُّ أنَّ أجله يدركُه قبل ذلك فيعمل ما يلقى نفعه بعد موته، ويبادر أيَّام صحَّته بالعمل الصَّالح فإنَّ المرض قد يطرأ فيمنعُ من العمل، فيخشى على من فرَّط فيه أن يصلَ إلى المعاد بغير زادٍ فمن لم ينتهز الفُرصة ندم.

وما أحسن قول من قال

~إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُكَ فَاغْتَنِمْهَا فَإِنَّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونُ

~وَلَا تَغْفُلْ عَنِ الْإِحْسَانِ فِيهَا فَمَا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ

~إِذَا ظَفِرَتْ يَدَاكَ فَلَا تُقَصِّر فَإِنَّ الدَّهْرَ عَادَتُهُ يَخُونُ

ولا يعارضُ ذلك الحديث الماضي في «الصَّحيح» (( إذا مرضَ العبد أو سافر كَتَبَ الله له ما كان يعملُ صحيحًا مقيمًا ) ) [خ¦2996] ؛ لأنَّه ورد في حقِّ من يعملُ، والتَّحذير الَّذي في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في حقِّ من لم يعمل شيئًا، فإنَّه إذا مرضَ ندمَ على ترك العمل وعجزَ لمرضهِ عن العملِ فلا يفيدُه النَّدم.

تكملة قال ابن بطَّال لمَّا كان الغريب قليل الانبساط إلى النَّاس بل هو مستوحشٌ منهم، إذ لا يكاد يتأنَّس بمن يعرفه، فهو ذليلٌ

ج 27 ص 57

في نفسه خائفٌ، وكذلك عابر السَّبيل لا ينفذ في سفره إلَّا بما يعنيهِ ويخفُّ عليه من الأثقال، غير متسبِّب [1] بما يمنعُه من قطعِ سفرهِ ومعه زادُه وراحلتُه يبلغانهِ إلى بغيته من قصدهِ شبهه بهما.

وفي ذلك إشارةٌ إلى إيثار الزُّهد في الدُّنيا وأخذ البلغة منها والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر ممَّا يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدُّنيا إلى أكثر ممَّا يبلِّغه المحل.

وقال غيره هذا الحديث أصلٌ في الحثِّ على الفراغ عن الدُّنيا والزُّهد فيها والاحتقارِ لها والقناعة فيها بالبُلغةِ.

وقال النَّووي معنى الحديث لا تركن إلى الدُّنيا ولا تتَّخذها وطنًا، ولا تحدِّث نفسك بالبقاءِ فيها ولا تتعلَّق منها بما لا يتعلَّق به الغريب في غير وطنه. وقال غيره عابر السَّبيل هو المارُّ على الطَّريق طالبًا وطنه، فالمرء في الدُّنيا كعبدٍ أرسله سيِّده في حاجةٍ إلى غير بلدهِ، فشأنه أن يبادرَ بفعل ما أرسله فيه ثمَّ يعودُ إلى وطنه، ولا يتعلَّق بشيءٍ غير ما هو فيه.

وقال غيره المراد أن يُنزِّلَ المؤمن نفسه في الدُّنيا منزلة الغريب، فلا يعلِّق قلبه بشيءٍ من بلد الغربة، بل قلبه متعلِّق بوطنه الَّذي يرجعُ إليه، ويجعل إقامته في الدُّنيا ليقضي حاجته وجهازه للرُّجوع إلى وطنه، وهذا شأنُ الغريب، أو يكون كالمسافر لا يستقرُّ في مكانٍ بعينه بل هو دائم السَّير إلى بلد الإقامة، واستشكل عطف «عابر السَّبيل» على «الغريب» ، وقد تقدَّم جواب الطِّيبي.

وأجاب الكرماني بأنَّه من عطف العامِّ على الخاصِّ، وفيه نوعٌ من التَّرقي لأنَّ تعلُّقاته أقلُّ من تعلُّقات الغريبِ المقيم هذا.

وفي الحديث مسُّ المعلِّم أعضاء المتعلِّم عند التَّعليم والموعوظ عند الموعظة، وذلك للتَّأنيس والتَّنبيه، ولا يفعل ذلك غالبًا إلَّا من يميل إليه، وفيه مخاطبةُ الواحد وإرادة الجمع، وحرص النَّبي صلى الله عليه وسلم على إيصالِ الخير لأمَّته، والحضِّ على ترك الدُّنيا، والاقتصار على ما لا بدَّ منه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه التِّرمذي أيضًا.

[1] عبارة الفتح قريبة من هذه العبارة التي نقلها المؤلف عنه وعدل في بعض كلماتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت