52 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضم النون، الفضل بالضاد المعجمة، ابن دُكين _ بضم الدال المهملة _ وهو لقب له، واسمه عمرو بن حماد القرشي التيمي الطلحي مولى آل طلحة ابن عبيد الله المُلائي، كان يبيع المُلاء _ بضم الميم والمد _ هو الريطة، سمع الأعمش وغيره من الكبار وقل من يشاركه في كثرة الشيوخ.
قال أبو نُعيم شاركت الثوري؛ يعني شيخه في أربعين شيخًا أو خمسين شيخًا [واتفقوا على الثناء عليه ووصفه] [1] بالحفظ والإتقان، وقال أيضًا أدركْتُ ثمان مئة شيخ منهم الأعمش فمَن دونه فما رأيت أحدًا يقول بخلق القرآن، وما تكلم أحد بهذا إلا رُمِيَ بالزندقة.
وكان يأخذ على الحديث شيئًا فقال «تلومونني على الأخذ وفي بيتي ثلاثة عشر وما في بيتي رغيف» ، وُرئي في المنام فقيل له
ج 1 ص 372
ما فعل الله بك؟ أي فيما كنت تأخذ على الحديث قال نظر القاضي في أمري فوجدني ذا عيال فعفا عني، واتفقوا على الثناء عليه بالحفظ والإتقان.
وروى عنه أحمد وغيره من الحفاظ، وروى البخاري عنه بغير واسطة، ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بواسطة، ولد سنة ثلاثين ومئة ومات سنة ثمان أو تسع عشرة ومائتين بالكوفة.
(حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) ؛ مقصورًا وممدودًا، هو أبو يحيى بن أبي زائدة، واسمه خالد بن ميمون الهمْداني الكوفي، سمع جمعًا من التابعين منهم الشعبي والسبيعي، وعنه الثوري وشعبة وخلق، مات سنة سبع أو تسع وأربعين ومئة، قال النسائي ثقة روى له الجماعة.
(عَنْ عَامِرٍ) ؛ الشعبي، وفي (( فوائد ابن أبي الهيثم ) )من طريق يزيد بن هارون عن زكريا قال حدثنا الشعبي فحصل الأمن من تدليس زكريا مع كونه موصوفًا بالتدليس.
(قَالَ) ؛ أي إنه قال (سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ) بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة، ابن سعد بن ثعلبة بن خَلَّاس _ بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام _ الأنصاري، الخزرجي، الكوفي، الصحابي ابن الصحابي والصحابية، وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله ابن رواحة، وهو أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة بأربعة عشر شهرًا، والأكثرون يقولون ولد هو وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما في العام الثاني من الهجرة، وقال ابن الزبير «هو أكبر مني» .
روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة حديث، وأربعة عشر حديثًا، ذكر البخاري منها ستة أحاديث، وهو ممن حَمَلَ عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم صبيًا وأدَّى بالغًا، وفيه دليل على صحة تحمل الصبي المميز، وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم وللنعمان ثمان سنين.
استعمله معاوية على حمص، ثم على الكوفة، ثم استعمله يزيد، فلما مات يزيد صار زبيريًا فخالفه أهل حمص وأخرجوه منها واتبعوه فقتلوه بقرية من قرى حمص سنة خمس وستين، روى له الجماعة، وليس في الصحابة من اسمه النعمان بن بشير غير هذا فهو من الأفراد، وفيهم النعمان جماعات فوق الثلاثين.
(يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية (صلى الله عليه وسلم) وعند مسلم والإسماعيلي من طريق زكريا (( وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه ) )، وهذا تصريح بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا قول النعمان هاهنا «سمعت» وهو الصحيح، ففيه رد على أهل المدينة
ج 1 ص 373
في قولهم لا يصح للنعمان سماع من النبي صلى الله عليه وسلم على ما قاله أبو الحسن القابسي ويحيى بن معين. وقد قال النووي المحكي عن قول أهل المدينة باطل أو ضعيف فافهم. ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ومنها أن رجاله كلهم كوفيون، وقد دخل النعمان الكوفة وولي إمرتها، ومنها أن هذا وقع للبخاري رباعيًا من جهة شيخه أبي نُعيم، ومن جهة غيره خماسيًا كما سيأتي [خ¦2051] . ووقع لمسلم في أعلى طرقه خماسيًا، وقد أخرج متنه المؤلف في «البيوع» أيضًا [خ¦2051] ، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي في «البيوع» أيضًا، وأخرجه النسائي في «البيوع» وفي «الأشربة» ، وأخرجه ابن ماجه في «الفتن» .
(يَقُولُ الْحَلاَلُ) ؛ هو اسم ضد الحرام من حَلَّ يحِل من باب ضرب يضرِب ومصدره حِل _ بكسر الحاء _ وأما حَلَّ بالمكان فهو من باب نصر ينصُر ومصدره حَل _ بفتح الحاء _ وحلول، ومنه المحل المكان الذي يحل فيه، ومن هذا الباب حللت العقدة أحلها حلًا إذا فتحها، ومن الأول حَلَّ المحرم.
(بَيِّنٌ) ؛ صفة مشبهة من بان يبين؛ أي ظاهر بالنظر إلى ما دل على حله بلا شبهة (وَالْحَرَامُ) ؛ هو اسم أيضًا من حرم الشيء يحرُم _ بالضم _ فيهما حرمة، وأما الحرمان فبابه ضرب يضرب، يقال حرمه الشيء يحرِمه حَرِمًا وحريمة وحِرمانًا، وأَحْرَمه أيضًا إذا منعه.
(بَيِّنٌ) ؛ نيِّر بالنسبة إلى دليله أيضًا، (وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ) ؛ بتشديد الموحدة المفتوحة؛ أي أنها شُبِّهت بغيرها مما لم يتبين به حكمها على التعيين، أو معناه مشبَّهات بالحلال أو بالحرام، وفي رواية بكسر الموحدة المشددة؛ أي أنها مشبِّهات أنفسها بالحلال، وفي رواية من باب الافتعال، وفي رواية من باب التفعل، وفي رواية من باب الأفعال، وعلى الروايات الثلاث الأخر معناها المشكلات، مِنْ اشتبه الأمر أو تشبه أو أشبه إذا لم يتضح، بل المعنى المقصود من كلها هو ذلك المعنى كما لا يخفى.
ويظهر هذا من قوله عليه السلام (لاَ يَعْلَمُهَا) أي حكمها، (كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) ؛ أَمِنَ الحلال أم من الحرام كما جاء في رواية الترمذي، ولفظه (( لا يدري كثير من الناس أَمِنَ الحلال هي أم من الحرام ) )، ويفهم من قوله (( كثير من الناس ) )أن معرفة حكمها ممكنة للقليل من الناس وهم المجتهدون،
ج 1 ص 374
فالشبهات على هذا في حق غيرهم، وقد تقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح لأحد الدليلين الذين يجتذبانها من الطرفين بحيث يقع الاشتباه.
قال النووي معناه أن الأشياء ثلاثة أقسام حلال واضح لا يخفى حله كأكل الخبز والفواكه وكالكلام والمشي وغير ذلك، وحرام بيِّن كالخمر والدم والزنا والكذب وأشباه ذلك، وأما المشبهات فمعناها أنها ليست بواضحة الحل والحرمة، ولهذا لا يعرفها كثير من الناس، وأما العلماء فيعرفونها إما بنص أو قياس، أو استصحاب أو غير ذلك فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا ألحقه به صار حلالًا أو حرامًا، وقد يكون دليله غير خال من الاحتمال فيكون الورع تركه كجلد الميتة بعد الدباغ فإنه غير طاهر على المشهور من مذهب مالك، فلا يستعمل في شيء من المائعات؛ لأنها تنجس، لا الماء وحده فإنه عنده يدفع النجاسة ما لم يتغير، هذا الذي ترجح عنده، لكنه كان يتقي الماء خاصَّةِ نفسِهِ.
وحُكي عن أبي حنيفة وسفيان الثوري رحمهما الله أنهما قالا «لأن أخرَّ من السماء أهون علينا من أن نفتي بتحريم قليل النبيذ، وما شربته قط ولا أشربه» . فعملوا بالترجيح في الفتيا وتورعوا عنه في أنفسهم.
وقال بعض المحقِّقين «من حِكَمِ الحكيم أن يوسع على المسلمين في الأحكام، ويُضَيِّق على نفسه» ؛ يعني به هذا المعنى، ومنشأ هذا الورع الالتفات إلى إمكان اعتبار الشرع ذلك المرجوح، وهذا الالتفات ينشأ من القول بأن المصيب واحد وهو مشهور مذهب مالك ومن ثار القول في مذهبه بمراعاة الخلاف، وكذلك أيضًا كان الشافعي رحمه الله يراعي الخلاف، وقد نص على ذلك في مسائل، وقد قال أصحابه بمراعاة الخلاف حيث لا يفوت به سنة في مذهبهم [2] ، وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء فهو مُشْتَبه فهل يؤخذ بالحلِّ، أو بالحرمة أو يتوقَّف؟ فيه ثلاثة مذاهب حكاها القاضي عياض عن أصحاب الأصول، والظاهر أنها مخرجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه أربعة مذاهب
أحدها وهو الأصح أنه لا يحكم بتحليل ولا تحريم ولا إباحة ولا غيرها؛ لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع، وثانيها أنه يحكم بالحل والإباحة، وثالثها المنع، رابعها التوقف.
هذا وحاصل ما فسر به العلماء الشبهات أربعة أشياء
أحدها أنَّه الذي تعارض فيه الأدلَّة فاشتبه، فمثل هذا يجب فيه الوقف إلى الترجيح؛ لأن الإقدام على أحد الأمرين من غير رجحان الحكم بغير دليل مُحرَّم، والثاني أن المراد به ما اختلف فيه العلماء وهو منتزع من الأول، والثالث أن المراد به المكروه؛ لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك، والرابع أنه المباح، ولابد لقائل هذا أن يحمله على ما يستوي فعله وتركه باعتبار ذاته، ويكون راجح الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج، وإلا فلا يتصور فيه الورع فإنه إن ترجح طرفه على الآخر خرج عن أن يكون مباحًا، وحينئذ يكون تركه راجحًا على فعله وهو المكروه، أو فعله راجحًا على تركه وهو المندوب.
وما نقل من سِيَر النبي صلى الله عليه وسلم وأكثر أصحابه من أنهم كانوا يزهدون في المباح فيرفضون التنعم بطيب الأطعمة ولين الألبسة وحسن المساكن ويتلبسون بضدها من خشونة العيش فليس ذلك
ج 1 ص 375
من جهة كونه مباحًا في ذاته، بل من جهة كونه مكروهًا باعتبار أمر خارج عنه يؤدي إليه؛ لأن المكروه تارة يكرهه الشرع من حيث هو وتارة يكرهه لما يؤدى إليه كالقبلة للصائم فإنها تكره؛ لما يخاف منها من إفساد الصوم، ومسألتنا من هذا القبيل لأنهم انكشف لهم من عاقبة ما خافوا على أنفسهم من مفاسد إما في الحال من الركون إلى الدنيا، وإما في المآل من الحساب عليه والمطالبة بالشكر وغيره.
(فَمَنِ اتَّقَى) ؛ أي حذر، (الْمُشَبَّهَاتِ) ؛ في لفظها روايات خمس سابقة فيما تقدَّم أيضًا، وفيه رواية أخرى هي جمع شبهة كما عند مسلم.
(اسْتَبْرَأَ) ؛ وفي رواية _ بالهمز _ أي طلب وحصل البراءة، (لِدِيِنِهِ) ؛ المتعلق بالخالق من النقص والذم الشرعي (وَعِرْضِهِ) ؛ المتعلق بالخلق من الطعن وكلام الناس فيه، أو الأول متعلق بالشرع والثاني بالمروءة، وفي رواية ولكل وجهة، فافهم.
وعرض الرجل جانبه الذي يصونه في نفسه وحَسَبُه ويحامي عنه، قال عنترة
~فإذا شربْتُ فإنَّني مُسْتهلكٌ مَالي وعِرضِي وافرٌ لم يُكْلَم
(وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ) التي أشبهت الحرام من وجه والحلال من وجه، وفيها أيضًا ما تقدم من اختلاف الروايات وجواب الشرط محذوف فهو أولى من كون «مَنْ» موصولة مبتدأ خبره ما بعده؛ أي وقع في الحرام، كما ثبت في رواية الدارمي عن أبي نُعيم شيخ المؤلف.
وقد نقل ابن المُنيِّر في مناقب شيخه القَبَّاري عنه أنه كان يقول المكروه عَقَبَةٌ بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام، والمباح عَقَبَةٌ بينه وبين المكروه فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه.
ويؤيده ما رواه ابن حبان من طريق ذكر مسلم إسنادها ولم يسق لفظها وفيه من الزيادة (( اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه ) )وهذا كما وقع في هذا الحديث من قوله
(كَرَاعٍ) ؛ أي مثله مثل راع (يَرْعَى) أي مواشيه (حَوْلَ الْحِمَى) بكسر الحاء المهملة وفتح الميم، موضع الكلأ الذي حُمي وحظر منه الغير، وتوعد على من رعى فيه بتعدِّيه (يُوشِكُ) ؛ بكسر المعجمة؛ أي يقرب وهو استئناف (أَنْ يُوَاقِعَهُ) أي يقع فيه، فمن أكثر من الطيبات
ج 1 ص 376
مثلًا فإنه يحتاج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا ينبغي أخذه فيقع في الحرام فيأثم، أو يفضي إلى بطر النفس وأقل ما فيه الاشتغال عن مواقف العبودية، وهذا معلوم بالعادة ومشاهد بالعيان، ومن تعاطى ما نهي عنه أظلم قلبه؛ لفقد نور الورع، وأعلى الورع ترك الحلال مخافة الحرام، كترك ابن أدهم أجرته؛ لشكه في وفاء عمله.
وقد قالت أخت بشر الحافي لأحمد بن حنبل إنا نغزل على سطوحنا فيمر بنا مشاعل الظاهرية ويقع الشعاع علينا أفيجوز لنا الغزل في شعاعها؟ فقال من أنتِ عافاك الله؟ قالت أخت بشر الحافي فبكى أحمد وقال من بيتكم يخرج الورع الصادق لا تغزلي في شعاعها.
قال الغزالي (السلاطين في زماننا ظلمة قلما يأخذون شيئًا على وجهه بحقه فلا تحل معاملتهم ولا معاملة من يتعلق بهم حتى القضاة، ولا التجارة في الأسواق التي بنوها بغير حق، واستبراء الدين والورع اجتناب المرابط والمدارس والقناطير التي أنشؤُوها بالأموال التي لا يعلم مالكها عافانا الله منها) .
هذا وقد قيل من ترخص ندم، ومن فواضل الفضائل حرم، وهذه الجملة جملة مستأنفة وردت على سبيل التمثيل؛ للتنبيه بالشاهد على الغائب، وفيه تشبيه من يدخل في الشبهات بحال الراعي الذي يرعى حول المكان المحظور بحيث إنه لا يأمن من الوقوع فيه، ووجه الشبه حصول العقاب بعدم الاحتراز في ذلك، فكما أن الراعي إذا جرَّه رعيه حول الحمى إلى وقوعه فيه يستحق العقاب بسبب ذلك، فكذلك مَن أَكْثَر من الشبهات وتعرض لمقدماتها وقع في الحرام فاستحق العقاب بسبب ذلك، وهذا تشبيه ملفوف حيث شبه المكلف بالراعي والنفس البهيمية بالأنعام، والمشتبهات بما حول الحمى والمحارم بالحمى وتناول المشتبهات بالرتع حول الحمى فيكون تشبيهًا ملفوفًا باعتبار طرفيه وتمثيلًا باعتبار وجهه.
(أَلاَ) حرف تنبيه يدل على تحقق ما بعدها (وَإِنَّ) بواو العطف على مقدر تقديره إلا إن الأمر كما تقدم، وإن (لِكُلِّ مَلِكٍ) بكسر اللام (حِمًى) مكانًا محصنًا حظره لنفسه، ورعى مواشيه، وتوعَّد من رعى فيه بغير إذنه بالعقوبة.
(أَلاَ) حرف تنبيه أيضًا وفي إعادتها دليل على فخامة شأن مدخولها وعِظم موقعه (إِنَّ) وفي رواية والأمر كما تقدم (حِمَى اللَّهِ) تعالى، وفي رواية زيادة (مَحَارِمُهُ) أي معاصيه التي حرمها كالقتل والسرقة والزنا وترك الصلاة وغير ذلك، وهو جمع محرم وهو الحرام، ومنه يقال هو ذو محرم منها إذا لم يحل له نكاحها، ومحارم الليل مخاوفه التي يحرم على الجبان أن يسلكها، وفي رواية بدل «محارمه» ،
ج 1 ص 377
وفي اختصاص التمثيل بذلك نكتة وهي أن ملوك العرب كانوا يحمون مراعي مخصبة لمواشيهم، ويتوعدون على من رعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فمثَّل لهم النبي صلى الله عليه وسلم بما هو مشهور عندهم، فالخائف من عقوبة السلطان المراقب لرضاه يبعد عن ذلك الحمى؛ خشية أن تقع مواشيه في شيء منه فبعده أسلم ولو اشتد حذره، وغير الخائف يقرب منه ويرعى في جوانبه فلا يأمن أن يقع فيه بغير اختياره لمحل المكان الذي هو فيه، والخصب في ذلك الحمى فيعاقب على ذلك، ولله سبحانه وتعالى أيضًا حمى وهو المعاصي فمن ارتكب شيئًا منها استحق العقوبة، ومن قاربه بالدخول في الشبهات يوشك أن لا يملك نفسه ويقع فيها. وقد ادعى بعضهم أن هذا التمثيل من كلام الشعبي، وأنه مدرج في الحديث والحق أنه ليس كذلك. (أَلاَ) إن الأمر كما ذكر (وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً) بالنصب على أنه اسم «أنَّ» ؛ أي قطعة من اللحم سميت بذلك؛ لأنها قدر ما يمضغ في الفم لصغرها (إِذَا صَلَحَتْ) بفتح اللام وهو الأفصح ويجوز ضمها (صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ) وفي رواية سقط لفظ «كله» .
(وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ) ؛ إن الأمر كذلك، (وَهِيَ) أي تلك المضغة (الْقَلْبُ) أطلقها عليه إرادة تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان له؛ وذلك لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد، وأشرف ما في الإنسان قلبه فإنه العالم بالله تعالى، والجوارح خدم له وهو بحسب الطب أول نقطة تُكوَّن من النطفة، ومنه تظهر القوى، ومنه تنبعث الأرواح، ومنه ينشأ الإدراك ويبتدئ التعقل، فلهذه المعاني خَصَّ القلب بذلك، وفيه تنبيه على عِظم قدر القلب والحث على إصلاحه والإشارة إلى أن لطيب المكسب أثرًا فيه، والمراد به المعنى المتعلق به من الفهم الذي جعله الله فيه والنية، وسُمي به هذا العضو؛ لسرعة تقلبه بالخواطر، وقال الشاعر
~ما سُمِّي القَلْبُ إلَّا مِن تقلُّبِهِ فاحذَرْ على القلْبِ من قلْبٍ وتحويلِ
وكان ممَّا يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم (( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) ).
اعلم أنه ثبتت الواو بعد «ألا» من قوله (( ألا وإنَّما
ج 1 ص 378
لكل ملك حمى )) كـ «ألا وإن في الجسد مضغة» ، وسقطت من قوله «ألا إن حمى الله محارمه» ؛ لبعد المناسبة بين حمى الملوك وبين حمى الله تعالى الذي هو الملك الحق لا ملك حقيقة إلا له. وأما وجه ذكرها في رواية فهو التناسب بين الجملتين من حيث ذِكر الحمى فيهما، وأما وجه ذكرها في قوله (( ألا وإن في الجسد ... إلى آخره ) )فهو وجود المناسبة بين الجملتين نظرًا إلى أن الأصل في الاتقاء، والوقوع هو ما كان بالقلب؛ لأنه عماد الأمر وملاكه وبه قوامه ونظامه وعليه يبتنى فروعه وبه تتم أصوله.
وأما التعبير بقوله «إذا» في الجملتين دون أن يتحقق الوقوع غالبًا فافهم، والزيادة التي أولها (( ألا وإن في الجسد مضغة ) )لم تقع إلا في رواية الشعبي ولا هي في أكثر الروايات عن الشعبي، وإنما تفرد بها في (( الصحيحين ) )زكريا المذكور عنه، وتابعه مجالد عند أحمد ومغيرة وغيره عند الطبراني، وعبر في بعض رواياته عن الصلاح والفساد بالصحة والسقم.
وقد أجمع العلماء على عِظم موقع هذا الحديث، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، قالت جماعة هو ثلث الإسلام، وإن الإسلام يدور عليه، وعلى حديث (( الأعمال بالنيات ) ) [خ¦1] ، وحديث (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) )، وقال أبو داود يدور على أربعة أحاديث هذه الثلاثة، وحديث (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ) [خ¦13] وفيه البيتان المشهوران وهما
~عُمْدة الدِّين عِنْدنا كلمَاتٌ مسنداتٌ مِن قولِ خيرِ البريَّةِ
~اترُكْ الشُّبُهاتِ وازهَدْ ودَعْ مَا ليسَ يعنيكَ واعملَنَّ بنيَّةٍ
قالوا سبب عظم موقعه أنه صلى الله عليه وسلم نبَّه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس والمنكح وغيرها، وأنه ينبغي أن يكون حلالًا، وأرشد إلى معرفة الحلال، وأنه ينبغي ترك المشتبهات فإنه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، ثم بيَّن أهم الأمور وهو مراعاة القلب، وقال ابن العربي (يمكن أن ينتزع من هذا الحديث وحده جميع الأحكام) ، وقال القرطبي اشتمل هذا الحديث على التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا يمكن أن ترد إليه جميع الأحكام).
[1] ما بين قوسين مستدرك من العمدة والتوضيح.
[2] (( من قوله كجلد الميتة بعد الدباغ. .. إلى قوله سنة في مذهبهم ) )وجدت في هامش الأصل وعليها علامة منه.