597 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين (وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المَنْقري التَّبوذكي (قَالاَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية ورجال هذا الإسناد بَصِريُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فكوفي. وقد أخرج متنه مسلم في «الصَّلاة» ، وكذا أبو داود.
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ مَنْ نَسِيَ صَلاَةً) مكتوبة، أو نافلة مؤقَّتة (فَلْيُصَلِّ) وجوبًا في المكتوبة، وندبًا في النَّافلة المؤقَّتة (إِذَا ذَكَرَهَا) وفي رواية
ج 3 ص 585
بإسقاط ضمير المفعول، ثمَّ إنَّه وقعَ في جميع الرِّوايات بحذف الضَّمير، ورواه مسلم عن هدَّاب بن خالد بلفظ (( فليصلِّها ) ). وزاد أيضًا من رواية سعيد عن قتادة (( أو نام عنها ) ). ولمسلم أيضًا من رواية أخرى (( إذا رقد أحدكم عن الصَّلاة، أو غفل عنها، فليصلِّها إذا ذكرها، فإنَّ الله يقول {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه 14] ) ). وعند النَّسائي (( أو يغفل عنها فإنَّ كفارتها أن يصلِّيها إذا ذكرها ) ). وعند ابن ماجه سُئِل عن الرَّجل يغفل عن الصَّلاة أو يرقد عنها، قال (( يصلِّيها إذا ذكرها ) ).
فإن قيلَ هذا يقتضي أن يلزم القضاء في الحال إذا ذَكَر، مع أنَّ القضاء من جملة الواجبات الموسَّعة.
فالجوابُ أنَّه لو تذكَّرها، ودام ذلك التذكُّر مدَّة، وصلَّى في أثناء تلك المدَّة صدق أنَّه صلَّى حين التذكُّر، وليس بلازمٍ أن يكون في أوَّل حال التذكُّر.
وجوابٌ آخر أنَّ «إذا» للشَّرط، فكأنَّه قال فليصلِّ إن ذكر؛ يعني لو لم يذكرْه لا يلزم عليه القضاء، أو جزاؤه مقدَّر يدلُّ عليه المذكور؛ أي إذا ذكر فليصلِّها، وعلى كلِّ تقدير فالجزاء لا يلزم أن يترتَّب على الشَّرط في الحال، بل يلزم أن يترتَّب عليه في الجملة.
ثمَّ إنَّ لفظَ الحديث شامل للنَّوافل المؤقَّتة دون غير المؤقَّتة، إذ لا يُتَصَوَّر فيها النِّسيان إلى أن يخرج وقتها.
فإن قيل فهو متناول أيضًا كنحو صلاة الخسوف، ولا قضاء لها.؟ فالجواب أنَّ شرعيَّتها متعلِّقة بسبب، وبزوال السَّبب يزول المسبَّب.
(لاَ كَفَّارَةَ لَهَا) أي لتلك الصَّلاة المنسيَّة (إِلاَّ ذَلِكَ) إشارة إلى القضاء الذي يدلُّ عليه قولهُ (( فليصلِّها إذا ذكرها ) )لأنَّ الصَّلاة عند الذّكر هي القضاء، والكفَّارة عبارة عن الخصلة التي من شأنها أن تكفِّر الخطيئة؛ أي تسترها، وهي من الصِّفات الغالبة في الاسميَّة.
وقال الخطَّابي هذا يحتمل وجهين
أحدهما أنَّه لا يكفِّرها غير قضائها.
والآخر أنَّه لا يلزمه في نسيانها غرامةٌ، ولا صدقة، ولا زيادة تضعيف لها إنَّما يصلِّي ما ترك. هذا، وعلى الأوَّل يكون قصر قلب، وعلى الثَّاني قصر إفراد.
( {أَقِمِ الصَّلاَةَ} ) وفي رواية < {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ} >، وعليها التِّلاوة ( {لِذِكْرِي} ) بكسر الراء واللام واحدة، كما في التِّلاوة المشهورة، وفي رواية بلامين وفتح الراء، على وزن فعلى، مصدر من ذكر يذكر.
وفي رواية مسلم من طريق يونس أنَّ الزُّهري كان يقرأها كذلك،
ج 3 ص 586
وعلى القراءتين اختلفوا في المراد بهذا فقيل المعنى لتذكرني فيها، وقيل لأذكرك بالمدح والثَّناء، وقيل لأوقات الذِّكر، وهي مواقيت الصَّلاة، وقيل لذكري؛ لأنِّي ذكرتها في الكتب، وأمرت بها، وقيل لذكري خاصَّة لا ترائي بها، ولا تشوبها بذكر غيري، وقيل شكرًا لذكري، وقيل لذكر أمري، وقيل إذا ذكرت الصَّلاة فقد ذكرتني، فإن الصَّلاة عبادة الله، فمتى ذكرها ذكر المعبود، فكأنَّه أراد لذكر الصَّلاة.
وقال فضل الله التُّوربشتي هذه الآية تحتمل وجوهًا كثيرة من التَّأويل، لكنَّ الواجب أن يصار إلى وجه يوافق الحديث، فالمعنى أقم الصلاة لذكرها، فإنَّه إذا ذكرها فقد ذكر الله، أو يقدَّر المضاف؛ أي لذكر صلاتي، أو وقع الضَّمير موقع ضمير الصلاة؛ لشرفها وخصوصيَّتها.
ومن فوائد الحديث وجوب قضاء النَّاسي من غير إثمٍ، وكذلك النَّائم سواء كثرت الصَّلاة أو قلَّت، وهذا مذهب العلماء كافة. وشذَّ بعضهم فيمن زاد على خمس صلوات أنه لا يلزمه القضاء حكاه القرطبي، ولا يعتدُّ به، فإن تركها عامدًا، فالجمهور على وجوب القضاء أيضًا.
وحكي عن داود وجمعٍ يسير عدَّهم ابن حزم منهم خمسة من الصَّحابة عمر بن الخطَّاب، وابنه عبد الله، وسعد بن أبي وقَّاص، وابن مسعود، وسلمان رضي الله عنهم، والقاسم بن محمد، وبديل بن ميسرة، ومحمَّد بن سيرين، ومطرف بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز، وسالم بن أبي الجعد، وأبو عبد الرحمن الأشعري، عدم وجوب القضاء على العامد؛ لأنَّ انتفاء الشَّرط يستلزم انتقاء المشروط، فيلزم منه أنَّ من لم ينس لا يصلِّي إذا ذكر.
والجواب عنه أنَّ القيد بالنِّسيان لخروجه مخرج الغالب، فإنَّ الغالب أنَّ المؤمن لا يترك الصَّلاة عمدًا، بل إنَّما يقع نسيانًا، أو لأنَّه ورد على السَّبب الخاصِّ مثل أن يكون ثمَّة سائل عن حكم قضاء الصَّلاة المنسيَّة، أو لأنَّه إذا وجب القضاء على المعذور فغيره أولى بالوجوب، وهو من باب التَّنبيه بالأدنى على الأعلى، وشرط اعتبار مفهوم المخالف عدم الخروج مخرج الغالب، وعدم وروده على السَّبب الخاصِّ، وعدم مفهوم الموافق.
وادَّعى ناس أنَّ وجوب القضاء على العامد يُؤخَذُ من قوله نسي؛ لأنَّ النِّسيان يطلق على التَّرك سواء كان عن ذهولٍ أو لا، ومنه قوله تعالى {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} [الحشر 19] {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة 67] . أي تركوا أمره فتركهم في العذاب.
ج 3 ص 587
قالوا ويقوِّي ذلك قولُه «لا كفَّارة لها» ، والنَّائم والنَّاسي لا إثم عليه. وضعَّفه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّ الخبر بذكر النَّائم ثابت، وقد قال فيه لا كفَّارة لها، والكفَّارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد؛ يعني كما في قتل الخطأ، فإنَّ فيه الكفَّارة.
ويمكن أن يُقالَ أيضًا إنَّهم لمَّا توهَّموا أنَّ في هذا الفعل كفَّارة بيَّن لهم أن لا كفَّارة فيها، وإنَّما يجب القضاء فقط من غير شيء آخر.
هذا؛ ثمَّ القائل بأنَّ العامد لا يقضي لم يُرد أنَّه أخفُّ حالًا من النَّاسي، بل يقول إنَّه لو شَرِع له القضاء؛ لكان هو والنَّاسي سواءً، والنَّاسي غيرُ آثم بخلاف العامد، فالعامد أسوء حالًا من النَّاسي فكيف يستويان؟.
ويمكن أن يقال إثم العامد بإخراجه الصَّلاة عن وقتها باق عليه، ولو قضاها بخلاف النَّاسي فإنَّه لا إثم عليه مطلقًا سواء لم يذكرها أو تذكَّر فقضاها، ثمَّ وجوب القضاء بأمر جديد هو قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( فليصلِّ إذا ذكرها ) )أو بالأمر الأوَّل فيه خلاف بين الأصوليِّين.
نعم؛ قال الحافظ العسقلانيُّ وجوب القضاء على العامد بالخطاب الأوَّل؛ لأنَّه قد خوطب بالصَّلاة، وترتَّبت في ذمَّته، فصار دَينًا عليه، والدَّين لا يسقط إلَّا بأدائه، فيأثم بإخراجه لها عن الوقت المحدود لها، كمن أفطر في رمضان عامدًا، فإنَّه يجب عليه أن يقضيه مع بقاء إثم الإفطار عليه.
ومن فوائده أيضًا أنَّ أحدًا لا يصلِّي عن أحد كما يحجُّ عنه، وهو حجَّةٌ على الشَّافعي.
ومنها أنَّ الصَّلاة لا تجبر بالمال، كما يجبر الصَّوم وغيره، إلَّا إذا كانت عليه صلوات فائتة، فحضره الموتُ، فأوصى بالفدية عنها، فإنَّه يجوز كما بُيِّنَ في الفروع.
وأمَّا ما قاله بعضهم من أنَّ فيه دليلًا على جواز قضاء الفوائت في الوقت المنهيِّ عن الصَّلاة فيه؛ لقوله (( فليصلِّها إذا ذكر ) )ففيه أنَّه لا يلزم أن يصلِّي في أوَّل حال الذكر، غاية ما في الباب أنَّ ذكره سبب لوجوب القضاء، فإذا ذكرها في الوقت المنهيِّ عنها فيه وأخَّرها إلى أن يخرج ذلك الوقت، وصلَّى يكون عاملًا بالحديثين أحدهما هذا، والآخر حديث النَّهي في الوقت المنهيِّ عنها فيه.
(قَالَ مُوسَى) هو ابن إسماعيل، وهو أحد شيخيه المذكورين في أوَّل الحديث؛ أي انفرد بهذا القول عن أبي نُعيم (قَالَ هَمَّامٌ) المذكور (سَمِعْتُهُ) أي قتادة (يَقُولُ بَعْدُ) بضم الدال؛ أي بعد زمان رواية الحديث ( {وَأَقِمِ} ) وفي رواية < {أَقِمِ} > بدون الواو ( {الصَّلاَةَ لِذِكْرِي} ) وفي رواية «للذكرى» كما تقدَّم؛ يعني أنَّ همَّامًا سمع قتادة يقرأ هذه الآية، ففيه تصريحٌ بسماع همَّام عن قتادة.
وقال الكرمانيُّ يعني لم يكن نقل الحديث، وتلاوة الآية معًا.
ج 3 ص 588
وقد اختلف في ذكر هذه الآية هل هي من كلام قتادة، أو من قول النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي رواية مسلم عن هدَّاب قال قتادة {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه 14] ، وفي روايته من طريق المثنَّى عن قتادة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إذا رقد أحدكم عن الصَّلاة أو غفل عنها فليصلِّها إذا ذكرها، فإنَّ الله يقول {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} ) ). وهذا ظاهره أنَّ الجميع من كلام النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
واستُدِلَّ به على أنَّ شرعَ من قبلنا شرعٌ لنا إذا قصَّهُ الله ورسوله من غير نكير؛ لأنَّ المخاطب بالآية المذكورة هو موسى عليه الصَّلاة والسَّلام.
(وَقَالَ حَبَّانُ) بفتح المُهمَلَة وتشديد المُوَحَّدة، هو ابن بلال، وقد مرَّ في باب فضل صلاة الفجر [خ¦574] [1] ، وفي رواية .
(حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (قَتَادَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ) أشار بهذا التَّعليق إلى بيان سماع قتادة من أنس؛ لتصريحه فيه بالتَّحديث؛ لأنَّ قتادة من المدلِّسين، وقد وصله أبو عَوانة في «صحيحه» عن عمَّار بن رجاء، عن حبَّان بن هلال، وفيه أنَّ همَّامًا سمعه من قتادة مرَّتين، كما في رواية موسى.
[1] (( وقد مرَّ في باب فضل صلاة الفجر ) )ليس في (خ) .