6446 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بن يونس التَّميميُّ اليربوعيُّ الكوفيُّ، وهو شيخُ مسلم أيضًا، قال (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هو ابنُ عيَّاش _ بتشديد التحتية وبالشين المعجمة _ القارئ المشهور الكُوفي، راوي عاصم، أحد القراء السَّبعة، قال (حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمان بن عاصمٍ الأسدي الكوفي.
(عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات، ورجال الإسناد كوفيُّون (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ) بفتح المهملة والراء ثم ضاد معجمة، أمَّا «عن» فسببيَّة، وأمَّا العَرَض فهو ما يُنتفع به من متاع الدُّنيا، ويطلقُ بالاشتراك على ما يُقابل الجوهر، وعلى كلِّ ما يعرضُ للشَّخص من مرضٍ ونحوه.
وقال ابنُ عبد الملك فيما نقلَ ابن التِّين عنه قال اتَّصل بي عن شيخٍ من شيوخ القيروان أنَّه قال العرَض _ بتحريك الراء _ الواحدُ من العروض الَّتي يُتَّجر فيها قال وهو خطأٌ، فقد قال الله تعالى {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى} [الأعراف 169] ولا خلاف بين أهل اللُّغة في أنَّه ما يعرض فيه، وليس هو واحد العروض الَّتي يُتَّجر فيها، بل واحدها عَرْض _ بالإسكان _ وهو ما سِوى النَّقدين. وقال أبو عبيد العروض
ج 27 ص 131
الأمتعة وهي ما سوى الحَيوان والعقار، وما لا يدخله كيل ولا وزن، وهكذا حكاهُ القاضي عياض وغيره.
وقال ابن فارسٍ في «المقايس» وذكر هذا الحديث إنَّما ضبطناه بسكون الراء، وهو كلُّ ما كان من المال غير نقدٍ، وجمعه عُروض، وأمَّا بالفتح فما يصيبه الإنسان من حظِّه في الدُّنيا، قال تعالى {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} [الأنفال 67] وقال {وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} [الأعراف 169] .
(وَلَكِنَّ) بتشديد النون، وفي رواية أبي ذرٍّ بتخفيفها (الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) وفي رواية الأعرجِ عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد وسعيد بن منصورٍ وغيرهما (( إنَّما الغنى في النَّفس ) )، وأصله في مسلم، ولابن حبَّان من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه (( قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذرٍّ أترى كثرة المال هو الغنى؟ قلت نعم، قال وترى قلَّة المال هو الفقر؟ قلت نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّما الغنى غنى القلب، والفقر فقرُ القلب ) ).
قال ابن بطَّال معنى الحديث ليس حقيقة الغِنى؛ أي ليس الغنى الحقيقي المعتبر كثرةُ المال؛ لأنَّ كثيرًا ممَّن وسَّع الله عليه في المال لا يقنع بما أُوتي فهو يجتهدُ في الازديادِ، ولا يُبالي من أين يأتيه، فكأنَّه فقيرٌ لشدَّة حرصهِ وشرههِ على جمعهِ، وإنَّما حقيقة الغنى غنى النَّفس وهو مَن استغنى بما أُوتي وقنع به ورضي، ولم يحرصْ على الازدياد ولا ألحَّ في الطَّلب فكأنَّه غنيٌّ.
وقال القرطبيُّ معنى الحديث أنَّ الغنى النَّافع، أو العظيم، أو الممدوح هو غني النَّفس وبيانه أنَّها إذا استغنت كفَّت عن المطامع فعزَّت وعظمت، وحصل لها من الحظوة والنَّزاهة والشَّرف والمدح أكثر من الغِنى الَّذي يناله من يكون فقير النَّفس بحرصه، فإنَّه يورطه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال لدناءة همَّته وبخله، ويَكثُر مَنْ يذمُّه من النَّاس، ويصغُر قدره عندهم فيكون أحقر من كلِّ حقيرٍ وأذلَّ من كل ذليلٍ.
والحاصل أنَّ المتَّصف بغنى النَّفس يكون قانعًا بما رزقَه الله تعالى،
ج 27 ص 132
ولا يحرصُ على الازدياد بغير حاجةٍ، ولا يلحَّ في الطَّلب، ولا يلحف في السُّؤال بل يرضى بما قسمَ الله له، فكأنَّه واجد أبدًا، والمتَّصف بفقر النَّفس على الضدِّ منه؛ لكونه لا يقنع بما أعطي بل هو أبدًا في طلب الازدياد من أيِّ وجهٍ أمكنه، ثمَّ إذا فاته المطلوب حزن وأسف، فكأنَّه فقيرٌ من المال؛ لأنَّه لم يستغنِ بما أُعطِيَ فكأنَّه ليس بغنيٍّ، ثم غنى النَّفس إنَّما ينشأُ عن الرِّضا بقضاء الله تعالى، والتَّسليم لأمره بأنَّ الذي عند الله خيرٌ وأبقى، فهو يعرض عن الحرص والطَّلب ولو لم يكن في ذلك إلَّا عدم رضاه بما قضاه الله له لكفي في الذَّمِّ، وما أحسن قول القائل
~غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ مِنْ سَدِّ حَاجَةٍ فَإِنْ زَادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الغِنَى فَقْرًا
وقال الطِّيبيُّ يمكن أن يرادَ بغنى النَّفس حصول الكمالات العلميَّة والعمليَّة، وإلى ذلك أشار القائل
~وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي جَمْعِ مَالِهِ مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الفَقْرُ
أي ينبغي أن ينفقَ أوقاته في الغنى الحقيقيِّ وهو تحصيلُ الكمالات لا في جمع المال، فإنَّه لا يزداد بذلك إلَّا فقرًا، انتهى.
وهذا وإن كان يمكن أن يرادَ، لكن الَّذي تقدَّم أظهرَ في المراد، وإنَّما يحصلُ غنى النَّفس بغنى القلب بأن يفتقرَ إلى ربِّه في جميعِ أموره فيتحقَّق أنَّه المعطِي المانع، فيرضَى بقضائه ويشكرهُ على نعمائهِ ويفزعُ إليه في كشفِ أحزانه فينشأُ عن افتقارِ القلب لديهِ غنى نفسهِ عن غير ربِّه تعالى.
والغنى الواردُ في قوله تعالى {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى 8] منزلٌ على غنى النَّفس، فإنَّ الآية مكيَّة، ولا يخفى ما كان فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يفتحَ عليه خيبر وغيرها من قلَّة المال، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه التِّرمذي في «الزُّهد» .