6470 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ،
ج 27 ص 193
قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ [أبي] حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) سقط «اللَّيثي» في غير رواية أبي ذرٍّ (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ، زاد أبو ذرٍّ رضي الله عنه (أَخْبَرَهُ أَنَّ أُنَاسًا) بهمزة مضمومة، وفي رواية أبي ذرٍّ بإسقاطها والمعنى واحدٌ.
(مِنَ الأَنْصَارِ) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على أسمائهم، وتقدَّم في «الزَّكاة» من طريق مالك عن ابن شهابٍ الإشارة إلى أنَّ منهم أبا سعيدٍ [خ¦1469] .
ووقع عند أحمد من طريق أبي بشر عن أبي نضرة عن أبي سعيدٍ أنَّ رجلًا كان ذا حاجةٍ فقال له أهله ائت النَّبي صلى الله عليه وسلم فاسأله فأتاه، فذكر المتن المذكور هنا. ومن طريق عُمَارة بن غزية عن عبد الرَّحمن بن أبي سعيدٍ عن أبيه، قال سرحتني أمِّي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فأتيته فقال ... الحديث، فعرف المراد بقوله أهله.
ومن طريق هلال بن حصينٍ قال نزلت على أبي سعيدٍ فحدَّث (( أنَّه أصبح وقد عصب على بطنه حجرًا من الجوع، فقالت له امرأته وأمُّه ائت النَّبي صلى الله عليه وسلم فسله، فقد أتاه فلان يسأله فأعطاه ... ) ). الحديث. ووقع عند البزَّار من حديث عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه أنَّه وقع له نحو ما وقع لأبي سعيدٍ، وأنَّ ذلك حين افتتحت قريظة.
(سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ) وفي رواية الحمويي والمستملي (أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلاَّ أَعْطَاهُ) وتقدَّم في «الزَّكاة» بلفظ (( سألوا فأعطاهم، ثمَّ سألوه فأعطاهم، ثمَّ سألوه فأعطاهم ) ) [خ¦1469] . وفي رواية معمر عن الزُّهري عند أحمد (( فجعل لا يسأله أحدٌ منهم إلَّا أعطاه ) ).
(حَتَّى نَفِدَ) بفتح النون وكسر الفاء بعدها دال مهملة؛ أي فرغ (مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ بِيَدَيْهِ) بالتثنية، وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد، يحتمل أن تكون هذه الجملة حاليَّة أو اعتراضيَّة أو استئنافيَّة، والباء تتعلَّق بقوله (( شيء ) )، ويحتمل أن تتعلَّق بقوله (( أنفق ) )، ووقع في رواية مَعمر (( فقال لهم حين أنفقَ كلَّ شيءٍ بيده ) ).
(مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ)
ج 27 ص 194
أي مال (لاَ أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ) بالإدغام وبغيره، وفي رواية مالك (( فلم أدَّخره ) )، وعنه (( فلن أدَّخره ) )وداله مهملة، وقيل معجمة؛ أي لا أجعله ذخيرةً لغيركم معرضًا عنكم. ووقع في رواية أبي ذرٍّ فـ «ما» موصولة متضمِّنة معنى الشرط، وعلى الأولى شرطيَّة، وقد صوَّبها الدِّمياطي، وليست الأخرى خطأ.
(وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ) كذا في رواية الأكثر بتشديد الفاء وفي رواية الكُشميهني بفائين، من الاستعفاف، وهو طلبٌ للعفَّة، وهي الكفُّ عن الحرام، والسُّؤال عن النَّاس؛ أي من يكفُّ عن الحرام والسُّؤال (يُعِفُّهُ اللَّهُ) بضم الياء وكسر العين وتشديد الفاء المفتوحة؛ أي يرزقه الله العفَّة بأن يُعطيه ما يستغني به عن السُّؤال، ويخلق الله تعالى في قلبه الغنى.
(وَمَنْ يَتَصَبَّرْ) أي يتكلَّف الصَّبر (يُصَبِّرْهُ اللَّهُ) يرزقه الصَّبر بالجزم فيهما (وَمَنْ يَسْتَغْنِ) أي يظهر الغنى أو يستغن بالله عمَّن سواه (يُغْنِهِ اللَّهُ) بضم الياء، من الإغناء؛ أي يرزقه الغِنى عن النَّاس، وقدَّم في رواية مالك الاستغناءَ على الصَّبر. ووقع في رواية عبد الرَّحمن بن أبي سعيدٍ بدل التَّصبر (( ومن استكفى كفاه الله ) )، وزاد (( ومن سأل وله قيمة أوقيةٍ فقد ألحف ) ). وزاد في رواية هلال (( ومن سَأَلنا إمَّا أن نبذلَ له وإمَّا أن نُواسيه، ومن يستعفف ويستغنِ أحبُّ إلينا ممَّن سألنا ) ).
(وَلَنْ تُعْطَوْا) بضم الفوقية وسكون العين وفتح الطاء المهملتين (عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ) لأنَّه جامعٌ لمكارم الأخلاق على ما لا يخفى، و «خيرًا» ، و «أوسعَ» بالنَّصب في هذه الرِّواية، وهو متَّجهٌ. ووقع في روايةٍ بالرَّفع، وفي رواية مسلم (( عطاء خير ) ).
قال النَّووي كذا في نسخ مسلم «خير» بالرفع، وهو صحيحٌ، والتَّقدير هو خيرٌ، كما في رواية البخاري، يعني من طريق مالك، ووقع في روايةٍ (( وما أُعِطْيَ أحدنا عطاءً خيرًا ) ) [خ¦1469] و «أُعِطَي» على البناء للمفعول.
وفي الحديث الحضِّ على الاستغناء عن النَّاس، والتَّعفف عن سؤالهم بالصَّبر والتَّوكل على الله تعالى وانتظار ما يرزقه، وإنَّ الصَّبر أفضل ما يعطاه المرء لكون الجزاء عليه غير مقدَّرٍ ولا محدود.
وقال القرطبيُّ معنى قوله (( من يستعفَّ ) )أي يمتنع عن السُّؤال، وقوله (( يُعفُّه الله ) )أي أنَّه يجازيه على استعفافه لصيانة وجهه،
ج 27 ص 195
ودفع فاقته.
وقوله (( ومن يستغن ) )أي بالله عمَّن سواه، وقوله (( يغنه ) )أي فإنَّه يعطيه ما يستغني به عن السُّؤال كما تقدَّم تقريره. وقوله (( ومن يتصبَّر ) )أي يعالج نفسه في ترك السُّؤال، ويصبر إلى أن يحصل له الرِّزق، وقوله (( يصبِّره الله ) )أي فإنَّه يقوِّيه ويمكِّنه من نفسه حتَّى تنقادَ له، وتذعنَ له الشِّدة فعند ذلك يكون الله معه فيظفِّره بمطلوبه.
وقال ابن الجوزي لمَّا كان التَّعفف يقتضي سترَ الحال عن الخلق، وإظهارَ الغنى عنهم، فيكون صاحبه معاملًا لله في الباطن، فيقع له الرِّبح على قدر صِدْقه في ذلك، وإنَّما جعل الصَّبر خير العطاء؛ لأنَّه حبس النَّفس عن فعل ما تحبُّه وألزامها بفعل ما تكره في العاجل ممَّا لو فعله أو تركه لتأذَّى به في الآجل.
وقال الطِّيبي معنى قوله (( من يستعفّ يعفُّه الله ) )إن عفَّ عن السُّؤال ولو لم يُظهِر الاستغناء عن النَّاس لكنَّه إن أُعطِيَ شيئًا لم يتركه يملأ الله قلبه غنى بحيث لا يحتاجُ إلى سؤالٍ، ومن زاد على ذلك فأظهر الاستغناء وتصبَّر، ولو أُعطِيَ لم يقبل، فذاك أرفع درجةً، فالصَّبر جامعٌ لمكارم الأخلاق.
وقال ابن التِّين معنى قوله (( يعفُّه الله ) )إمَّا أن يرزقه من المال ما يستغني به عن السُّؤال، وإمَّا أن يرزقَه القناعة، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في آخره، وقد مضى في «الزَّكاة» [خ¦1469] ، وأخرجه مسلم والنَّسائي أيضًا.