فهرس الكتاب

الصفحة 9685 من 11127

6499 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ، قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) هو الثَّوري، أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) بضم الكاف وفتح الهاء، أبي يحيى الحضرميُّ من علماء الكوفة. قال البخاريُّ

(وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوري (عَنْ سَلَمَةَ) أي ابن كُهيل، أنَّه قال (سَمِعْتُ جُنْدبًا) بضم الجيم وسكون النون وضم المهملة وفتحها، هو ابنُ عبد الله البجليُّ، والإسناد الثَّاني أعلى من الأول، ولم يكتف به مع علوِّه؛ لأنَّ في الرِّواية الأولى ما ليس في الثَّانية، وهو جلالة القطَّان، وما وقع في سياقه من تصريح سفيان بالتَّحديث، ونسبة سلمة شيخ الثَّوري، والسَّند الثَّاني كلُّهم كوفيُّون.

(يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال سلمة بن كُهَيل (وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا) من الصَّحابة (يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَهُ) أي غير جندب، ومراده أنَّه لم يسمع من أحدٍ من الصَّحابة حديثًا مسندًا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم إلَّا من جندبٍ، وهو ابن عبد الله البجليُّ الصَّحابي المشهور، وهو من صغار الصَّحابة رضي الله عنهم.

وقال الكرمانيُّ مراده لم يبقَ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذٍ غيره في ذلك المكان.

وقال الحافظ العسقلانيُّ احترز بقوله في ذلك الزَّمان، عمَّن كان من الصَّحابة موجودًا إذ ذاك بغير المكان الذي كان فيه جندبٌ، وليس كذلك فإنَّ جندبًا كان بالكوفة إلى أن مات، وكان بها

ج 27 ص 262

في حياة جندبٍ أبو جُحيفة السُّوائي، وكانت وفاته بعد جندبٍ بستِّ سنينٍ، وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما، وكانت وفاته بعد جندبٍ بعشرين سنة.

وقد روى سلمة بن كُهَيل عن كلٍّ منهما فيتعيَّن أن يكون مراده أنَّه لم يسمع منهما، ولا من أحدهما، ولا من غيرهما ممَّن كان موجودًا من الصَّحابة رضي الله عنهم بغير الكوفة بعد أن سمعَ من جندبٍ الحديث المذكور عن النَّبي صلى الله عليه وسلم.

وتعقَّبه العيني بأنَّ للكرماني أن يقول مرادي من قولي في ذلك المكان المكان الذي كان فيه جندب معدًّا فيه لإسماع الحديث، ولم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذٍ غيره، وإن كان أبو جُحَيفة وابن أبي أوفى موجودين في الكوفة حينئذٍ.

والعجبُ من هذا القائل يفسِّر كلام الكرمانيِّ بحسب ما يفهمه، ثمَّ يردُّ عليه. وفي الصَّحابة من يسمَّى بجندبٍ خمسة أنفسٍ جندب بن جُنَادة، وجُندب بن مكيث الجهنيُّ، وجُندب بن ضمرة الجندعيُّ، وجُندب بن كعبٍ العبديُّ، وجندبُ بن عبد الله البجليُّ وهو الذي روى عنه سلمة بن كُهَيل، والأشهر منهم أبو ذرٍّ الغفاريُّ، فقال خليفة بن خيَّاط مات جُندب؛ يعني أبا ذرٍّ سنة اثنتين وثلاثين بالرَّبَذة، قريةٌ من قرى المدينة، في خلافة عثمان رضي الله عنه وصلَّى عليه ابن مسعودٍ رضي الله عنه.

وأمَّا جُندب المذكور في هذا الحديث فلم يذكر أحدٌ تاريخ وفاته، فكيف يقول هذا القائل وكانت وفاة أبو جحيفة بعد جندبٍ بستِّ سنين، وكانت وفاة ابن أبي أوفى سنة سبعٍ وثمانين، قاله البخاريُّ، فكيف يقول وكانت وفاته بعد جندبٍ بعشرين سنةً. انتهى.

(فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَمَّعَ) بفتح المهملة وتشديد الميم، والتَّالي مثله مِن التَّسميع، وهو التَّشمير وإزالة الخمول بنشر الذِّكر (سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي) بضم التحتية والمد وكسر الهمزة والتَّالي مثله، وقد ثبتت الياء في آخر كلٍّ منهما، أمَّا الأولى فللإشباع، وأمَّا الثَّانية فكذلك.

(يُرَائِي اللَّهُ بِهِ) أو التَّقدير فإنَّه يرائي الله به،

ج 27 ص 263

ووقع في رواية وكيع عن سفيان عند مسلم (( من يُسمِّع يُسمِّع الله به، ومن يُرائي يُرائي الله به ) )، ولابن المبارك في «الزُّهد» من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه (( من سمَّع سمَّع الله بهِ، ومن راءى راءَى اللهُ به، ومن تطاولَ تعاظمًا خفضهُ الله، ومن تواضع تخشعًا رفعهُ الله ) ).

قال الخطَّابي معناه من عمل عملًا على غير إخلاصٍ، وإنَّما يريد به أن يراه النَّاس ويسمعوه جُوزي على ذلك بأن يشهِّره الله عزَّ وجلَّ ويفضحَه ويُظهر ما كان يبطنُه، وقيل من قصدَ بعملهِ الجاه والمنزلة عند النَّاس، ولم يُرد به وجه الله تعالى، فإنَّ الله تعالى يجعله حديثًا عند النَّاس الذين أرادنيل المنزلة عندهم، ولا ثوابَ له في الآخرة، ومعنى يُرائي يُطلعهم على أنَّه فعل ذلك لهم لا لوجههِ، ومنه قوله تعالى {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} [هود 15] إلى قوله {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود 16] .

وقال الحافظ المنذريُّ أي من أظهر عمله للنَّاس رياءً أظهرَ الله نيَّته الفاسدة في عمله يوم القيامةِ، وفضحه على رؤوس الأشهاد.

وقال في «المصابيح» هو على المجازاةِ من جنس العمل؛ أي من شَهَّر عملهِ سَمَّعه الله ثوابه ولم يُعطهِ إيَّاه.

وقيل المراد أنَّ من قصد بعمله أن يُسْمَعُه النَّاس ويَروه؛ ليعظِّموه ويعلو منزلةً عندهم حصل له ما قصدَ، وكان ذلك جزاؤه على عمله، ولا يثاب عليهِ في الآخرة.

وقيل المعنى من سَمَّعَ بعيوبِ النَّاس، وأذاعها أظهرَ الله تعالى عيوبه، وسَمَّعه المكروه. وقيل المعنى من نسبَ إلى نفسه عملًا صالحًا لم يفعله وادَّعى خيرًا لم يصنعه، فإنَّ الله جلَّ شأنُه يفضحهُ، ويظهر كذبهُ. وقيل المعنى مَن يرائي النَّاس بعملهِ أراهُ الله ثوابَ ذلك العملِ وحرمه إيَّاه. وقيل معنى «سَمَّع الله به» ، شهَّره، أو ملأَ أسماعَ النَّاس بسوءِ الثَّناء عليه في الدُّنيا، أو في القيامة بما ينطوي عليه من حيث السَّريرة.

وقد ورد في عدَّة أحاديث التَّصريح بوقوع ذلك في الآخرة، فهو المعتمدُ فعند أحمد من حديث أبي هند الدَّاري رفعه (( من قام مَقام رياءٍ وسُمعة، راءَى الله يومَ القيامةِ وسمَّع به ) ). وللطَّبراني من حديث عوف بن مالك نحوه، وله من حديث معاذ مرفوعًا (( ما من عبدٍ يقومُ في الدُّنيا مقام سمعةٍ ورياءٍ، إلَّا سمَّعَ الله جلت عظمته به على رؤوسِ الخلائقِ يوم القيامة ) ).

وللطَّبراني

ج 27 ص 264

من طريق محمَّد بن حُحادة عن سلمة بن كُهَيل من حديث جابرٍ رضي الله عنه في آخر هذا الحديث (( ومن كان ذا لسانينِ في الدُّنيا جعلَ اللهُ له لسانينِ من نارٍ يوم القيامةِ ) ).

وفي الحديث استحبابُ إخفاء العملِ الصَّالح لكن قد يستحبُّ إظهاره ممَّن يُقتدى به على إرادة الاقتداء به، ويُقدَّر ذلك بقدر الحاجة. قال الطَّبري كان عمر وابن مسعودٍ رضي الله عنهما وجماعةٌ من السَّلف يتهجَّدون في مساجدهم، ويتظاهرونَ بمجالس أعمالهم ليُقتدَى بهم، قال فمَن كان يستر عمله عالمًا بما لله عليه قاهرًا لشيطانهِ استوى ما ظهر من عمله وما خفي لصحَّة قصدهِ، ومن كان بخلاف ذلك فالإخفاء في حقِّه أفضل، وعلى ذلك عمل السَّلف.

فمن الأوَّل حديث حمَّاد بن سلمةَ عن ثابتٍ عن أنسٍ رضي الله عنه قال سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يقرأُ ويرفع صوته بالذِّكر، قال (( إنَّه أوَّاب ) )، فإذا هو المقداد بن الأسود رضي الله عنه، أخرجه الطَّبراني.

ومن الثَّاني حديث الزُّهري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كان رجلٌ يصلِّي فجهر بالقراءةِ، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لا تُسمعنِي واسمعْ صوتكَ ) )أخرجه أحمد وابن أبي خيثمة، وسنده حسنٌ.

قيل إنَّ الرياء قد يكون بالبدن كإطراقه رأسه ليرى أنَّه متخشعٌ، والهيئةُ كإبقاء أثر السُّجود، والثِّياب كلبسه خشنها وقصيرها جدًّا، والقولُ كالوعظِ وحفظ علوم الجدلِ وتحريك شفتيه بحضور النَّاس، وكلُّ واحدٍ منهما قد يراءى به باعتبار الدين، وباعتبار الدُّنيا، وحكم الرِّياء بغير العبادات طلب المالِ والجاه، وحكم الرِّياء بالعبادات إبطالها، وإن اجتمع قَصْدُ الرِّياء وقَصْد العبادةِ أُعطِيَ الحكم للأقوى، فيحتملُ وجهين في إسقاط الفرض به.

والمسرَّة على إطلاع الغير على عبادتهِ إن كان لغرضٍ دنيويٍّ، كإفضائهِ إلى الاحترام أو شبهه فهو مذمومٌ، وإن كان لغرضٍ أخرويٍّ كالفرحِ بإظهارِ الله جميله وسترَ قبيحه أو لرجاءِ الاقتداءِ به فممدوحٌ وعليه يُحمل ما يحدث به الأكابر من الطَّاعات وليس من الرِّياء سترُ المعصيةِ

ج 27 ص 265

بل ممدوحٌ، وإن عرض له الرِّياء في أثناء العبادة ثمَّ زال قبل فراغها لم يضرّ، ومتى علم من نفسه القوَّة أظهرَ القربة، وقد قيل اعمل ولو خفتَ عُجْبًا مستغفرًا منه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.

وقد أخرجه مسلمٌ في آخر الكتاب، وابن ماجه في «الزُّهد» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت