فهرس الكتاب

الصفحة 9687 من 11127

6500 - (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضم الهاء وسكون المهملة بعدها موحدة، ابن الأسود القيسيُّ البصريُّ، ويقال له هَدَّاب _ بفتح أوله وتشديد ثانيه _ قال (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى بن دينار العَوْذِي _ بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة _ البصري، قال (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) أي ابن دِعامة، قال (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ بَيْنَمَا) بالميم، وفي رواية أبي ذرٍّ بإسقاطها (أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي راكب خلفه(لَيْسَ

ج 27 ص 266

بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلاَّ آخِرَةُ الرَّحْلِ)بمدِّ الهمزة وكسر الخاء المعجمة، والرَّحْل _ بفتح الراء وسكون الحاء المهملة _ العودُ الذي يستند إليه الراكب من خلفه، وقيل هو سرجُ الجمل. وقال الجوهريُّ الرَّحل رحل الجمل، وهو أصغر من القتب، وأراد بذكره المبالغة في شدَّة قربه؛ ليكون أوقع في نفس سامعها أنَّه ضبطه. وفي رواية عَمرو بن ميمون عن معاذ كنت ردف النَّبي صلى الله عليه وسلم على حمارٍ يقال له عُفير. ووقع في رواية أحمد من رواية عبد الرَّحيم بن غَنْم عن معاذٍ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ركب على حمارٍ يقال له يَعفور، رَسَنُه من ليف.

ويمكن الجمع بأنَّ المراد بـ «آخرة المرحل» موضعُ آخرةِ الرَّحل؛ للتَّصريح بكونه على حمار، وإلى ذلك أشار النَّووي، ومشى ابن الصَّلاح على أنَّهما قصَّتان، وكأنَّ مستنده أن يقول له وقع في رواية أبي العوَّام عند أحمد على جملٍ أحمر، ولكن سنده ضعيفٌ.

(فَقَالَ) أي لي (يَا مُعَاذُ، قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) «لبَّيك» بالتَّثنية؛ أي إجابة بعد إجابةٍ، وهو نصبٌ على المصدر، وهي إجابة المنادى؛ أي إجابتي لك يا رسول الله، مأخوذٌ من لبَّ بالمكان وألبَّ إذا أقام به، ولم يستعمل إلَّا على لفظ التَّثنية، كأنَّك قلت ألَبَ إِلْبابًا بعد إِلْبابٍ.

(وَسَعْدَيْكَ) أي ساعدت طاعتك مساعدةً بعد مساعدةٍ، وإسعادًا بعد إسعادٍ، ولهذا ثُنِّي، وهو أيضًا من المصادر المنصوبة بفعلٍ لا يظهر في الاستعمال كلبَّيك، وقال الجرميُّ لم يُسمَع سعدك بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ بحذف أداة النِّداء كالتَّالي.

(ثُمَّ سَارَ) صلى الله عليه وسلم (سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ، قلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ) كذا في رواية الكُشميهني، وفي رواية غيره (يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ) بحذف حرف النِّداء أيضًا (وَسَعْدَيْكَ) كرَّر النِّداء ثلاثًا للتَّأكيد (قَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ) عزَّ وجلَّ؛ أي ما يستحقُّه تعالى (عَلَى عِبَادِهِ) ممَّا حتَّمه عليهم؟ (قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (حَقُّ اللَّهِ) عزَّ وجلَّ (عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ) بأن يُطيعوه فيما أمر به، ويجتنبوا عمَّا نهى عنه، أو بأن يوحِّدوه (وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) عطف على السَّابق؛ لأنَّه تمام التَّوحيد، والحكمة في عطفهِ على العبادة أنَّ بعضَ الكفرة كانوا يعبدون الله، ولكن كانوا يعبدون آلهةً أخرى،

ج 27 ص 267

فاشترط نفيَ ذلك.

وقال ابن حبَّان عبادة اللهِ إقرارٌ باللِّسان، وتصديقٌ بالقلبِ، وعملٌ بالجوارحِ، ولهذا قالوا [1] في الجوابِ فما حقُّ العباد إذا فعلوا ذلك، فعبَّروا بالفعل، ولم يعبِّروا [2] بالقول.

(ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ) بحذف حرف النِّداء أيضًا (قَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ) تعالى (إِذَا فَعَلُوهُ؟) أي المذكور من العبادةِ وعدم الإشراك، وفي رواية (قلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمْ) وفي رواية ابن حبَّان من طريق عَمرو بن ميمون (( أن يغفرَ لهم ولا يعذِّبهم ) )، وفي رواية أبي عُثمان (( يدخلهم الجنَّة ) )أي لا يعذِّبهم إذا اجتنبوا الكبائر، وأتوا بالمأمورات.

وقال القرطبيُّ حقُّ العباد على الله هو ما وعدهم من الثَّواب والجزاء، فَحُقَّ ذلك ووجب بحكم وعده الصِّدق، وقوله الحقُّ الذي لا يجوز عليه الكذبُ والخُلْف في الوعد، والله تعالى لا يجبُ عليه شيءٌ بحكم الأمر إذ لا آمر فوقه، ولا حكم للعقل؛ لأنَّه كاشفٌ لا موجب، انتهى.

وتمسَّك بعضُ المعتزلة بظاهرهِ، ولا متمسَّك لهم فيه مع قيام الاحتمال، وقيل إنَّ المراد بالحقِّ هنا المتحقِّق الثَّابت، أو الجدير؛ لأنَّ إحسان الرَّب لمن لم يتَّخذ ربًّا سواه جديرٌ في الجملة أن لا يعذِّبه، أو المراد أنَّه كالواجب في تحقُّقه وتأكُّده، أو ذُكِر على سبيل المقابلة.

وفي الحديث جواز ركوبِ اثنين على حمارٍ، وفيه تواضع النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفضلُ معاذٍ رضي الله عنه في حُسْن أدبه في القول وفي العلم بردِّه ما لم يعلم تحقيقه إلى علم الله ورسوله، وقُرِبْ منزلته من النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفيه تكرير الكلام لتأكيدِهِ وتفهيمهِ، واستفسار الشَّيخ تلميذه بالحكم ليختبرَ ما عنده، ويبيِّن له ما يُشكلُ عليه منه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ فيه مجاهدة النَّفس بالتَّوحيد، وجهاد المرء نفسَه هو الجهاد الأكبر.

وقد مرَّ الحديث بعين هذا الإسناد والمتن في «كتاب اللِّباس» [خ¦5967] ، ومرَّ نظيره في آخر «كتاب العلم» في «باب من خصَّ بالعلم قومًا» [خ¦128] ، والله تعالى أعلم.

ج 27 ص 268

[1] في الفتح قال بالإفراد.

[2] في الفتح فعبر بالفعل ولم يعبر بالإفراد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت