فهرس الكتاب

الصفحة 9696 من 11127

6506 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة، قال (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بالزاي والنون، عبد الله بن ذكوان المدني (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو ابنُ هرمز الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) قال الكرمانيُّ أهل الهيئة بيَّنوا أنَّ الفلكيَّات بسيطة لا تختلف مقتضياتها، ولا يتطرَّق إليها خلاف ما هي عليه، ثمَّ أجاب بقوله قواعدهم منقوضة ومقدَّماتهم ممنوعة، ولئن سلَّمنا صحَّتها، فلا امتناع في انطباقِ منطقة البروج على معدل النَّهار بحيث يصيرُ المشرق مغربًا وبالعكس.

وقال الطِّيبي الآيات أمَّاراتٌ للسَّاعة إمَّا على قربها، وإمَّا على حصولها، فمن الأول الدَّجال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، والخسف، ومن الثَّاني الدُّخان، وطلوع الشَّمس من مغربها، وخروج الدَّابة، والنَّار التي تحشر النَّاس.

وحديث الباب يُؤذن بذلك، لأنَّه جعل طلوعها من المغرب غاية لعدم قيام السَّاعة، فيقتضي أنَّها إذا طلعت كذلك انتهى عدمُ القيام فيثبتُ القيام.

ج 27 ص 294

(فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ) وفي رواية أبي زُرعة عن أبي هريرة في «التَّفسير» [خ¦4635] (( فإذا رآها النَّاس آمن من عليها ) )أي على الأرض من النَّاس (فَذَلِكَ) باللام، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بدون اللام، وفي رواية التَّفسير (( وذلك ) )بالواو (حِينَ لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا) كالمحتضر إذا صار الإيمان عيانًا والإيمان برهانًا (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) صفة نفسًا (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) عطف على «آمنت» ، والمعنى لا ينفعُ الإيمان حينئذٍ نفسًا غير مقدِّمةٍ إيمانها، أو مقدمة غير كاسبةٍ في إيمانها خيرًا، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله «لم تكن آمنت ... إلى آخره» ، وقال بعد قوله (( إيمانها ) ).

قال الطَّبري معنى الآية لا ينفع كافرًا لم يكن آمن من قبل الطُّلوع إيمانٌ بعد الطُّلوع، ولا ينفع مؤمنًا لم يكن عمل صالحًا قبل الطُّلوع عملٌ صالحٌ بعد الطُّلوع لأنَّ حكم الإيمان والعمل الصَّالح حينئذٍ حكم من آمن أو عمل صالحًا عند الغرغرة، وذلك لا يفيد شيئًا، كما قاله الله تعالى {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر 85] وكما ثبت في الحديث الصَّحيح (( تقبل توبة العبد ما لم يبلغ الغرغرة ) )وقد حاول صاحب «الكشاف» حمل هذه الآية على مذهبه في الاعتزال.

وقال ابن عطيَّة في هذا الحديث دليلٌ على أنَّ المراد بالبعض في قوله تعالى {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام 158] طلوع الشَّمس من المغرب، وإلى ذلك ذهبَ الجمهور.

وأسند الطَّبري عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه أنَّ المرادَ بالبعض إحدى ثلاث هذه، أو خروج الدَّابة، أو الدَّجال، قال وفيه نظرٌ؛ لأنَّ نزول عيسى عليه السَّلام يعقب خروج الدَّجال، وعيسى لا يَقبلُ إلا الإيمانَ، فانتفى أن يكون بخروج الدَّجال لا يُقبل الإيمان والتَّوبة.

وقد ثبت في «صحيح مسلم» من طريق أبي حازمٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( ثلاثٌ إذا خرجنَ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، طلوع الشَّمس من مغربها والدجال والدَّابة [1] ) )قيل فلعلَّ حصول ذلك يكون متتابعًا بحيث تبقى النِّسبة منها إلى الأول مجازية، وهذا بعيدٌ

ج 27 ص 295

لأنَّ مدَّة لبث الدَّجال إلى أن يقتله عيسى عليه السَّلام، ثمَّ لبث عيسى عليه السَّلام وخروج يأجوج ومأجوج كلُّ ذلك سابقٌ على طلوع الشَّمس من المغرب.

قال الحافظ العسقلاني فالَّذي يترجَّح من مجموعِ الأخبار أنَّ خروج الدَّجال أوَّل الآيات العِظام المؤذنة بتغييرِ الأحوال العامَّة في معظمِ الأرض، وينتهِي ذلك بموت عيسى بن مريم عليهما السَّلام، وإنَّ طلوع الشَّمس من مغربها هو أوَّل الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام السَّاعة.

ولعلَّ خروجَ الدَّابة يقعُ في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشَّمس من المغرب، وقد أخرج مسلمٌ من طريق أبي زُرعة عن عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما رفعه (( أوَّل الآياتِ طلوعُ الشَّمس من مغربها، وخروج الدَّابة على النَّاس ضحى، فأيَّتهما خرجت قبل الأخرى فالأخرى منها قريبٌ ) ).

وفي الحديث قصَّةٌ لمروان بن الحكم وأنَّه كان يقول أوَّل الآيات خروج الدَّجال، فأنكرَ عليه عبد الله بن عَمرو، ولكلام مروان مَحْمَلٌ يُعرف ممَّا ذكر، قال الحاكم أبو عبد الله الَّذي يظهر أنَّ عند طلوع الشَّمس من المغرب تغلقُ أبواب التَّوبة، فتخرج الدَّابة تُمِّيز المؤمن من الكافر تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التَّوبة، وأوَّل الآيات المؤذنة بقيام السَّاعة النَّار التي تحشر النَّاس، كما تقدَّم في حديث أنسٍ رضي الله عنه في «بدء الخلق» [خ¦3329] في مسائل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، ففيه وأمَّا أوَّل أشراط السَّاعة فنارٌ تحشر النَّاس من المشرق إلى المغرب.

قال ابن عطيَّة وغيره ما حاصله إنَّ معنى الآية أنَّ الكافرَ لا ينفعه إيمانه بعد طلوع الشَّمس من المغرب، وكذلك العاصي لا تنفعهِ توبته، ومن لم يعمل صالحًا من قبل ولو كان مؤمنًا لا ينفعه العمل بعد طلوع الشَّمس من المغرب.

وقال القاضي عياض المعنى لا تنفعه توبته بعد ذلك، بل يُختم على عملِ كلِّ أحدٍ بالحالة التي هو عليها. والحكمةُ في ذلك أنَّ أوَّل ابتداء قيام السَّاعة يتغيَّر العالم العلوي، فإذا شُوهد ذلك حصل الإيمان الضَّروري

ج 27 ص 296

بالمعاينة وارتفعَ الإيمان بالغيبِ فهو كالإيمان عند الغرغرة، وهو لا ينفعُ، فالمشاهدة لطلوعِ الشَّمس من المغرب مثله.

قال القرطبيُّ في «التَّذكرة» بعد أن ذكر هذا فتوبة من شاهد هذا، أو كان كالمشاهد له مردودةٌ، ولو امتدَّت أيَّام الدُّنيا بعد ذلك إلى أن ينسى هذا الأمر، أو ينقطعُ تواتره ويصيرُ الخبر عنه آحادًا، فإن أسلم حينئذٍ أو تاب قُبِل منه، وأيَّد ذلك بأنَّه روي أنَّ الشَّمس والقمر يكتسبان الضَّوء بعد ذلك، ويطلعان ويغربان من المشرق كما كانا قبل ذلك.

قال وذكر أبو اللَّيث السَّمرقندي في «تفسيره» عن عمران بن حُصين رضي الله عنه قال إنَّما لا تُقبلُ التَّوبة والعمل وقت الطُّلوع؛ لأنَّه يكون حينئذٍ ضجَّة يهلك بها كثيرٌ من النَّاس، فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت لم تُقبلْ توبته، ومن تاب بعد ذلك قُبلتْ توبته.

ورُوي عن عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما رفعه قال يبقى النَّاس بعد طلوع الشَّمس من مغربها عشرين ومائة سنة.

قال الحافظ العسقلانيُّ رَفْعُ هذا لا يثبت، وقد أخرجه عبد بن حُميد في «تفسيره» بسندٍ جيدٍ عن عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما موقوفًا، وقد ورد عنه ما يُعارضه فأخرج أحمدُ ونعيم بن حمَّاد من وجهٍ آخر عن عبد الله بن عَمرو رَفَعَه «الآياتُ خرزاتٌ منظومةٌ في سلكٍ إذا انقطعَ السِّلك تبعَ بعضها بعضًا» .

وأخرج الطَّبراني من وجهٍ آخر عنه رفعه (( إذا طلعت الشَّمس من مغربها خرَّ إبليسُ ساجدًا يُنادي إلهي مُرني أن أسجدَ لمن شئت ... ) )الحديث. وأخرج أبو نُعيم نحوه عن أبي هريرة رضي الله عنه والحسن وقتادة بأسانيد مختلفة. وعند ابن عساكر من حديث حذيفة بن أسد الغِفاري رفعه (( بين يدي السَّاعة عشرُ آياتٍ كالنَّظم في الخيط إذا سقط منها واحدةٌ توالت ) ).

وعن أبي العالية أوَّل الآيات وآخرها ستَّة أشهرٍ يتتابعن كتتابعِ الخرزات في النِّظام.

ويمكن الجواب عن حديث عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما بأنَّ المدَّة ولو كانت كما قال عشرين ومائة [سنة] لكنَّها تمرُّ مرًّا سريعًا كمقدار مرور عشرين ومائة شهرٍ

ج 27 ص 297

من قبل ذلك أو دون ذلك، كما ثبت في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( لا تقومُ السَّاعة حتَّى تكون السنة كالشَّهر ) )وفيه (( واليوم كاحتراق السَّعفة ) ).

وأمَّا حديث عمران فلا أصلَ له، وقد سبقه إلى هذا الاحتمال البيهقي في (( البعث والنُّشور ) )فقال في باب يأجوج ومأجوج فصل ذكر الحليمي أنَّ أوَّل الآيات الدَّجال، ثمَّ نزول عيسى عليه السَّلام؛ لأنَّ طلوع الشَّمس من المغرب لو كان قبل نزول عيسى عليه السَّلام لم ينفع الكفَّار إيمانهم، ولكنَّهم ينفعهم إذ لو لم ينفعهم لما صار الدِّين واحدًا بإسلام من أسلم منهم. قال البيهقيُّ وهو كلامٌ صحيحٌ لو لم يعارض الحديث الصَّحيح المذكور (( إنَّ أوَّل الآيات طلوع الشَّمس من المغرب ) ).

وفي حديث عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما (( طلوع الشَّمس أو خروج الدَّابة ) ). وفي حديث أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه [الجزم] بهما وبالدَّجال في عدم نفع الإيمان، قال البيهقيُّ إن كان في علم الله تعالى أنَّ طلوع الشَّمس سابقٌ احتمل أن يكون نفي النَّفع لنفس الَّذين شاهدوا ذلك فإذا انقرضوا أو تطاول الزَّمان وعاد بعضُهم إلى الكفر عادَ تكليفُ الإيمان بالغيب، وكذا في قصَّة الدَّجال لا ينفع إيمان من آمن بعيسى عليه السَّلام عند مشاهدة الدَّجال وينفعه بعد انقراضهِ، وإن كان في علم الله تعالى طلوع الشَّمس بعد نزول عيسى عليه السَّلام احتمل أن يكون المراد بالآيات في حديث عبد الله بن عَمرو آياتٌ أخرى غير الدَّجال ونزول عيسى عليه السَّلام إذ ليس في الخبر نصٌّ على أنَّه يتقدَّم عيسى عليه السَّلام.

قال الحافظُ العسقلاني وهذا الثَّاني هو المعتمدُ، والأخبار الصَّحيحة تخالفُه ففي «صحيح مسلم» من رواية محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( من تابَ قبل أن تطلعَ الشَّمس من مَغربها تاب الله عليه ) ). فمفهومه أنَّ من تاب بعد ذلك لم تقبل. ولأبي داود والنَّسائي من حديث معاوية رضي الله عنه رفعه (( لا تزالُ تُقبل التَّوبة

ج 27 ص 298

حتَّى تطلع الشَّمس من مغربها )) وسنده جيِّد. وللطَّبراني عن عبد الله بن سلام نحوه.

وأخرج أحمد والطَّبراني والطَّبري من طريق مالك بن يُخامِر _ بضم التحتانية بعدها معجمة وبكسر الميم _ عن معاوية وعبد الرَّحمن بن عوف وعبد الله بن عَمرو رضي الله عنهم رفعوه (( لا تزال التَّوبة مقبولةٌ حتَّى تطلعَ الشَّمس من مغربها، فإذا طلعت طُبِع على كلِّ قلبٍ بما فيه، وكُفِيَ النَّاس العمل ) ). وأخرج أحمد والدَّارمي وعبد بن حميد في «تفسيره» كلُّهم من طريق أبي هند عن معاوية رضي الله عنه (( لا تنقطع التَّوبة حتَّى تطلعَ الشَّمس من مَغربها ) )وسنده جيِّد.

ومن طريق أبي الشَّعثاء عن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفًا (( التَّوبة معروضةٌ ما لم تطلعَ الشَّمس من مغربها، فإذا طلعت طُبع على كلِّ قلبٍ بما فيه ) ). وفي حديث صفوان بن عسَّال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إنَّ بالمغرب بابًا مفتوحةً للتَّوبة مسيرة سبعين سنةً لا يُغلق حتَّى تطلع الشَّمس من مغربها ) ). وأخرجه التِّرمذي وقال حسنٌ غريبٌ، وأخرجه أيضًا النَّسائي وابن ماجه وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان.

وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما نحوه عند ابن مَرْدويه وفيه (( فإذا طلعت الشَّمس من مغربها رُدَّ المصراعان فيلتئمُ ما بينهما، فإذا أغلق ذلك الباب لم تُقبل بعد ذلك توبةٌ ) )فقال أُبيُّ بن كعبٍ رضي الله عنه فكيف بالشَّمس والنَّاس بعد ذلك؟ قال (( تُكسى الشَّمس الضَّوءَ، وتطلعُ كما كانت تطلعُ، ويُقبل النَّاس على الدُّنيا، فلو نتج رجلٌ مهرًا لم يركبه حتَّى تقوم السَّاعة ) ).

وفي حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما [عند] نُعيم بن حمَّاد في كتاب «الفتن» وعبد الرَّزاق في «تفسيره» عن وهب بن جابر الخيواني _ بالخاء المعجمة _ قال كنَّا عند عبد الله بن عَمرو فذكر قصَّة، ثمَّ أنشأ يحدِّثنا فقال (( إنَّ الشَّمس إذا غربتْ سَلَّمت وسجدتْ واستأذنت في الطُّلوع، فيُؤذن لها حتَّى إذا كان ذات ليلةٍ، فلا يُؤذن لها، فتُحبسَ ما شاء الله، ثمَّ يقال اطلعِي من حيث غربتِ، قال فمن يومئذٍ

ج 27 ص 299

إلى يوم القيامة لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل )) .

وأخرجه عبد بن حميد في «تفسيره» عن عبد الرَّزاق كذلك، ومن طريقٍ أخرى وزاد فيها قصَّة المتهجِّدين، وأنَّهم هم الذين يستنكرون طلوع الشَّمس.

وأخرج أيضًا من طريق عبد الله بن أبي أوفى قال تأتي ليلة قدرٍ ثلاث ليالٍ لا يعرفها إلَّا المتهجِّدون يقوم فيقرأ حزبه، ثمَّ يقوم فيقرأ، ثمَّ ينام، ثمَّ يقوم فعندها تموجُ النَّاس بعضُهم في بعضٍ حتَّى إذا صلُّوا الفجر وجلسوا، فإذا هم بالشَّمس قد طلعتْ من مغربها، فتضج النَّاس ضجةً واحدةً حتَّى إذا توسَّطت السَّماء رجعت.

وعند البيهقيِّ في «البعث والنُّشور» من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه نحوه (( فينادي الرَّجل جارهُ يا فلان ما شأن اللَّيلة لقد نمتُ حتَّى شبعتُ وصلَّيتُ حتَّى عَييت… ) ).

وعند نُعيم بن حمَّاد من وجهٍ آخر عن عبد الله بن عَمرو قال (( لا يلبثون بعد يأجوج ومأجوج إلَّا قليلًا حتَّى تطلعَ الشَّمس من مغربها، فيناديهم منادٍ يا أيُّها الَّذين آمنوا قد قُبِل منكم، ويا أيُّها الَّذين كفروا قد أُغلقَ عليكم باب التَّوبة، وجفَّت الأقلام وطويت الصُّحف ) ). ومن طريق يزيد بن شريح وكثير بن مرَّة (( إذا طلعت الشَّمس من المغرب يُطبعُ على القلوب بما فيها، وترتفعُ الحفظة وتُؤمرُ الملائكة أن لا يكتبوا عملًا ) ).

وأخرج عبد بن حميدٍ والطَّبري بإسنادٍ صحيحٍ من طريق عامر الشَّعبي عن عائشة رضي الله عنها (( إذا خرجت أوَّل الآيات طُرحت الأقلام، وطويت الصُّحف، وخلصت الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال ) )وهو وإن كان موقوفًا فحكمه الرَّفع.

ومن طريق العوفيِّ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما نحوه، ومن طريق ابن مسعودٍ رضي الله عنهما قال الآية الَّتي يختم بها الأعمال طلوعُ الشَّمس من مغربها.

فهذه آثارٌ يشدُّ بعضُها بعضًا متَّفِقَةٌ على أنَّ الشَّمس إذا طلعت من المغرب أُغلق باب التَّوبة، ولم يُفتح بعد ذلك، وإنَّ ذلك

ج 27 ص 300

لا يختصُّ بيوم الطُّلوع بل يمتدُّ إلى يوم القيامة، ويُؤخذ منها أنَّ طلوع الشَّمس من مغربها أوَّل الإنذار بقيام السَّاعة.

واستدلَّ صاحب «الكشاف» بهذه الآية للمعتزلة فقال قوله {لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} [الأنعام 158] صفةٌ لقوله {نَفْسًا} [الأنعام 158] وقوله {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام 158] عطفٌ على قوله {آَمَنْتُ} [الأنعام 158] والمعنى أنَّ أشراط السَّاعة إذا جاءت وهي آياتٌ ملجِئة للإيمان ذهبَ أوان التَّكليف عندها، ولم ينفعِ الإيمان حينئذٍ من غير مقدِّمة إيمانها قبل ظهور الآيات، أو مقدِّمة إيمانها من غير عملٍ صالحٍ، ولم يفرّق كما ترى بين النَّفس الكافرة، وبين النَّفس الَّتي آمنت في وقته ولم تكسب خيرًا ليعلم أنَّ قوله {الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} جمع بين قرينتين لا ينبغي أن تنفكَّ إحداهما عن الأخرى حتَّى يفوزَ صاحبها ويسعد، وإلَّا فالشَّقوة والهلاك.

قال الشِّهاب السَّمين قد أجاب النَّاس بأنَّ المعنى في الآية أنَّه إذا أتى بعض الآيات لا ينفعُ نفسًا كافرةً إيمانها الذي أوقعته إذ ذاك، ولا ينفع نفسًا سَبْقُ إيمانها، ولم تكسب فيه خيرًا، فقد علَّق نفي الإيمان بأحد وصفين إمَّا نفي سبق الإيمان فقط، وإمَّا سبقه مع نفي كسب خير.

ومفهومه أنَّه ينفعُ الإيمان السَّابق وحده، وكذا السَّابق بكسبِ الخير، ومفهوم الصِّفة قويٌّ فيستدلُّ بالآية لمذهب أهل السُّنة، ويكون فيه قلبُ دليل المعتزلة دليلًا عليهم.

وأجاب ابن المُنيِّر في «الانتصاف» فقال هذا الكلام من البلاغة يلفُّ اللف [2] ، وأصله يوم يأتي بعض آيات ربِّك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن مؤمنةً قبل إيمانها بعدُ، ولا نفسًا لم تكتسب خيرًا قبل ما تكتسبه من الخير بعدُ، فلفَّ الكلامين فجعلهما كلامًا واحدًا إيجازًا، وبهذا التَّقرير يظهر أنَّه لا يخالف مذاهب أهل الحقِّ، فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، ولو نفع الإيمان المتقدِّم من الخلود فهي بالرَّد على مذهبهِ أولى من أن تدلَّ له.

وقال ابنُ الحاجب في «أماليه» الإيمانُ قبل مجيء الآيات نافعٌ، ولو لم يكن عمل صالحٌ، ومعنى الآية لا ينفع نفسًا

ج 27 ص 301

إيمانها، ولا كسبها العمل الصَّالح لو لم يكن الإيمان قبل الآية، أو لم يكن العمل مع الإيمان قبلها، فاختُصر للعلم.

ونقل الطِّيبي كلام الأئمَّة في ذلك ثمَّ قال المعتمدُ ما قال ابن المُنيِّر وابن الحاجب، وبَسْطُهُ أنَّ الله تعالى لمَّا خاطب المعاندين بقوله {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام 92] الآية، ثمَّ علَّل الإنزال بقوله إنَّما أنزل الكتاب ... إلى آخره، إباحةً للعذر، وإلزامًا للحجَّة، وعقّبه بقوله {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} [الأنعام 157] تبكيتًا لهم وتقريرًا لما سبق من طلبِ الاتباع، ثمَّ قال تعالى {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ} [الأنعام 157] الآية أي إنَّه أنزلَ هذا الكتاب المنير كاشفًا لكلِّ ريبٍ وهاديًا إلى الطَّريق المستقيم ورحمةً من الله للخلق ليجعلوه زادًا لمعادهم، وفيما يقدِّمونه من العمل الصَّالح والإيمان، فجعلوا شكر النعمة أن كذبوا بها، ومنعوا من الانتفاع بها.

ثمَّ قال {هَلْ يَنْظُرُونَ} [البقرة 210] الآية؛ أي ما ينظرُ هؤلاء المكذبون إلَّا أن يأتيهم عذاب الدُّنيا بنزول الملائكة بالعقاب الذي يستأصلُ شأفتهم، كما جرى لمن مضى من الأمم قبلهم، أو يأتيهم عذاب الآخرة بوجود بعضِ قوارعها، فحينئذٍ تفوت تلك الفرصة السَّابقة فلا ينفعهم شيءٌ ممَّا كان ينفعهم من قبل من الإيمان والعمل الصَّالح مع الإيمان، فكأنَّه قيل يوم يأتي بعضُ آيات ربِّك لا ينفع نفسًا إيمانها، ولا كسبها العمل الصَّالح في إيمانها حينئذٍ إذا لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا من قبل، ففي الآية لفٌّ، لكن حُذفت إحدى القرينتين للسَّبر [3] ، ونظيره قوله تعالى {وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} [النساء 172] قال فهذا الذي عناه ابن المُنيِّر بقوله إنَّ هذا الكلام في البلاغة يقال له اللَّف، والمعنى يوم يأتي بعضُ آيات ربِّك لا ينفعُ نفسًا لم تكن مؤمنةً من قبل ذلك إيمانها من بعد ذلك، ولا ينفع نفسًا كانت مؤمنةً لكن لم تعمل في إيمانها عملًا صالحًا قبل ذلك ما تعمله من العمل الصَّالح بعد ذلك.

فبهذا التَّقرير

ج 27 ص 302

يظهرُ مذهب أهل السُّنة، فلا ينفع بعد ظهورِ الآيات [4] من الإيمان ما ينفع صاحبه في الجملة.

قال الطِّيبي قد ظفرت بفضل الله تعالى بعد هذا التَّقرير على آيةٍ أُخرى تشبه هذه الآية وتناسب هذا التَّقرير معنى ولفظًا من غير إفراطٍ ولا تفريطٍ، وهي قوله تعالى {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ*هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأعراف 52 - 53] فإنَّه يظهر أنَّ الإيمان المجرَّد قبل قوارع السَّاعة نافعٌ، وأنَّ الإيمان المقارن للعمل الصَّالح أنفع، أمَّا بعد حصولها فلا ينفع شيءٌ أصلًا، والله تعالى أعلم.

(وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلاَنِ ثَوْبَيْهِما بَيْنَهُمَا) بياء تحتية بعد موحدة في الفرع، وبإسقاطها في «اليونينية» ، وهو الظَّاهر، والواو في (( وقد ) )للحال (فَلاَ يَتَبَايَعَانِهِ وَلاَ يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ) بكسر اللام وسكون القاف بعدها مهملة، هي ذات الدرِّ من النُّوق؛ أي النَّاقة الحلوب.

(فَلاَ يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهْوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ) بفتح المثناة التحتية في الفرع كأصله مصححًا عليه. وقال الحافظ العسقلانيُّ بضم أوله، يقال ألاط حوضه إذا مَدَرَهُ؛ أي جمع حجارة فصيَّرها كالحوض، ثمَّ سدَّ ما بينها من الفُرَجِ بالمدر ونحوه ليحتبس الماء هذا أصله، وقد يكون للحوضِ خروقٌ يسدُّها بالمدر قبل أن يملأهُ.

وقال العينيُّ مِنْ لاطَ حوضه وألاطه إذا أصلحه وطينه.

(فَلاَ يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ بضم الهمزة، لقمته، وأَما _ بفتح الهمزة _ فهي المرَّة الواحدة (إِلَى فِيهِ فَلاَ يَطْعَمُهَا) بفتح أوله وثالثه، وفي كلِّ ذلك إشارةٌ إلى أنَّ قيام السَّاعة يكون بغتةً كما قال تعالى {لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} [الأعراف 187] .

ومطابقة الحديث للتَّرجمة على رواية الكُشميهني ظاهرةٌ، وعلى رواية غيره هو داخلٌ

ج 27 ص 303

فيما قبله.

[1] في هامش الأصل في رواية (( ودابة الأرض ) )كما هو في فتح الباري.

[2] في هامش الأصل في نسخة ما يقال له اللف.

[3] في الفتح بإيمانة النشر

[4] في هامش الأصل في نسخة الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت