فهرس الكتاب

الصفحة 9707 من 11127

6515 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسي البصري، يقال له عارمٌ، قال (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما، قال (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ) بضم العين وكسر الراء (مَقْعَدُهُ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والسَّرخسي والأوَّل هو الأصل، والثَّاني من باب القلب نحو عَرَضَ النَّاقة على الحوض (غُدْوَةً) بضم الغين المعجمة، أوَّل النَّهار (وَعَشِيًّا) آخره بالنِّسبة إلى أهل الدُّنيا، وفي رواية أبي ذرٍّ .

وفائدة العرض للمؤمن نوعٌ من الفرح، وللكافر نوعٌ من العذاب، والعرض على الرُّوح حقيقة، وعلى ما يتَّصل به من البدن الاتِّصالَ الذي يمكن به إدراك التَّنعيم أو التَّعذيب.

وأبدى القرطبيُّ في ذلك احتمالين هل هو على الرُّوح فقط، أو عليها وعلى جزءٍ من البدن، وحكى ابن بطَّال عن بعض أهل بلدهم أنَّ المراد بالعرض هنا الإخبار بأنَّ هذا موضع جزاءكم على أعمالكم عند الله، وأريد بالتَّكرير تذكارهم بذلك، واحتجَّ بأنَّ الأجساد تفنى، والعَرْضُ لا يقع على شيءٍ فانٍ.

قال قتادة إنَّ العرض الذي يدوم إلى يوم القيامة إنَّما هو على الرُّوح خاصَّة. وتعقِّب بأنَّ حمل العرض على الإخبار عدولٌ عن الظَّاهر بغير مقتضٍ لذلك، ولا يجوز العدول إلَّا بصارفٍ يصرف عن الظَّاهر. ونظر فيه

ج 27 ص 321

العينيُّ بأنَّ الأبدان تفنى، والذي يفنى حكمه حكم المعدوم، ولا يُتصوَّر العرض على المعدوم، وقوله عدولٌ عن الظَّاهر بغير مقتضٍ، غير مسلَّمٍ؛ لأنَّ الحكم بالظَّاهر متعذر والصَّارف عن الظَّاهر موجودٌ، وهو امتناع العرض على المعدوم.

وقال الحافظ العسقلانيُّ يؤيِّد الحمل على الظَّاهر أنَّ الخبر وردَ على العموم في المؤمن والكافر، فلو اختصَّ بالرُّوح لم يكن للشَّهيد في ذلك كثير فائدةٍ؛ لأنَّ روحه منعَّمةٌ جزمًا، كما في الأحاديث الصَّحيحة، وكذا روح الكافر معذَّبة في النَّار جزمًا، فإذا حمل على الرُّوح التي لها اتِّصال بالبدن ظهرت فائدة ذلك في حقِّ الشَّهيد، وفي حقِّ الكافر أيضًا.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ كون عموم الخبر يؤيِّد الحمل على الظَّاهر غير مسلَّمٍ لِمَا ذكرنا؛ يعني النَّظر المذكور، وأمَّا تقوية ذلك بقوله فلو اختصَّ العرض بالرُّوح ... إلى آخره، فغير مسلَّمٍ أيضًا؛ لأنَّ العرض في حقِّ الشَّهيد زيادة فرحٍ وسرور، وفي حقِّ الكافر زيادة جزعٍ وتحسُّر.

ويؤيِّد هذا ما رواه ابن أبي الدُّنيا والطَّبراني وصحَّحه ابن حبَّان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصَّة السُّؤال في القبر، وفيه (( ثمَّ يُفتح له بابٌ من أبواب الجنَّة، فيُقال له هذا مقعدك، وما أعدَّ الله لك فيها، فيزداد غبطةً وسرورًا، ثمَّ يُفتح له بابٌ من أبواب النَّار، فيقال له هذا مقعدك، وما أعدَّ الله لك لو عصيته، فيزداد غبطةً وسرورًا ... ) )الحديث. وفيه في حقِّ الكافر (( ثمَّ يُفتح له بابٌ من أبواب النَّار ) )، وفيه (( فيزداد حسرةً وثبورًا ) )وفيه (( لو أطعته ) ).

وأخرج الطَّبراني عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه (( ما من نفسٍ إلَّا وتنظر في بيتٍ في الجنَّة وبيتٍ في النَّار، فترى أهلُ النَّار البيتَ الذي في الجنَّة فيُقال لو عملتم، ويرى أهلُ الجنَّة البيت الَّذي في النَّار، فيقال لولا أن منَّ الله عليكم ) ). وفي رواية أحمد عن عائشة رضي الله عنها ما يؤخذ منه أنَّ رؤية ذلك للنَّجاة أو العذاب في الآخرة، فعلى هذا يحتمل في المذنب الذي قُدِّر عليه أن يعذَّب قبل أن يدخل الجنَّة أن يقال له مثلًا بعد عرض مقعده من الجنَّة

ج 27 ص 322

هذا كان مقعدك من أوَّل وهلةٍ لو لم تذنبْ، وهذا مقعدك من أوَّل وهلةٍ لعصيانك. وبهذا يندفعُ الإشكال الذي أبدى القرطبيُّ في «المفهم» في المؤمن المخلِّط.

نسأل الله العفو والعافية من كلِّ بليةٍ في الحياة وبعد الممات إنَّه ذو الفضل العظيم.

(إِمَّا النَّارُ وَإِمَّا الْجَنَّةُ) بكسر الهمزة فيهما، قيل كلمة «إمَّا» التَّفصيلية يمتنع الجمع بينهما في المؤمن المخلِّط، والجواب ما ذكر الآن من أنَّه يحتمل أن يعرضَ عليه مقعده من الجنَّة التي سيصير إليها (فَيُقَالُ) له (هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى تُبْعَثَ) وزاد الكُشميهني وفي رواية مالكٍ (( حتَّى يبعثك الله إليه يوم القيامة ) ). قال الكرمانيُّ ما معنى الغاية التي في (( حتَّى تبعث ) )؟ ثمَّ أجاب بقوله معناها أنَّه يرى بعد البعث كرامةً من عند الله ينسى عندها هذا المقعد.

وقال أيضًا وفيه إثباتُ عذاب القبر، والأصحُّ أنَّه للجسد، ولا بدَّ من إعادة الرُّوح فيه؛ لأنَّ الألم لا يكون إلَّا للحيِّ.

وقال العينيُّ إثباتُ عذاب القبر لا نزاعَ فيه، وأمَّا قوله والأصحُّ أنَّه للجسد، ولا بدَّ من إعادة الرُّوح فيه فغير مسلَّمٍ؛ لأنَّ الجسدَ يفنى، وتعذيب الذي فني غير متصورٍ، وأمَّا قوله ولا بدَّ من إعادة الرُّوح فيه، ففيه اختلافٌ هل تعود الرُّوح فيه حقيقة أو تقرب من البدن بحسب ما يعذب البدن بواسطته أو غير ذلك فحقيقة ذلك عند الله.

وقد ضرب بعض العلماء لتعذيب الرُّوح مثلًا في النَّائم، فإنَّ روحه تتنعَّم أو تعذَّب والجسد لا يُحسُّ بشيءٍ من ذلك.

واعلم أنَّ نسمة المؤمن طائرٌ يعلق في شجر الجنَّة ويعرض عليها مقعدها غدوةً وعشيًّا، وأرواح الكفَّار في أجواف طيرٍ سودٍ تغدو على جهنَّم وتروح كلَّ يومٍ مرَّتين، فذلك عرضها، وقد قيل إنَّ أرواحهم في صخرةٍ سوداء تحت الأرض السَّابعة على شفير جهنَّم في حواصلِ طير سود.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله (( إذا مات ) )؛ لأنَّ الذي يموت لا بدَّ له من سكرة الموت.

والحديث من أفراده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت