فهرس الكتاب

الصفحة 9710 من 11127

6517 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) العامري الأويسيُّ الفقيه، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، الزُّهري العوفي، أبو إسحاق المدني (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوفٍ (وَعَبْدِ الرَّحْمنِ) أي ابن هرمز (الأَعْرَجِ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ اسْتَبَّ رَجُلاَنِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ) الملائكة والجنُّ والإنس (فَقَالَ الْيَهُودِيُّ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ، قَالَ) أي أبو هريرة رضي الله عنه (فَغَضِبَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ) القول المستلزم لتفضيل موسى على نبيِّنا صلى الله عليه وسلم.

(فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تُخَيِّرُونِي) أي لا تفضِّلوني (عَلَى مُوسَى) ولا تجعلوني خيرًا منه، قيل هو صلى الله عليه وسلم أفضل المخلوقات فلم نهى عن التَّفضيل؟

أجيب بأنّه قاله تواضعًا وردعًا لمن يُخيِّر بين الأنبياء من قِبَل نفسه، فإنَّ ذلك يؤدِّي إلى العصبيَّة المفضية إلى الإفراط والتَّفريط، فيطرون الفاضل فوق حقِّه، ويبخسون المفضول حقَّه، فيقعون في مهواة الغيِّ، والمعنى لا تفضلوني بحيث يلزم نقصٌ أو غضاضة على غيره من الفضل أو بحيث يؤدِّي إلى خصومةٍ، أو كان هذا قبل علمه بأنَّه كان سيِّد ولد آدم.

وقال ابن بطَّال أي لا تفضِّلوني عليه في العمل فإنَّه أكثر عملًا منِّي، والثَّواب بفضل الله لا بالعمل، أو لا تفضلوني في البلوى والامتحان، فإنَّه أكثر محنةً منِّي وأعظم

ج 27 ص 328

إيذاءً وبلاءً.

(فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بفتح العين في المضارع وبكسرها في الماضي، من صَعِق إذا غشي عليه، وقال ابنُ الأثير الصَّعق أن يغشى على الإنسان من صوتٍ شديدٍ يسمعه وربَّما مات منه، ثمَّ استُعمل في الموت كثيرًا.

وقال القاضي يحتمل أنَّ هذه الصَّعقة صعقة فزعٍ بعد البعث حين تنشقُّ السَّماوات والأرض، يدلُّ عليه قوله «فأفاق قبلي» ؛ لأنَّه إنَّما يقال أفاق من الغشي، وأمَّا الموت فيقال بُعث منه، وصَعْقَةُ الطُّور لم يكن موتًا.

وأمَّا قوله صلى الله عليه وسلم (( فلا أدري أفاقَ قبلي ) )، فيحتمل أنَّه صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلم أنَّه أوَّل من تنشقُّ عنه الأرض إن كان هذا اللفظ على ظاهره، وأنَّ نبينا صلى الله عليه وسلم أوَّل شخصٍ تنشقُّ عنه الأرض، فيكون موسى عليه السَّلام من تلك الزُّمرة، وهي_ والله أعلم_ زمرة الأنبياء عليهم السَّلام.

(فَأَكُونُ أَوَّلَ أَوَّل) وفي رواية الكُشميهني (مَنْ يُفِيقُ) من الصَّعق (فَإِذَا مُوسَى) عليه الصَّلاة والسَّلام (بَاطِشٌ) بكسر الطاء (بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلاَ أَدْرِي أَكَانَ) موسى عليه السَّلام (فِيمَنْ صَعِقَ) بكسر العين (أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ) عزَّ وجلَّ.

وقد تقدَّم هذا الحديث في قصَّة موسى عليه السَّلام من «أحاديث الأنبياء» [خ¦3408] ، ونقل عن ابن حزمٍ أنَّ النَّفخ في الصُّور يقع أربع مرَّاتٍ، وتُعقِّب كلامه في ذلك، وفي كلام ابن العربيِّ أنَّها ثلاثٌ

نفخة الفزع كما في النَّمل، ونفخة الصَّعق كما في الزَّمر، ونفخة البعث كما في الزَّمر أيضًا.

قال القرطبيُّ والصَّحيح أنَّهما نفختان فقط لثبوت الاستثناء بقوله تعالى {إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [النمل 87] في كلٍّ من الآيتين، ولا يلزم من مغايرة الصَّعق الفزع أن لا تحصلا معًا من النَّفخة الأولى.

وقد ثبت في «صحيح مسلم» أيضًا من حديث عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما أنَّهما نفختان، ولفظه في أثناء حديثٍ مرفوعٍ (( ثمَّ ينفخ في الصُّور فلا يسمع أحدٌ إلَّا أصغى ليتًا ورفع ليتًا، ثمَّ يرسل الله مطرًا كأنَّه الطَّل فتنبت منه أجساد النَّاس، ثمَّ ينفخُ فيه أخرى، فإذا هم قيامٌ ينظرون ) ). ففيه التَّصريح

ج 27 ص 329

بأنَّهما نفختان فقط.

وأخرج البيهقيُّ بسندٍ قويٍّ عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه موقوفًا (( ثمَّ يقوم ملك الصُّور بين السَّماء والأرض، فينفخ فيه فلا يبقى لله خلقٌ في السَّماوات ولا في الأرض إلَّا ما شاء ربُّك، ثمَّ يكون بين النَّفختين ما شاء أن يكون ) ).

وفي حديث أوس بن أوسٍ الثَّقفي رفعه (( إنَّ أفضل أيَّامكم يوم الجمعة فيه الصَّعقة وفيه النَّفخة ) )الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنَّسائي، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان، وقد تقدَّم في «تفسير سورة الزُّمر» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( بين النَّفختين أربعون ) ) [خ¦4814] .

وفي كلِّ ذلك دلالةٌ على أنَّهما نفختان فقط، قيل وشرحَ قول أبي هريرة «أربعون سنةً» ونقل أنَّه لمَّا قيل أربعون سنةً، قال أبو هريرة أبيتُ بالموحدة، ومعناه امتنعت من تعيينه ولا أعلمه فلا أخوض فيه بالرَّأي. وأخرج ابن المبارك في «الرقائق» من مرسل الحسن (( بين النَّفختين أربعون سنةً الأولى يميت الله بها كلَّ حيٍّ، والأخرى يحيي بها كلَّ ميتٍ ) )ونحوه عن ابن مردويه من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وعند ابن مردويه ما يدلُّ على أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه لم يكن عنده علمٌ بالتَّعيين، فأخرج عنه بسندٍ جيدٍ أنَّه لمَّا قالوا أربعون ماذا؟ قال هكذا سمعتُ.

وأخرج الطَّبري بسندٍ صحيحٍ عن قتادة فذكر حديث أبي هريرة منقطعًا، ثمَّ قال قال أصحابنا ما سألناه عن ذلك ولا زاد عليه، غير أنَّهم كانوا يرون أنَّها أربعون سنةً.

وقال القرطبيُّ في «التَّذكرة» يحتمل أن يكون قول أبي هريرة أبيتُ؛ أي امتنعت أن لا يكون عنده علمٌ منه قال وقد جاء أنَّ بين النَّفختين أربعين عامًا.

قال الحافظ العسقلانيُّ وقع ذلك في طريقٍ ضعيفٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه في تفسير ابن مردويه، والله تعالى أعلم.

وجاء ممَّا يُصنع بالموتى بين النَّفختين ما وقع في حديث الصُّور الطَّويل أنَّ جميع الأحياء إذا ماتوا بعد النَّفخة الأولى، ولم يَبْقَ إلَّا الله، قال الله سبحانه (( أنا الجبَّار لمن الملك اليوم، فلا يجيبه أحدٌ فيقول لله الواحد القهَّار ) ).

وأخرج النَّحاس من حديث أبي وائلٍ عن عبد الله رضي الله عنه

ج 27 ص 330

أنَّ ذلك يقع بعد الحشر، ورجَّحه، ورجَّح القرطبيُّ الأول، ويمكن الجمع بأنَّ ذلك يقع مرَّتين وهو أولى، وأخرج البيهقيُّ من طريق أبي الزَّعراء كنَّا عند عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه فذكر الدَّجال إلى أن قال (( ثمَّ يكون بين النَّفختين ما شاء الله أن يكون، فليس في بني آدم خلق إلَّا وفي الأرض منه شيءٌ، قال فيرسل الله تعالى ماءً من تحت العرشِ فتنبت جسمانهم ولحمانهم من ذلك الماء، كما تَنبت الأرض من الرَّي ) )ورواته ثقاتٌ إلَّا أنَّه موقوفٌ، فإن قيل إذا تقرَّر أنَّ النَّفخة الثَّانية للخروج من القبور فكيف تسمعها الأموات، فالجواب أنَّه يجوز أن تكون نفخة البعث تطول إلى أن يتكاملَ إحياؤهم شيئًا بعد شيءٍ، والله تعالى أعلم. ثمَّ إنَّ في تعيين من استثنى الله في قوله {فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللهُ} أقوالًا

الأولى أنَّهم الموتى كلُّهم لكونهم لا إحساس لهم، فلا يصعقون، وإلى هذا جنح القرطبيُّ، وفيه ما فيه، ومستنده أنَّه لم يَرِد في تعيينهم خبرٌ صحيحٍ.

الثَّاني الشُّهداء، وقد صحَّ فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه في «الزُّهد» لهنَّاد بن السريِّ عن سعيد بن جبير موقوفًا (( هم الشُّهداء ) )وسنده إلى سعيدٍ صحيحٌ. وقد روى البيهقيُّ أثر سعيد بن جبير، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه سأل جبريل عليه السَّلام عن هذه الآية (( من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا؟ قال هم الشُّهداء ) )وصحَّحه الحاكم، ورجاله ثقاتٌ، ورجَّحه الطَّبري.

الثَّالث الأنبياء عليهم السَّلام وإلى ذلك جنح البيهقيُّ، وجوز أن يكون موسى عليه السَّلام ممَّن استثنى الله قال ووجهه عندي أنَّهم أحياءٌ عند ربِّهم كالشُّهداء، وقال أيضًا أنَّ الصَّعق لا يكون موتًا في جميع معانيه إلَّا في ذهاب الاستشعار. وقد جوَّز النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يكون موسى عليه السَّلام ممَّن استثنى الله، فإن كان منهم، فإنَّه لا يذهب استشعاره في تلك الحالة بسبب ما وقع له في صعقة الطُّور، وفيه ما فيه.

الرَّابع قال يحيى بن سلام بلغني جبريلُ وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ثمَّ يموت الثَّلاثة، ثمَّ يقول الله لملك الموت مت، فيموت.

وجاء مثل هذا مسندًا في حديث أنسٍ رضي الله عنه أخرجه البيهقيُّ وابن مردويه بلفظ (( وكان من استثنى الله عزَّ وجلَّ ثلاثة جبريل، وميكائيل، وملك الموت ) )الحديث،

ج 27 ص 331

وسنده ضعيفٌ.

الخامس حملة العرش؛ لأنَّهم فوق السَّماوات، أخرجه الطَّبري عن سعيد بن المسيَّب.

السَّادس الأربعة المذكورون وحملة العرش، وقع ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الطَّويل المعروف بحديث الصُّور، وسنده ضعيفٌ مضطرب.

وعن كعب الأحبار نحوه وقال هم اثنا عشر، أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ، وأخرجه البيهقيُّ من طريق زيد بن أسلم منقطعًا، ورجاله ثقاتٌ.

السَّابع موسى عليه السَّلام وحدَه، أخرجه الطَّبري بسندٍ ضعيفٍ عن قتادة، وذكره الثَّعلبي عن جابرٍ رضي الله عنه.

الثَّامن الوِلْدان الَّذين في الجنَّة، والحور العين.

التَّاسع هم الملائكة كلُّهم، جزم به أبو محمَّد بن حزم في «الملل والنحل» ، فقال الملائكة أرواحٌ لا أرواح فيها فلا يموتون أصلًا.

العاشر خُزَّان النَّار، وما فيها من الحيات والعقارب حكاه الثَّعلبي، والله تعالى أعلم.

قال البيهقيُّ استضعف أهل النَّظر أكثر هذه الأقوال؛ لأنَّ الاستثناء وقع من سكَّان السَّماوات والأرض، وهؤلاء ليسوا من سكَّانها؛ لأنَّ العرش فوق السَّماوات فحَمَلَتُه ليسوا من سكَّانها، وجبريل وميكائيل من الحافِّين حول العرش، ولأنَّ الجنَّة والنَّار عالمان بانفرادهما خُلقتا للبقاء.

ويدلُّ على أنَّ المستثنى غير الملائكة ما أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» وصحَّحه الحاكم من حديث لقيط بن عامر مطولًا، وفيه (( تلبثون ما لبثتم، ثمَّ تعقب الصَّائحة [1] ما تدُع على ظهرها من أحدٍ إلَّا مات حتَّى الملائكة الذين مع ربِّك ) ).

ومطابقة الحديث للتَّرجمة يمكن أن تؤخذ من قوله (( فإنَّ النَّاس يصعقون ) )فتأمَّل.

وقد مضى الحديث في «باب ما يذكر في الأشخاص» [خ¦2411] .

[1] في الفتح ثم تبعث الصائمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت