608 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزاي وبالنون الخفيفة، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.
ورجال الإسناد كلهم قد ذكروا، وقد أخرج متنه أبو داود والنسائي في «الصلاة» .
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية (صلى الله عليه وسلم قَالَ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ) أي إذا أُذِّن لأجلها، وفي رواية أبي داود والنسائي (( بالصلاة ) )، قال الحافظ العسقلاني ويمكن حملهما على معنى واحد. انتهى. وذلك بأن يجعل الباء للسَّببية، كما في قوله تعالى {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت 40] ، ومعنى التَّعليل قريب من معنى السَّببية.
(أَدْبَرَ) من الإدبار، وهو نقيضُ الإقبال، يقال دَبَر وأَدْبَر، إذا ولَّى.
(الشَّيْطَانُ) المعهود، هاربًا، حال كونه (لَهُ ضُرَاطٌ) جملة اسميَّة وقعت حالًا، والأصل فيها أن يكون بالواو، وقد يقع بلا واو نحو كلَّمته فوهُ إلى فِيَّ؛ لحصول الارتباط، ووقع في رواية الأَصيلي بالواو، وكذا عند المؤلف في بدء الخلق [خ¦3285] .
وقال
ج 4 ص 18
القاضي عياض يمكن حمله على ظاهره؛ لأنَّه جسم متغذٍّ يصحُّ منه خروج الريح.
هذا فيحتملُ أنَّه يتعمَّد إخراج ذلك إمَّا ليَشْغَل نفسه بسماع الصَّوت الذي يُخرجه عن سماع المؤذِّن، أو يصنع ذلك استخفافًا كما يفعله السُّفهاء. ويحتمل أن لا يتعمَّد ذلك، بل يحصل له عند سماع الأذان شدَّة خوف يَحدُث له ذلك الصَّوت بسببها، ويحتمل أن يتعمَّد ذلك؛ ليقابل ما يناسب الصلاة من الطَّهارة بالحدث.
وقيل إنه تمثيل لحال الشيطان عند هربه من سماع الأذان بحال من نزل به أمرٌ عظيمٌ، واعتراه خطبٌ جسيمٌ حتى لم يزلْ يحصل له الضُّراط من شدَّة ما هو فيها؛ لأن الواقع في شدَّة عظيمة من خوف وغيره تسترخي مفاصله، ولا يقدر على أن يملك نفسه، فينفتحَ منه مخرج البول والغائط، ولمَّا كان الشيطان لعنه الله يعتريه شدَّة عظيمة، وداهية جسيمة عند النِّداء إلى الصلاة، فيهرب حتَّى لا يسمع الأذان، شَبَّه حاله بحال ذلك الرَّجل، وأثبتَ له على وجه الادِّعاء الضراط الذي ينشأ من كمال الخوف الشديد، وفي الحقيقة ما ثمَّة ضراط، ولكن يجوز أن يكون له ريح؛ لأنه رُوْحٌ، ولكن لم نعرف كيفيَّته.
وقال الطِّيبي شبَّه شغل الشيطان نفسه عن سماع الأذان، بالصَّوت الذي يملأ السَّمع، ويمنعه عن سماع غيره، ثمَّ سمَّاه «ضراطًا» تقبيحًا.
(حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ) غاية للإدبار؛ أي يبعد إلى غاية ينتفِي فيها [1] سماعه للصَّوت.
وقد وقع بيان الغاية في رواية لمسلم من حديث جابر رضي الله عنه فقال «حتَّى يكون مكان الرَّوحاء» ، وحكى الأعمش عن أبي سفيان رواية عن جابر «إنَّ بين المدينة والرَّوحاء ستة وثلاثين ميلًا» .
فيستفاد منه استحباب رفع الصَّوت بالأذان، كما سيجيء في بابه أيضًا [خ¦609] .
قيل وإنما يهربُ من الأذان حتى لا يشهد بما سمعه يوم القيامة إذا استُشهد يوم القيامة، كما جاء في الحديث (( لا يسمع مدَى صوت المؤذِّن جنٌّ ولا إنسٌ، ولا شيءٌ إلا شهد له يوم القيامة ) )، والشيطان أيضًا شيء أو داخل في الجنِّ، وفيه أنَّه كافر، والكافر ليس بأهل للشَّهادة. ويمكن أن يجاب عنه بأن ذلك في أمر الدنيا، ولا يقاس عليه أمر الآخرة، وقيل إنه يُدبر ويَهرب؛ لعِظَم أمر الأذان؛ لما اشتمل عليه من قواعد الدين، وإظهار شعائر الإسلام وإعلانه.
وقيل ليأسهِ من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتَّوحيد. قيل ولهذا يهرب من الأذان، ويدنو من الصلاة وفيها القرآن؛ يعني يهرب من الأذان ليأسه من الوسوسة، ويدنو من الصلاة؛
ج 4 ص 19
لانفتاح أبواب الوساوس فيها له، فيسعى في إفسادها أو إفساد الخشوع فيها. وسيأتي التفصيل في ذلك إن شاء الله تعالى.
(فَإِذَا قُضِيَ) على صيغة المجهول، ويروى على صيغة المعلوم؛ أي فإذا قضى المنادي (النِّدَاء) ويروى مرفوعًا ومنصوبًا بناء على الرِّوايتين في «قضى» ، والقضاء يأتي لمعان، والمراد هنا الفراغ، يقال قضيت حاجتي؛ أي فرغت عنها أو الانتهاء، (أَقْبَلَ) أي الشيطان. وزاد مسلم في رواية أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( فوسوس ) ).
(حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ) بضم المثلثة وتشديد الواو المكسورة وبالموحدة (بِالصَّلاَةِ) أي حتى إذا أُقيم لها، والتَّثويب هنا الإقامة، وبذلك جزم أبو عَوَانة في «صحيحه» والخطَّابي والبيهقي، وغيرهم.
والعامَّة لا تعرف التَّثويب إلَّا قول المؤذِّن في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم، حسب، قيل هو من ثاب، إذا رجع، وإنما سُمِّيت الإقامة تثويبًا؛ لأنَّه عود إلى النداء.
وقال القرطبي ثوَّب بالصلاة؛ أي أقام لها، وأصله أنَّه رجع إلى ما يشبه الأذان، وكلُّ مردِّد صوتًا فهو مثوِّب، ويدلُّ عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح، عن أبي هريرة (( فإذا سمع الإقامة ذهب ) ). وقيل هو من «ثوَّب» ، إذا أشار بثوبه عند الفزع لإعلام غيره، ثم كثر استعماله في كلِّ إعلام يجهر به صوتٌ.
وقال بعض الكوفيين إنَّ المراد بالتَّثويب قول المؤذِّن بين الأذان والإقامة «حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة» . وحكى ذلك ابن المنذر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله، وزعم أنَّه تفرَّد به، لكن في «سنن أبي داود» عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كره التَّثويب بين الأذان والإقامة، فهذا يدلُّ على أنَّ له سلفًا في الجملة.
(أَقْبَلَ) الشَّيطان (حَتَّى يَخْطرَ) بضم الطاء وكسرها. وقال القاضي عياض ضبطناه من المتقنين بالكسر، وسمعناه من أكثر الرُّواة بالضم، قال والكسر هو الوجه، ومعناه يوسوس، من قولهم خطر الفحل بذنبه، إذا حرَّكه يضرب به فخذيه. وأما بالضم؛ فمن المرور؛ أي يدنو منه، فيمرَّ بينه وبين قلبه، فيشغله عمَّا هو فيه، وبهذا فسَّره أكثر الشرَّاح، وبالأوَّل فسَّره الخليل.
وقال الباجي فيحول بين المرء وما يريد من نفسه من إقباله على صلاته وإخلاصه. وقال الهَجَري في «نوادره» يخطِر بالكسر في كلِّ شيء، وبالضم ضعيفٌ.
ج 4 ص 20
(بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ) أي قلبه، وكذا وقع للبخاري من وجه آخر في «بدء الخلق» [خ¦3285] ، فاندفع ما قيل أنه كيف يتصوَّر خطوره بين المرء ونفسهِ، وهما عبارتان عن شيءٍ واحدٍ، وقد يجاب بأنه يكون تمثيلًا لغاية القرب منه (يَقُولُ) أي الشيطان للمصلِّي (اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا) هكذا بدون واو العطف في رواية الأكثرين، ووقع في رواية كريمة بواو العطف ، وكذا في رواية مسلم. وعند المصنِّف في صلاة السهو (( اذكر كذا وكذا ) ) [خ¦1231] . وزاد مسلم من رواية عبد ربِّه عن الأعرج (( فهنَّاه ومنَّاه، وذكر من حاجتهِ ما لم يكن يذكر ) ).
(لِمَا) أي لشيء (لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) أي لم يكن على ذُكر منه قبل دخوله في الصلاة، وفي رواية لمسلم (( لما لم يكن يذكر من قبل ) ). وقد استنبط منه أبو حنيفة رحمه الله للذي شكى إليه أنَّه دفن مالًا ثم لم يهتدِ لمكانه أن يصلِّي، ويحرص على أن لا يحدِّث نفسه بشيءٍ من أمور الدنيا، ففعل فذكر مكان المال في الحال.
وقيل خصَّه بما يعلم دون ما لا يعلم؛ لأنَّه يميل لما يعلم أكثر؛ لتحقُّق وجوده، والذي يظهر أنَّه أعمُّ من ذلك، فيذكِّره بما سبق له علم ليشغل بالَه به، وبما لم يكن سبق له؛ ليوقعه في الفكرة فيه. وهذا أعم من أن يكون في أمور الدُّنيا، أو في أمور الدِّين كالعلم، لكن هل يشمل ذلك التفكُّر في معاني الآيات التي يتلوها؟ لا يبعد ذلك؛ لأنَّ غرضه نقص خشوعه وإخلاصه بأيِّ وجه كان، كذا ذكر الحافظ العسقلاني.
(حَتَّى يَظَلَّ) كذا للجمهور بالظاء المشالة المفتوحة، ومعناه في الأصل اتِّصاف المخبر عنه بالخبر نهارًا، لكنَّها هنا بمعنى يصير أو يبقى، كما في قوله تعالى {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} [الزخرف 17] . ووقع عند الأَصيلي بالضاد المكسورة؛ أي ينسى ويذهب وَهْمُه ويسهو، قال تعالى {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} [البقرة 282] أو بفتحها؛ أي يخطئ، كما قُرئ في قوله تعالى {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} [طه 52] . قال الدَّاودي والكسر أشهر.
(الرَّجُلُ) أي حتى يصير هذا الرجل (لاَ يَدْرِي كَمْ صَلَّى) من عدد الركعات، وفي رواية للبُخاري في صلاة السَّهو (( إن يدري كم صلَّى ) ) [خ¦1231] ، وكذا في رواية أبي داود، وكلمة (( إنْ ) )بالكسر نافيةٌ بمعنى «لا» . وقال القاضي عياض ورُوِي بفتحها، قال وهي رواية ابن عبد البر، وادَّعى أنَّها رواية أكثرهم، وكذا ضبطه الأَصيلي، والصَّحيح الكسر.
وقال القرطبي ليست رواية الفتح
ج 4 ص 21
بشيءٍ إلَّا مع رواية الضاد السَّاقطة، فتكون «إن» مع الفعل بتأويل المصدر؛ أي حتى يضلَّ الرجل عن درايته، وفي رواية المؤلف من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه في «بدء الخلق» (( حتى لا يدري أثلاثًا صلَّى أم أربعًا ) ) [خ¦3285] .
هذا. وفي الحديث أنَّ الأذان له فضل عظيم حتَّى يلحق الشَّيطان منه أمر عظيم، كما ذكر، وكذا أنَّ المؤذِّن له أجر عظيم إذا كان أذانه احتسابًا لله تعالى.
وفي «صحيحي ابن خزيمة وابن حبَّان» (( المؤذِّن يُغفر له مدَّ صوته، ويستغفر له كلُّ رطبٍ ويابسٍ، وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون حسنة، ويكفِّر عنه ما بينهما ) ). وعند أحمد (( ويصدِّقه كلُّ رطبٍ ويابسٍ سمعه ) ). وعند أبي الشيخ (( كلُّ مدرةٍ وصخرةٍ سمعتْ صوته ) ).
وفي كتاب «الفضائل» لحميد بن زَنْجُويَه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( يُكتَب للمؤذِّن عند أذانه أربعون ومئة حسنة، وعند الإقامة عشرون ومئة حسنة ) ).
وفي كتاب أبي القاسم الجُوزي عن أبي سعيد وغيره (( ثلاثة يوم القيامة على كثب من مسك أسود لا يهولهم فزع، ولا ينالهم حساب ) )الحديث. وفيه (( ورجلٌ أذَّن ودعا إلى الله عزَّ وجلَّ ابتغاءَ وجه الله ) ). وعند السرَّاج عن أبي هريرة رضي الله عنه بسندٍ جيدٍ (( المؤذِّنون أطولُ النَّاس أعناقًا؛ لقولهم لا إله إلَّا الله ) ). وفي لفظ (( يُعرَفون بطولِ أعناقهم يوم القيامة ) )خرَّجه أيضًا ابن حبَّان في «صحيحه» . وعند أبي الشيخ (( مَن أذَّن خمس صلوات إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه ) ).
وفي كتاب «الصحابة» لأبي موسى من حديث كثير بن مرَّة الحضرمي مرفوعًا (( أوَّل من يُكسى من حُلل الجنَّة بعد النَّبيين والشهداء بلالٌ، وصالحُ المؤذِّنين ) ).
وفي كتاب «شعب الإيمان» للبيهقي من حديث أبي معاوية، عن أبي يعيش السَّكوني، عن عبادة بن نُسَيْ يرفعه (( من حافظ على النداء بالأذان سنةً أوجب الجنَّة ) ).
ورُويَ في رواية ضعيفة عن ثابت عن أنسٍ رضي الله عنه (( يد الله تعالى على رأس المؤذِّن حتَّى يفرغَ من أذانه، وإنَّه ليغفر له مدَّ صوته، فإذا فرغَ قال الربُّ تعالى صدقتَ عبدِي، وشهدتَ شهادة الحقِّ، فأبشر ) ).
وعند أبي الفرج (( يحشر الناس على نوقٍ من نوق الجنَّة، يخاف الناس ولا يخافون، ويحزن الناس ولا يحزنون ) ).
وعند أبي الشيخ من حديث أبي موسى (( يُبْعث يومُ الجمعةِ زاهرًا منيرًا، وأهلُ الجنة محفوفون به
ج 4 ص 22
كالعروس تُهدَى إلى بيت زوجها لا يخالطهم إلَّا المؤذِّنون المحتسبون )) . ومن حديث جابر رضي الله عنه قيل يا رسول الله! من أول الناس دخولًا الجنة؟ قال (( الأنبياء، ثمَّ الشهداء، ثمَّ مؤذِّنوا الكعبة، ثمَّ مؤذِّنوا بيت المقدس، ثمَّ مؤذِّنوا مسجدي هذا، ثم سائر المؤذِّنين ) )سندهما صالح.
ومن حديث أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه (( دخلت الجنة فرأيت فيها جنابذَ اللُّؤلؤ، فقلت لمن هذا يا جبريل؟ قال للمؤذِّنين والأئمَّة من أمتك ) ). وقال أبو حاتم الرازي هذا حديث منكر.
وعند عبد الرزاق من حديث عبد الرحمن بن سعد بن عمَّار بن سعد المؤذِّن، عن صفوان بن سُلَيم، عن أنس رضي الله عنه رفعه (( إذا أُذِّنَ في قرية آمنها الله من عذابه ذلك اليوم ) ). وعند السرَّاج بسند صحيحٍ (( الإمام ضامنٌ، والمؤذِّن مؤتمنٌ، اللَّهمَّ أرشد الأئمَّة، واغفرْ للمؤذِّنين ) ).
ومن هذا أخذ الشَّافعي أنَّ الأذان أفضلُ من الإمامة، وأما عندنا فالإمامة أفضل؛ لأنها وظيفة النَّبي صلى الله عليه وسلم.
تتمة قد اختلف العلماء في الحكمة في هروب الشيطان عند سماع الأذان دون سماع القرآن والذِّكر في الصلاة، فقيل يهرب حتى لا يشهد للمؤذِّن يوم القيمة، فإنَّه لا يسمع صوت المؤذِّن جنٌّ ولا إنسٌ إلا شهد له، كما يأتي بعدُ [خ¦609] .
ولعلَّ البخاري رحمه الله أشار إلى ذلك بإيراد الحديث المذكور عقب هذا الحديث.
ونقل القاضي عياض عن بعض أهل العلم أنَّ اللَّفظ عام، والمراد به خاص، وأن الذي يشهد مَن تصحُّ منه الشهادة. وقيل إن ذلك خاصٌّ بالمؤمنين، فأمَّا الكفَّار فلا تقبل شهادتهم، وردَّه لما جاء من الآثار بخلافه.
وبالغ الزين ابن المُنيِّر في تقرير الأول، وهو مقام احتمال، وقيل يهرب نفورًا عن سماع الأذان، ثم يرجع موسْوِسًا؛ ليفسد على المصلِّي صلاته، فصار رجوعه من جنس فراره، والجامع بينهما الاستخفاف. وقيل إنَّ الأذان دعاء إلى الصلاة المشتملة على السُّجود الذي أباه وعصى بسببه.
واعترض بأنه يعودُ قبل السُّجود، فلو كان هربه لأجله لم يعد إلا عند فراغه.
وأُجيب عنه بأنَّه يهرب عند سماع الدُّعاء بذلك؛ ليغالط نفسه بأنَّه لم يخالف أمرًا، ثم يرجع ليفسد على المصلِّي سجوده الذي أباه. وقيل إنما يهربُ لاتِّفاق الجميع على الإعلان بشهادة الحقِّ وإقامة الشَّريعة.
واعترضَ بأنَّ الاتفاق على ذلك حاصل قبل الأذان وبعده
ج 4 ص 23
مِن جميع مَن يصلِّي.
وأُجيب بأنَّ الإعلان أخص من الاتِّفاق، فإنَّ الإعلان المختصَّ بالأذان لا يشاركه فيه غيره من الجهر بالتَّكبير والتِّلاوة مثلًا. ولهذا قال لعبد الله بن زيد (( أَلْقِه على بلال، فإنه أندى صوتًا منك ) )أي أقعد بالمد والإطلالة والإسماع؛ ليعمَّ الصوت، ويَطُوْل أمد التأذين، فيكثر الجمع ويَفوْتَ على الشيطان مقصوده من إلهاء الآدمي عن إقامة الصلاة في جماعة، أو إخراجها عن وقتها، أو وقت فضيلتها، فيفرَّ حينئذٍ وقد يئس عن أن يردَّهم عمَّا أعلنوا، ثم يرجع لما طُبِعَ عليه من الوسوسة.
وقال ابن الجوزي على الأذان هيبة يشتدُّ انزعاج الشيطان بسببها؛ لأنه لا يكاد يقع في الأذان رياءٌ ولا غفلة عند النُّطق به، بخلاف الصلاة، فإنَّ النفس تَحضُر فيها، فينفتح للشَّيطان أبواب الوسوسة.
وقد ترجم عليه أبو عَوانة الدَّليل على أنَّ المؤذِّن في أذانه وإقامته منفيٌّ عند الوسوسة والرياء؛ لتباعد الشيطان منه.
وقيل لأن الأذان إعلام بالصلاة التي هي أفضل الأعمال، بألفاظ هي من أفضل الذكر لا يُزاد فيها، ولا يُنقص منها، بل يقع على وفق الأمر، فيفر من سماعها.
وأمَّا الصلاة؛ فلِمَا يقع من كثير من الناس فيها من التَّفريط يتمكَّن الخبيث من الوسوسة فيها، فلو قُدِّر أنَّ المصلِّي وفى بجميع ما أُمِرَ به فيها لم يَقْرَبه، وإذا كان وحده فهو نادرٌ، وإذ انضمَّ إليه من هو مثله، فإنه يكون أندر، أشار إليه ابن أبي جمرة.
وقال ابن بطَّال يشبه أن يكون الزَّجر عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذِّن المؤذِّن من هذا المعنى؛ لئلَّا يكون متشبِّهًا بالشيطان الذي يفرُّ عند سماع الأذان.
[1] في الأصل فيما، والصواب ما أثبتناه.