فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 11127

53 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ) ؛ بفتح الجيم وسكون العين، ابن عبيد أبو الحسن الجوهري الهاشمي، مولاهم البغدادي، سمع الثوري ومالكًا وغيرهما من الأعلام، وعنه أحمد والبخاري وأبو داود وآخرون، وقال موسى بن داود ما رأيت أحفظ منه، وكان أحمد يحض على الكتابة عنه، وقال يحيى بن معين هو رباني العلم ثقة، ثقة، وقال خلف بن سالم (صرت أنا وابن معين وأحمد بن حنبل فحدث كل شيء كتبنا عنه حفظًا) ، وقيل إنه كان يتهم بالجهمية، وقيل إن الذي كان يتهم بها ولده الحسن قاضي بغداد وبقي ستين سنة، أو سبعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولد سنة ست وثلاثين ومئة، ومات سنة ثلاثين ومائتين، ودفن بمقبرة باب حرب ببغداد.

(قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) ؛ بن الحجاج وقد مر ذكره، [خ¦10] (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) ؛ بالجيم والراء، واسمه نصر بن عمران بن عصام، وقيل عاصم الضُّبَعي _ بضم المعجمة وفتح الموحدة _ نسبة إلى ضبيعة أحد أجداده البصري، سمع ابن عباس وابن عمر وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم وخلقًا من التابعين، وعنه أيوب وغيره من التابعين وغيرهم، كان مقيمًا بنيسابور، ثم خرج إلى مرو، ثم انصرف إلى سرخس وبها توفي سنة ثمان وعشرين ومئة، وليس في (( الصحيحين ) )من يكنى بهذه الكنية غيره.

ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ومنها أن رجاله ما بين بغدادي، وواسطي، وبصري، ومنها أن فيهم من هو من الأفراد وهو أبو جمرة، وقد أخرج متنه المؤلف في عشرة مواضع هنا، وفي «خبر الواحد» [خ¦7266] ، وكتاب «العلم» [خ¦87] ، وفي «الصلاة» [خ¦523] ، وفي «الزكاة» [خ¦1398] ، وفي «الخمس» [خ¦3095] ، وفي «مناقب قريش» [خ¦3510] ، وفي «المغازي» [خ¦4368] ، وفي «الأدب» [خ¦6176] ، وفي «التوحيد» [خ¦7556] ، وأخرجه مسلم في «الإيمان» ، وفي «الأشربة» ، وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح، والنسائي في «العلم» و «الإيمان» و «الصلاة» .

(قَالَ كُنْتُ أَقْعُدُ) ؛ بلفظ المضارع؛ حكاية عن الحال الماضية استحضارًا لتلك الصورة (مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما؛ أي مصاحبًا معه أو عنده؛ يعني في زمن ولايته البصرة من قبل علي رضي الله عنه (يُجْلِسُنِي) بضم أوله جملة مستأنفة، وفي رواية بالفاء عطفًا على قوله اقعد؛ أي يرفعني بعد أن أقعد فتصح الفاء.

(عَلَى سَرِيرِهِ) وهو معروف وجمعه أسرة وسُرُر، وبعضهم يفتح الراء الأُولى؛ استثقالًا لاجتماع الضمتين مع التضعيف، قيل إنه مأخوذ من السرور؛

ج 1 ص 380

لأنه مجلس السرور.

(فَقَالَ) أي ابن عباس رضي الله عنهما (أَقِمْ) وتوطن (عِنْدِي) أي لتساعدني (حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا) أي نصيبًا والجمع سهمان (مِنْ مَالِي) وسبب ذلك أنه كان يتكلم بالفارسية أيضًا، فكان يترجم لابن عباس رضي الله عنهما عمن تكلم بها كما في رواية (( كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس ) ).

وقال ابن الصلاح (وعندي أنه كان يبلِّغ كلام ابن عباس إلى من خفي عليه من الناس، إما لزحام، أو اختصار يمنع من فهمه، وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بلغة أخرى، وقال النووي(والظاهر أنه يفهمهم عنه ويفهمه عنهم) ، ويقال سببه الرؤيا التي رآها في العمرة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في «الحج» [خ¦1567] .

(فَأَقَمْتُ) أي قال أبو جمرة فأقمت (مَعَهُ) أي عنده مدة (شَهْرَيْنِ) وإنما عدل عن السياق الأول فقال «معه» ، ولم يقل عنده كما قال «عندي» لأجل المبالغة؛ لأن المصاحبة أبلغ من العندية.

(ثُمَّ قَالَ) والسبب في تحديث ابن عباس رضي الله عنهما لأبي جمرة بهذا الحديث ما بيَّنه مسلم بعد قوله «وبين الناس، فأتت امرأة تسأله عن نبيذ الجرة فنهى عنه فقلت يا ابن عباس، إني أنتبذ في جرة خضراء نبيذًا حلوًا فأشرب منه فيقرقر بطني قال لا تشرب منه وإن كان أحلى من العسل» ، وسيأتي أن النهي عنه منسوخ.

(إِنَّ وَفْدَ) هو اسم جمع، وقيل جمع واحده وافد، قال صاحب (( التحرير ) )الوفد الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم إلى لقي العظماء، والمصير إليهم في المهمات. وقال القاضي (هم القوم يأتون الملك ركابًا، ويؤيده أن ابن عباس رضي الله عنهما فسر قوله تعالى {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} [مريم 85] بقوله ركبانًا) .

(عَبْدِ الْقَيْسِ) هو أبو قبيلة، وهو ابن أَفْصَى _ بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الصاد المهملة _ ابن دُعْمي _ بضم المهملة وسكون العين المهملة وبياء النسبة _ كانوا ينزلون البحرين وحوالي القطيف والأحساء، وما بين هجَر إلى الديار البصرية.

قال النووي (ووفد عبد القيس كانوا أربعة عشر رجلًا كبيرهم الأشج، ويُروى أنهم أربعون فيحتمل أن يكون لهم وفادتان، أو أن الأشراف أربعة عشر والباقي تبع) .

(لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) ؛ عام الفتح قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وسبب إتيانهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن منقذ بن حبان كان يتجر إلى يثرب بملاحف وتمرَّ من هجَر بعد الهجرة، فمرَّ به النبي صلى الله عليه وسلم فنهض منقذ إليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( أمنقذ بن حبان؟ كيف قومك؟ ) )ثم سأله عن أشرافهم رجل رجل يسميهم بأسمائهم، فأسلم منقذ وتعلم الفاتحة وسورة اقرأ، وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى جماعة عبد القيس، فلما رحل إلى هجَر كتمه أيامًا وكان يصلي ويقرأ،

ج 1 ص 381

فاطلعت عليه امرأته فقالت لأبيها المنذر بن عائذ وهو الأشج سُمِّي به؛ لأثر في وجهه، وكان سيد قومه إني أنكرت فعل بَعْلِي منذ قدم من يثرب إنه ليغسل أطرافه، ثم يستقبل الجهة؛ تعني الكعبة فيحني ظهره مرة، ويقع أخرى فتلاقيا فوقع الإسلام في قلبه، ثم ثار الأشج إلى قومه عَصَر _ بفتح العين والصاد المهملتين _، بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأه عليهم فوقع الإسلام في قلوبهم، وأجمعوا على المسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار الوفد، فلما دنَوا من المدينة قال النبي صلى الله عليه وسلم (( أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق ) )وفيهم الأشج العصري نسبة إلى أحد أجداده، فلما أتوه صلى الله عليه وسلم (قَالَ) صلى الله عليه وسلم

(مَنِ) كلمة استفهام (الْقَوْمُ؟ أَوْ) قال (مَنِ الْوَفْدُ) الشك من شعبة، وهو الظاهر أو من أبي جمرة، وإنما استفهم عنهم مع أنه قد أخبر بإتيانهم قبل كما مر آنفًا؛ ليستأنس بهم ولترحيبهم.

(قَالُوا) أي الوفد الذين أتوا نحن (رَبِيعَةُ) وإنما قالوا كذلك؛ لأن عبد القيس من أولاد ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وفيه التعبير عن البعض بالكل؛ لأنهم بعض ربيعة كما يدل عليه ما جاء في رواية أخرى عند المؤلف في «الصلاة» فقالوا (( إنَّا هذا الحي من ربيعة ) ) [خ¦523] و «هذا الحي» منصوب على الاختصاص.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ، أَوْ بِالْوَفْدِ [1] ) وهو منصوب على المصدرية بفعل مضمر؛ أي صادفوا رُحبًا _ بضم الراء _ أي سعة فليستأنسوا ولا يستوحشوا، وأصله رَحَّب اللهُ بالقوم أو رحب الله القوم مرحبًا، فالباء إما للتعدية أو زائدة على ما قيل. وقال العسكري (وأول من قال مرحبًا سيفُ بن ذي يزن)

وفيه دليل على استحباب تأنيس القادم، وقد تكرر ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أم هانئ (( مرحبًا بأم هانئ ) ) [خ¦357] ، وفي قصة عكرمة بن أبي جهل (( مرحبًا بالراكب المهاجر ) )، وفي قصة فاطمة رضي الله عنها (( مرحبًا بابنتي ) ) [خ¦6176] وكلها صحيحة.

(غَيْرَ خَزَايَا) جمع خزيان من الخزي، من خزى يخزي من باب علم يعلم؛ أي استحيى أو ذل وهان، وهو منصوب على الحال، وروي بالكسر على الصفة والمعروف هو الأول.

قال النووي ويؤيده رواية المصنف في «الأدب» (( مرحبًا بالوفد الذين جاؤوا غير خزايا ) ) [خ¦6176] والمعنى أنهم أسلموا طوعًا من غير حرب أو سبي يخزيهم ويفضحهم فجاؤوا غير أذلاء ولا مستحيين).

(وَلاَ نَدَامَى) ؛ جمع ندمان بمعنى النادم، وقيل هو جمع نادم، وقيل إنَّ ندامى إنَّما هو جمع ندمان بمعنى

ج 1 ص 382

النادم في اللهو، قال الشاعر

~فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني

فعلى هذا يكون ندامى هنا خرج على الإتباع كما قالوا العشايا والغدايا مع أن الغداة جمعها غدوات لكنه أتبع، قال ابن أبي مرة (بشَّرهم بالخير عاجلًا وآجلًا؛ لأن الندامة إنما تكون في العاقبة فإذا انتفت ثبت ضدها) .

(فَقَالُوا) وفي رواية (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ) أي لا نقدر ولا نطيق الإتيان إليك (إِلاَّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ) لحرمة القتال فيه عندهم، وفي رواية وهي رواية مسلم أيضًا فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة كما في مسجد الجامع، مؤول بقولنا مسجد الوقت الجامع عند البصريين كما عرف في موضعه، والمراد جنس الشهر الحرام، ويؤيده رواية المؤلف في «المغازي» بلفظ (( إلا في أشهر الحرم ) ) [خ¦4368] ، وقيل اللام للعهد، والمراد شهر رجب، وفي رواية للبيهقي التصريح به، وكانت مضر تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف إليهم فقيل رجب مضر، والظاهر أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى أيضًا إلا أنهم ربما أنسوها بخلافه.

(وَ) الحال أن (بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ) ؛ اسم لمنزل القبيلة، ثم سُمِّيت القبيلة به، (مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ) ؛ بضم الميم وفتح الضاد المعجمة غير منصرف، وهو مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ويقال لها مضر الحمراء، ولأخيه ربيعة الفرس؛ لأنهما لما اقتسما الميراث أعطى مضر الذهب وربيعة الخيل، وكفار مضر كانوا بين ربيعة والمدينة إذ كانت مساكن ربيعة بالبحرين وما والاها من أطراف العراق، ولهذا قالوا كما في رواية شعبة (( وإنا نأتيك من شقة بعيدة ) ) [خ¦87] أي سفر بعيد، ولا يمكنهم الوصول إلى المدينة إلا بالمرور عليهم، وكانوا يخافون إلا في الأشهر الحرم؛ لامتناعهم من القتال فيها، وهذا يدل على أنهم أسلموا قبل وفودهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم تقدم إسلامهم على قبائل مضر، ويدل عليه أيضًا قولهم «يا رسول الله» ، ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضًا لعلها ما رواه المصنف في «الجمعة» [خ¦892] من طريق أبي جمرة أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن أول جمعة جُمِّعت بعد جمعةٍ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجُواثَى من البحرين، وجُواثَى _ بضم الجيم وبعد الألف مثلثة مفتوحة _ وهي قرية شهيرة لهم، وإنما جمَّعوا بعد رجوع

ج 1 ص 383

وفدهم إليهم، فدل على أنهم سبقوا جميع المدن والقرى إلى الإسلام. وجاء في هذا الخبر أن وفد عبد القيس لما وصلوا إلى المدينة بادروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقام الأشج فجمع رجالهم وعقل ناقته ولبس ثيابًا جددًا، ثم أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقربه النبي صلى الله عليه وسلم وأجلسه إلى جانبه، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم، قال (( بايعوني على أنفسكم وقومكم ) )فقال القوم نعم، فقال الأشج يا رسول الله، إنك لن تزايل الرجل عن شيء أشد عليه من دينه نبايعك على أنفسنا وترسل معنا من يدعوهم، فمن اتبع كان منا، ومن أبى قاتلناه قال (( صدقت إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة ) )قال الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله، والأناة _ بفتح الهمزة _ مقصور بمعنى التأني.

(فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ) ؛ بالتنوين فيهما على الوصفية لا بالإضافة، والأمرُ واحدُ الأوامر؛ أي مرنا بعمل بواسطة افعلوا، ويؤيده ما قال الراوي «أمرهم» ، وما في رواية عند المؤلف قال النبي صلى الله عليه وسلم (( آمركم ) ) [خ¦4368] أو واحد الأمور، فافهم، والفَصْل _ بفتح الفاء وسكون الصاد المهملة _ إما بمعنى الفاصل كالعدل بمعنى العادل؛ أي يفصل بين الحق والباطل، وإما بمعنى المفصل؛ أي المبين المكشوف.

(نُخْبِرْ بِهِ) ؛ بالرفع على الصفة لأمر، وبالجزم على أنه جواب الأمر (مَنْ) أي الذي استقر (وَرَاءَنَا) أي خلفنا من قومنا الذين خلفناهم في بلادنا فتكون الورائية بحسب المكان، ويحتمل أن يكون بحسب الزمان؛ أي أولادنا وأخلافنا، والموصول مفعول «نخبر» .

قال الكرماني وفي بعض الروايات _ بكسر الميم _، وقال محمود العيني (إن صح هذه الرواية يحتمل أن تكون كلمة «مَنْ» للغاية بمعنى أن قومهم يكونون غاية لإخبارهم. اعلم أن لفظ الوراء من الأضداد يأتي بمعنى خلف وبمعنى قُدَّام كما في قوله تعالى {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف 79] وهي مؤنثة، وقال ابن السِّكِّيت يذكر ويؤنث.

(وَنَدْخُلْ) ؛ بفتح النون وضم الخاء، وروي بالرفع والجزم على قياس ما عطف عليه، وفي رواية بلا واو، وكذا وقع في رواية مسلم، وعلى هذه الرواية يجوز الرفع على أنها جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب أيضًا.

(بِهِ الْجَنَّةَ) ؛ أي إذا قبل بفضل الله ورحمته (وَسَأَلُوهُ) أي النبي صلى الله عليه وسلم (عَنِ الأَشْرِبَةِ) أي عن ظروفها بتقدير المضاف، أو عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة، بحمل اللام على العهد (فَأَمَرَهُمْ) أي النبي صلى الله عليه وسلم والفاء للتعقيب، (بِأَرْبَعٍ) ؛ أي بأربع خصال أو جُمَل (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ) والحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير في قوله «بأربع» «عن أربع» هو تشويق النفس إلى التفصيل؛ ليسكن إليها، وليسهل حفظها للسامع حتى إذا نسي شيئًا من تفاصيل ما أجمل طلبته نفسه بالعدد، وإذا لم يستوف العدد الذي حفظه علم أنه قد فاته بعض ما سمعه، فافهم.

(أَمَرَهُمْ) استئناف تفسير، فقوله (( فأمرهم بأربع ) )ولذا ترك العاطف (بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ) وهو أربعة أجزاء

ج 1 ص 384

فصح إطلاق الأربع عليه، (قَالَ) ؛ أي النبي صلى الله عليه وسلم بيان؛ لاشتمال الإيمان على أربعة أجزاء (أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم هو (شَهَادَةُ) بالرفع (أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا) بضم التاء والطاء (مِنَ الْمَغْنَمِ) أي الغنيمة.

(الْخُمُسَ) ؛ بضم الخاء، وهي أن تقسم الغنيمة إلى خمسة أربعة أخماس للغزاة، وخمس للمصارف المشهورة في الفقه، وغيَّر الأسلوب في الخامسة؛ تنبيهًا على أنها مخصوصة بأصحاب الغزوات مثل عبد القيس، أو لأن الأربعة الأُوَل كانت ثابتة قبل ذلك بخلاف إعطاء الخمس فإن فرضيته كانت متجددة.

اعلم أن هذا الحديث عُدَّ من المشكلات حيث قال «أمرهم بأربع» والمذكور خمس، واختلف في الجواب عنه فقال البيضاوي (الظاهر أن الأمور الخمسة تفسير للإيمان وهو أحد الأربعة المأمور بها والثلاثة الباقية حذفها الراوي نسيانًا أو اختصارًا) .

وقال الطِّيبي من عادة البلغاء إذا كان الكلام منصبًَّا مسوقًا لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له وتوجهه إليه كأن ما سواه مرفوض مطروح، فهاهنا لما لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين؛ لأن القوم كانوا مقرين بهما بدليل قولهم الله ورسوله أعلم، ولكن كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما، وأنهما كافيتان لهم وكان الأمر في أول الإسلام كذلك لم يجعله الراوي من الأوامر، وجعل الإعطاء منها؛ لأنه هو الغرض من الكلام؛ لأنهم كانوا أصحاب غزوات، مع ما فيه من بيان أن الإيمان ليس مقصورًا على ذكر الشهادتين، وإنما ذكرتا؛ تبركًا بهما.

وقيل إن إعطاء الخمس داخل في عموم «إيتاء الزكاة» ، والجامع بينهما إخراج مال معين في حال دون حال، وقيل غير ذلك والكل لا يخلو عن ضعف.

فإن قلت لِمَ لم يذكر الحج وهو أيضًا من أركان الدين؟

فالجواب أنهم إنما سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلًا وتركًا، ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ، وذلك لكثرة تعاطيهم له؛ وقال القاضي عياض(لأنه لم يُفرض إلا في سنة

ج 1 ص 385

تسع، ووفادتهم في سنة ثمان قبل فتح مكة)، لكن الأرجح أنه فرض سنة ست كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦1513] .

(وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ عَنِ الْحَنْتَمِ) ؛ بدل من قوله «عن أربع» ؛ أي عمَّا في الحنتم، وفي رواية النسائي (( عن أربع ما ينبذ في الحنتم ) )أو عن الانتباذ فيه، وهو بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوق. قال أبو هريرة (هي الجرار [2] الخضر) ، وقال ابن عمر (هي الجرار كلها) ، وقال أنس بن مالك (جرار يؤتى بها من مصر مُقيَّرات الأجواف) ، وقالت عائشة رضي الله عنها (جرار حمر أعناقها في جنوبها يجلب فيها الخمر من مصر) ، وقال ابن أبي ليلى (أفواهها في جنوبها تجلب فيها الخمر من الطائف، وكان ناس ينتبذون فيها) ، وقال عطاء (هي جرار تعمل من طين وأدم وشعر) ، وقال بعضهم الحنتم ما طلي من الفخار بالحنتم المعمول بالزجاج وغيره، وتفسير الصحابي أولى من غيره؛ لأنه أعلم بالمراد.

(وَ) عما في (الدُّبَّاءِ) ؛ أو عن الانتباذ فيه وهو _ بضم المهملة وتشديد الموحدة وبالمد وقد تقصر وقد تكسر الدال _ وهو اليقطين [3] . قال النووي (المراد منه اليابس وهو جمع، واحدهُ دباءة بالمد ومن قصر قال دباة) .

(وَ) عما في (النَّقِيرِ) ؛ أو عن الانتباذ فيه وهو _ بفتح النون وكسر القاف _ أصل النخلة ينقر فيتخذ منه وعاء (وَ) عما في (الْمُزَفَّتِ) ؛ أو عن الانتباذ فيه _ بالزاي والفاء _ ما طلي بالزفت.

(وَرُبَّمَا قَالَ) ابن عباس رضي الله عنهما (الْمُقَيَّرِ) ؛ بدل «المزفت» وهو _ بالقاف والياء المثناة التحتية المشددة _ ما طلي بالقار، ويقال له القير وهو نبت يحرق إذا يبس، تطلى به السفن وغيرهما كما يطلى بالزفت، وفي (( مسند أبي داود الطيالسي ) )بإسناد حسن عن أبي بكرة رضي الله عنه قال أما الدباء فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القرع فيخرطون فيه العنب، ثم يدفنونه حتى يهدر، ثم يموت، وأما الحنتم فجرار كانت يحمل إلينا فيه الخمر، وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرن أصل النخلة ثم ينتبذون الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر، ثم يموت وأما المزفت فهذه الأوعية التي فيها الزفت.

هذا وقال النووي(خصت هذه الأوعية بالنهي؛ لأنه يسرع إليه الإسكار فيها فيصير حرامًا، وربما يشربه

ج 1 ص 386

من لا يشعر بذلك ولا يطلع عليه بخلاف أسقية الأدم الغير المزفتة؛ لأنه إذا اشتد الشراب فيها شقها غالبًا فيعلم به صاحبه فيجتنبه).

ثم إن النهي المذكور كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ بما في (( صحيح مسلم ) )من حديث بُريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا ) )، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، والجمهور، وذهب طائفة منهم مالك، وأحمد، وإسحاق إلى أن النهي باق. قال الخطابي وهو مروي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهم قال (وذِكْرُ ابنِ عباس رضي الله عنهما هذا الحديث حين استفتي دليل على أنه يعتقد النهي ولم يبلغه الناسخ، والصواب الجزم بالإباحة؛ لتصريح النسخ، فافهم) .

(وَقَالَ) ؛ أي النبي صلى الله عليه وسلم (احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ) بفتح الهمزة (مَنْ) أي الذين استقروا (وَرَاءَكُمْ) أي خلفكم، وروي من طريق ابن أبي شيبة (( مِن ورائكم ) )_ بالكسر _ وقد مر وجهه، وقد تقدم أيضًا ما يشعر بأن قوله «من ورائكم» يشمل الذين خلفوهم من قومهم، ومن جاء من بعدهم من الأولاد والأخلاف.

وفي الحديث فوائد منها وفادة الرؤساء إلى الأئمة عند الأمور المهمة، ومنها جواز أخذ الأجرة على التعليم على ما قاله ابن التين، ومنها استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنه كما فعله ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل هو أصل في اتخاذ المحدِّثِ المستملي، ومنها استحباب قول مرحبًا للزوار وقد مر، ومنها أنه ينبغي أن يحث العالم الناس على تبليغ العلم، ومنها أن الترجمة والفتوى تقبل من واحد بخلاف الشهادة. ومنها وجوب الخمس في الغنيمة قلَّت أم كثرت، وإن لم يكن الإمام في السرية الغازية، ومنها أنه لا عيب [على الطالب] للعلوم أو المستفتي أن يقول للعالم أوضح لي الجواب ونحو هذه العبارة، ومنها ندب العالم إلى إكرام الفاضل، ومنها أن الثناء على الإنسان في وجهه لا يكره إذا لم يخف فيه بإعجاب، ومنها أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد؛ لأنه فسر الإسلام فيما مضى بما فسر الإيمان هاهنا، وقد تقدم الإشارة إليه فيما مضى، ومنها أن الأعمال الصالحة إذا قُبلت يدخل بها صاحبها الجنة، ومنها أنه يبدأ بالسؤال عن الأهم، ومنها العذر عند العجز عن توفية الحق واجبًا أو مندوبًا، ومنها تحريض العالم للناس أن يحفظوا العلم.

ج 1 ص 387

[1] في هامش الأصل وكونه صفة بناء على أن اللام في القوم أو الوفد كاللام في قوله ولقد أمر على اللئيم يسبني والأولى على رواية الخفض أن يكون على البدل. منه.

[2] في هامش الأصل جمع جرة بمعنى سبو. منه.

[3] في هامش الأصل أي القرع. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت