فهرس الكتاب

الصفحة 981 من 11127

609 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) بمهملات مفتوحات إلا العين الأولى فإنها ساكنة، الأنصاري المازني _ بالزاي والنون _، مات في خلافة أبي جعفر، ومنهم من ينسبه إلى جدِّه، واسم أبي صعصعة عَمرُو بنُ زيد بن عوف بن مَبذول بن عَمرو بن غَنم بن مازن بن النَّجار، مات أبو صعصعة في الجاهلية، وابنه عبد الرَّحمن صحابيٌّ.

(عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) رضي الله عنه (قَالَ لَهُ) أي لعبد الله بن عبد الرحمن (إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ، وَ) تحب (الْبَادِيَةَ) أي الصحراء التي لا عمارة فيها، وإنما كان يحبها لأجل الغنم؛ لأن محبَّ الغنم يحتاج إلى إصلاحها بالرعي، وهو في الغالب يكون في البادية.

(فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ) أي بين غنمك، وكلمة «في» تأتي بمعنى «بين» ، كما في قوله تعالى {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} [الفجر 29] ، ثم الغنم جَمعٌ لا واحد له من لفظه. وقال أبو حاتم وهي أنثى. وعن صاحب «العين» الجمع أَغْنام وأَغَانم وغُنُوم. وفي «المحكم» ثنَّوه [فقالوا] [1] غنمان. وفي «الجامع» هو اسم لجمع الضَّأن والمعز. وفي «الصحاح» موضوع للجنس يقع على الذكور والإناث وعليهما جميعًا.

(أَوْ بَادِيَتِكَ) كلمة

ج 4 ص 25

«أو» هنا يحتمل أن تكون للشَّك من الراوي، وأن تكون للتَّنويع؛ لأنه قد يكون في غنم بلا بادية، وقد يكون في باديةٍ بلا غنم، وقد يكون فيهما معًا، وقد لا يكون فيها معًا، وعلى كلِّ حال لا يترك الأذان، فالمعنى فإذا كنت بين غنمك في غير بادية، أو فيها، أو في باديتك من غير غنم أو معها، وفي رواية بالواو.

(فَأَذَّنْتَ للصَّلاَةِ) وفي رواية ، والمعنى واحد؛ أي أذَّنت أنت لأجل الصلاة، أو معنى الباء أعلمت بوقتها (فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ) أي الأذان (فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ) أي غايته. قال التُّورِبشتي إنما ورد البيان على الغاية مع حصول الكفاية بقوله (( لا يسمع صوت المؤذِّن ) )تنبيهًا على أن آخر من ينتهي إليه صوته يشهد كما يشهد له الأولون.

وقال القاضي البيضاوي غاية الصوت يكون أخفى لا محالة، فإذا شهد له من بَعُد عنه، ووصل إليه همس صوته، فلأنْ يشهد له من هو أدنى منه، وسمع مبادئ صوته أولى.

(جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ) هذا من عطف العام على الخاص، وهو يشمل الحيوانات، والجمادات. ويؤيِّده ما في رواية ابن خزيمة (( لا يسمع صوته شجرٌ ولا مدرٌ ولا حجرٌ ولا جنٌّ ولا إنسٌ ) )، وذلك غير ممتنع شرعًا وعقلًا، فإن الله تعالى يخلق فيها الحياة والكلام.

وقال ابن بَزِيْزَة تقرَّر في العادة أنَّ السماع والشهادة والتَّسبيح لا يكون إلا من حيٍّ، فهل ذلك حكاية عن لسان الحال؛ لأنَّ الموجودات ناطقة بلسان حالها بجلال باريها، أو هو على ظاهره، وهو غير ممتنع عقلًا بأن يخلق فيها الحياة.

وقال القرطبي قوله (( ولا شيء ) )المراد به الملائكة.

وتعقِّب بأنَّهم دخلوا في قوله «جنٌّ» ؛ لأنهم يَستَخفون عن الأبصار، فافهم.

ونقل ابن التِّين عن أبي عبد الملك أنَّ قوله هنا «ولا شيء» نظير قوله تعالى {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء 44] . وتعقَّبه بأن الآية مختَلَفٌ فيها.

وأُجيب بأن الآية لم يختلف في كونها على عمومها. وإنَّما اختلف في تسبيح بعض الأشياء هل هو على الحقيقة أو المجاز بخلاف الحديث، والله أعلم.

(إِلاَّ شَهِدَ) بلفظ الماضي، وفي رواية بلفظ المستقبل (لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، والسرُّ في هذه الشَّهادة مع أنها تقع عند عالم الغيب والشَّهادة، وكفى بالله شهيدًا أنَّ أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الدنيا من توجيه الدعوى والجواب والشَّهادة، قاله الزين ابن المنُيِّر.

وقال التُّورِبشتي المراد من هذه الشهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلوِّ الدرجة

ج 4 ص 26

فيما بينهم، وكما أنَّ الله تعالى يفضح بالشهادة قومًا، فكذلك يُكرِم بها آخرين تطييبًا لقلوبهم، وتكميلًا لسرورهم.

وقد أخرج أبو داود والنسائي وابن خزيمة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( المؤذِّن يُغفر له مدَّ صوته، ويشهد له كلُّ رطب ويابس ) ). وفي رواية أحمد عن أبي هريرة (( مدى صوته، ويصدِّقه كلُّ رطبٍ ويابسٍ ) ).

قال الخطَّابي معناه أنه يستكملُ المغفرة [إذا استوفى] [2] وسعَه في رفع الصوت، فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت، أو أنه تمثيل، يريد أن المكان الذي ينتهي إليه الصَّوت لو قدِّر أن يكون بين أقصاه وبين مقامه الذي هو فيه ذنوب تملأ تلك المسافة غفرها الله تعالى له، والمعنى الأوَّل أنسب برواية (( مدَّ صوته ) )بتشديد الدال، كما أن المعنى الثاني أنسب برواية (( مدى صوته ) ).

(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدري رضي الله عنه (سَمِعْتُهُ) أي قوله فإنه لا يسمع. .. إلى آخره (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية (صلى الله عليه وسلم) فحينئذٍ يكون قوله (( إني أراك ) )إلى قوله (( فإنه لا يسمع ) )موقوفًا. ويؤيد ذلك ما رواه ابن خُزيمة من رواية ابن عيينة، ولفظه قال أبو سعيد إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالنِّداء، فإنِّي سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( لا يسمع مدى صوت المؤذِّن ) )فذكره.

ورواه يحيى القطَّان أيضًا عن مالك بلفظ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إذا أذَّنت فارفع صوتك، فإنَّه لا يسمع ... ) )فذكره. فالظَّاهر أنَّ ذكر الغنم والبادية موقوف.

وقال الجلال المحلِّي أي سمعت ما قلت لك بخطاب لي. ويؤيِّده إيراد الرَّافعي هذا الحديث بلفظ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد (( إنَّك رجلٌ تحب الغنم ) )، وساقه إلى آخره.

وسبقه إلى ذلك الغزالي وإمامُه والقاضي حسين وابن داود «شارح المختصر» وغيرهم، وجعلوا كله مرفوعًا، وردَّه النووي.

وأجابَ ابنُ الرِّفعة عنهم بأنهم فهموا أنَّ قول أبي سعيد «سمعتُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم» عائد إلى كل ما ذكر، والصَّواب مع النووي.

ومن فوائد الحديث استحباب رفع الصوت بالأذان؛ ليكثر من يشهد له، ما لم يُجْهده أو يتأذَّى به، ولو أذَّن على مكان مرتفعٍ؛ ليكون أبعد لذهاب المسجد لكان أولى، وكان بلال رضي الله عنه يؤذِّن على بيت امرأة من بني النجار بيتها أطول بيتٍ حول المسجد.

ومنها العزلة عن الناس لاسيَّما في أيام الفتن.

ومنها اتِّخاذ الغنم والمقام بالبادية، وهو التَّبدِّي، ومساكنة الأعراب، ومشاركتهم في الأسباب بشرط خط من العلم، وأَمْنٍ من غلبة الجفاء، وهما من عمل السلف الصالح.

ج 4 ص 27

ومنها أنَّ أذان المنفرد مندوب إليه، ولو كان في برِّية؛ لأنَّه _إن لم يحضر من يصلِّي معه_ يحصل له شهادة من سمعه من الحيوانات والجمادات.

وللشَّافعي في أذان المنفرد أقوال

أحدها أنَّه مندوب، وهو أصحُّها؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه هذا.

والثاني وهو القديم أنَّه لا يندب؛ لأنَّ المقصود من الأذان الإبلاغ والإعلام، وهذا لا ينتظم في المنفرد.

والثالث أنَّه إن رجا حضور جماعة أذن لإعلامهم، وإلَّا فلا، وحمل حديث أبي سعيد رضي الله عنه على أنه كان يرجو حضور غلمانه.

ومنها أنَّ الجنَّ يسمعون أصوات بني آدم.

ومنها أنَّ بعض الخلق يشهد لبعض، والله أعلم.

ورجال إسناد هذا الحديث مدنيون إلَّا شيخ المؤلف. وقد أخرج متنه في «ذكر الجن» [خ¦3296] ، و «التوحيد» أيضًا [خ¦7548] ، وأخرجه النسائي، وابن ماجه في «الصلاة» .

[1] ما بين معقوفين مثبت من المحكم لابن سِيْده وعمدة القاري.

[2] ما بين معقوفين من معالم السنن وإرشاد الساري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت